يونيو 1967 وهذه الغابة السوداء

■ كل عام تدور المناقشات حول هزيمة يونيو/حزيران 1967 بينما أنا أعد الأيام لتمر وأردد سؤالي لنفسي هل كنا في حاجة إلى هذه الهزيمة لنعرف الحقيقة؟ رغم مرور اثنتين وخمسين سنة ومازلت أرى نفسي كلما حلت الذكرى بين ظلام دامس لم يكن قبله أرض ولا بشر.
ذلك كان شعوري ليلة العاشر من يونيو، بعد أن انطلقت الجموع في المساء بعد خطاب التنحي لعبد الناصر، تملأ شوارع الإسكندرية، بينما أنا أسير عكس اتجاههم.
كل الحشود كانت تتجه إلى ميدان المنشية، وأنا قادم من حي بحري، من شارع البحرية، متجها إلى شركة الترسانة البحرية، التي كنت أعمل فيها في منطقة الورديان. كنت في الواحدة والعشرين من عمري أعمل ذلك الوقت مدربا لأعمال الكهرباء في مركز تدريب الشركة، الذي كان يمنح طلابه دبلوما مساويا لدبلوم المدارس الصناعية، وكان طلابه يعملون في الترسانة وقد أنشئ من أجل ذلك. في الليل لا يوجد تدريس ولا طلاب، لكنني كنت مسؤولا عما سميناه بقوات الدفاع المدني، وكان يسهر معي كل ليلة عدد من زملائي المدرسين والمدربين.
لم تكن الهزيمة مفاجئة لي. عرفت بها مساء السادس من يونيو. في تلك الليلة كنا كعادتنا نقطع السهر ببعض الألعاب للتسلية، وكان منها لعبة تنس الطاولة، التي كنت بارعا فيها. كان مدير المركز رجل جيش برتبة مقدم اسمه «سَلاّم» لا أذكر اسمه كاملا للأسف، وكان أحيانا يسهر معنا بعض الوقت.
كنت ألعب معه تنس الطاولة، وكنت سعيدا بما تنشره الصحف عن تقدمنا إلى تل أبيب، وعن عشرات الطائرات التي أسقطناها فقال لي «هل تصدق يا إبراهيم ؟» فاجأني واندهشت من رجل جيش يقول ذلك، واستمر يتحدث فقال «أنا رجل عسكري وأقول لك إنه ليست لدينا هذه القوة.
نحن مهزومون يا إبراهيم». صارت دهشتي أكبر فقال لي حاول أن تصل إلى إذاعة أجنبية لتعرف الحقيقة. كان هناك تشويش على كل الإذاعات الأجنبية منذ يوليو/تموز 1952. ولم تكن هناك صحف أجنبية تدخل مصر.
تركته وحاولت مع الراديو الموجود في مكتبي الوصول إلى محطة إذاعة أجنبية، ووصلت إلى صوت غير واضح كثيرا من إذاعة «بي بي سي» الإنكليزية، وأرهفت السمع لوقت طويل حتى سمعت أن جيشنا انسحب إلى خط الدفاع الثاني، منطقة المضايق وسط سيناء، وأن قوات العدو تتقدم. شملني الصمت طول الليل، ولم أشارك في عمل أو حديث، وحاولت أن أقنع نفسي بكذب هذه الإذاعة، كما يقال لنا دائما، ومرّ نهاراليوم الثاني السابع من يونيو، وفي المساء وأنا في موقع الدفاع المدني أذيع خبر انسحاب الجيش إلى خط الدفاع الثاني، الذي عرفته أمس! لا أذكر أنني تابعت شيئا بعد ذلك حتى مساء اليوم التاسع، حين مشيت من شارع البحرية إلى شركة الترسانة، أرى آلافا من البشر بملابس البيوت وملابس الخروج، رجالا ونساء وشبابا وبنات وأطفالا تصرخ في الشارع رافضة تنحي عبد الناصر.
في الحقيقة رافضة للهزيمة. ومشيت أنا بعيدا عن أصدقائي. اتجهوا كلهم إلى ميدان المنشية وأنا أخذت طريقي إلى الترسانة البحرية باعتباري مسؤولا عن الدفاع المدني.

ماذا فعلت الهزيمة بالأدب والأدباء، فقط أحب أن أقول إن خمسة أيام الحرب من يونيو كل عام هي ليال سود لم يكن قبلها ليل ولا بشر، وهذا ليس إحساسا، بل رؤية أراها وأرى نفسي بينها كل عام حتى يمر هذا الشهر.

في الطريق الطويل كانت الحشود لا تنقطع ذاهبة إلى المنشية وأنا وحدي في الطريق المعاكس. دخلت إلى الشركة فلم أجد بشرا غير خفر السواحل والظلام فوق كل المدينة بسبب توقّع الغارات وفوق الترسانة طبعا وبدت لي أوناش الورش الضخمة التي رحت أمشي فيها وبينها وحدي مثل وحوش منسية منذ آلاف السنين.
ذلك ظلام لا أنساه أبدا. انتهيت من التجوال بالشركة على غير هدى وبلا سبب وعدت إلى مركز التدريب فلم أجد أحدا من زملائي في الدفاع المدني. تمددت على الأرض في ساحة المبني ورحت أنظر إلى السماء طول الليل.
يعاودني هذا الظلام كل عام في ذكرى الهزيمة. كنت على يقين أنها هزيمة وليست نكسة، وكنت أشعر بأن علاقتي بالناصرية كفكر وأمل قد انتهت. وفعلا منذ ذلك اليوم أخذت نفسي إلى الشيوعيين، لكن هذه تجربة أخرى.
أدركت بسرعة أنني عشت زمنا مزيفا وأنه رغم المشروعات العظيمة في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة، فهناك شيء غائب لم أكن أعرفه أنا الذي أخذتني الناصرية في أحضانها منذ الطفولة. الشيء الغائب هو الديمقراطية.
وبدأت أقرأ من جديد فعرفت ما لم تكتبه الصحف أبدا عن المعتقلات التي كنت أرى بعض ضحاياها من المفكرين يظهرون على شاشات التلفزيون بعد الإفراج عنهم عام 1964 يمجدون في الاشتراكية في مصر. عرفت أنها لم تكن اشتراكية بقدر ما كانت رأسمالية دولة وغير ذلك كثير.
تابعت الكتب التي كانت ممنوعة في مصر وتصل بالتهريب إليها وعدت أقرأ عن ثورة 1919 لأعرف كم ظلمها تفكير يوليو ورجال يوليو وكيف تم تزييف التاريخ كله ما قبل يوليو. بل كيف كانت الليبرالية تنشط وتتسع إبان العصر الملكي وكيف تم إيقاف ذلك بانقلاب سمي في ما بعد ثورة، وظل محتفظا سياسيا بروح الانقلاب.
بدأت مرحلة جديدة في حياتي لم أعد فيها متوافقا مع ما حولي، حتى في معارضتي مع غيري من الشباب للسادات في سياسته الاقتصادية والاجتماعية، لم يكن ذلك لي حرصا على منجزات عبد الناصر، بقدر ما كان حرصا على الحفاظ علي مقدرات الوطن. لم يدهشني الهروب الكبير لكثير ممن سموهم رجال أعمال أيام السادات بالأموال التي اقترضوها من البنوك. كان ذلك طبيعيا في حكم يدرك أن منجزات عبد الناصر ليست اشتراكية، لكنها رأسمالية دولة تستطيع بحاكم آخر أن تبيعها ولو للصوص. مضى زمن طويل على ذلك، وكان يمكن أن يتم إصلاح ما أفسدته الديكتاتورية، لكن كيف يتم واليد الحديدية هي التي تبني أو تبيع.
كان لذلك تأثيره على الأدب طبعا وعلى كتابتي التي كنت مبتدئا فيها ولغتي وسردي وعلى كل الكتّاب في الستينيات وبعدها. لقد كانت الهزيمة وراء تيار كامل في الكتابة المصرية والعربية، لكن هذا حديث آخر قد أكتبه يوما.
ماذا فعلت الهزيمة بالأدب والأدباء، فقط أحب أن أقول إن خمسة أيام الحرب من يونيو كل عام هي ليال سود لم يكن قبلها ليل ولا بشر، وهذا ليس إحساسا، بل رؤية أراها وأرى نفسي بينها كل عام حتى يمر هذا الشهر. رغم أنني مشيت عكس الاتجاه مرة أخرى يوم وفاة عبد الناصر إذ كنت في القاهرة، وأعلن خبر وفاته في المساء فأخذت القطار الصباحي إلى الإسكندرية. كنت وحدي في قطار كامل. وحدي مع الكمسارية والقطارات كلها مليئة بالبشر إلى القاهرة. هل كنت قاسيا؟ لا.. كانت حجتي لنفسي أن أكون بين أصدقائي لكنني أدركت في ما بعد أنني صرت غير متوافق مع الحياة، فليل الهزيمة لا يزال يحاصرني بالوحوش السوداء حتى الآن وإن صار يستيقظ في يونيو فقط.

٭ روائي من مصر

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية