«يعبر الزمن على درّاجة» مجموعة القاص المصري حسين منصور: المفارقات السردية ومعابر العجائبي

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في مجموعته القصصية «يعبر الزمن على درّاجة» يعتمد الكاتب المصري حسين منصور مساحات العبور والتداخل بين الواقعي والخيالي أو العجائبي، وهي مساحة أساسية في كتابة القصة القصيرة في أصل نشأتها لارتباطها بالأساطير والمعتقدات، ولارتباطها بالحلم والشعر، وبالأزمنة المتداخلة التي تتجلّى في النصوص بشكل غير تراتبي. ويبدو الحلم حاضرا بوصفه الآلية الأولى لكسر التراتب والنمو التصاعدي في اتجاه سردي وحيد، ولكسر النمطية الكلاسيكية السردية، فالحلم طريق أولى لتداخل العوالم، ولمفارقة المنطق البشري في تسلسل الحدث السردي.
ويتجاوب مع التداخل السابق اشتغال على الموت والحياة، وعلى الأسئلة الوجودية التي لا يصل الإنسان إلى إجابة شافية عنها. ولكن هذا الاشتغال لا يأتي بشكل مباشر، بل يتجلى في سردية خاصة مشحونة بالأحلام والاستعارات الكبرى التي تحتوي على رموز منفتحة الدلالة. الكتابة في هذه القصص مشدودة إلى عالم ريفي شعبي، بعاداته وتقاليده وآثاره، وبلغته المملوءة بألفاظ أصبحت مهجورة، ولا يعرفها إلا أناس أقاموا وعاشوا في هذا العالم، فكأن الكتابة مهمومة بالإمساك بالذاكرة والطبقة الحياتية التي تتسرّب باختلاف الحياة وتطوّرها، فهناك ألفاظ ذاهبة للانقراض مثل (الليوان) و(مدار). وهذا يكشف أو يفسّر الانفتاح على الأساطير الشعبية، وحكايات الجن والعفاريت، وعلى العلاقة بينها وبين البشر، وهذا يفرض نوعا من تعدد الخطابات التي تحمل وهجا ودلالة.
هذه الخطابات يتمّ تحبيكها داخل الخطاب السردي، وإن كانت تؤدي إلى الغموض في أحيان قليلة، وتتطلّب نوعا من التأني في الوقوف أمامها، ووعيا بهذه الخطابات العديدة وأنظمتها السردية. في قصص هذه المجموعة هناك بطولة مأزومة، لأن الواقع لا يستجيب لآمالها وأحلامها، فتصنع وجودها في نسق أحلام اليقظة التي تلتحم بالأسطوري والعجائبي، وتصنع خرقا للمواضعات وللنسق المنطقي العقلي المقبول، فالواقع بطبيعته وضغطه المستمر على الفرد في حركته وحريته واختياره يهشمان فرديته. يشعر الأبطال غالبا بالتهميش والتوجيه من أفق أعلى يحدد لها مساراتها المختلفة في الحياة، وليس أمامها- والحال تلك- سوى أن تتحرّك مكبّلة وفق المحدد سلفا.
في القصص ثمة وقوف طويل أمام الموت والموتى، وأمام عوالمهم المزدانة بالصمت، وعن الروح التي تفرّ من الجسد، وتظلّ تحلّق وتستعيد وجودها مرة أخرى من خلال الحركة ولقاء الآخرين من الأصدقاء، وكأنها بهذا الفعل تحاول تحرير نفسها من الجسد، وفي لحظة انعتاقها تعيد وتؤسس اتصالها مع الآخرين المشابهين في القيم والسلوك. أبطال القصص يصنعون حريتهم بالجنون، وبالأحلام التي يعرفون أوان نسجها والعيش في إطارها، وأوان التفلّت منها لمواجهة الواقع بوسيلة ترتبط بالصراع المباشر.

أشكال العجائبي

في قصص المجموعة تتعدد أشكال العجائبي، أو تتعدد – إذا شئنا الدقة – أشكال الخروج والعبور عن النسق الواقعي، منها ما يأتي متخيلا تحوّل إلى واقع. فالبطل في قصّة «رأيت ما لا ترون» شبيه بالأبطال أو الشخصيات المتصوّفة التي تفرّ من الواقع إلى عالم أكثر رحابة واتساعا وانسجاما مع الفكرة الإنسانية، ومن ثم يصبح فعل التعرّي عودة والتصاقا بأصل ومصدر الوجود، ويصبح الطيران حالة انعتاق كامل من الحياة وأدرانها، ووصولا إلى صفاء كامل. وبعد توقف المطر يعود إلى هيئته الأولى، يحكي للناس بفاعلية الذاكرة عن العالم الذي انسجم بالالتحام به.
يلفت النظر في هذه القصة شيئان، الأول منهما يتمثل في غياب العالم الذي يسبق نزوع البطل إلى العجائبي الذي يطلّ بوصفه الوجه الآخر لعالم تمّ تغييبه. ولكن حكايته عن العالم الذي توحّد به لفترة من الزمن، وإشارته أو معرفته وإحساسه بالجزئيات التي يحكي عنها، وهي على الترتيب (عالم الأرواح، والنور، والرحمة والملكوت)، وكلها تشكّل حالات تسام تستدعي نقيضها الواقعي المقابل، وإن لم يذكر صراحة، وهذا جزء من طبيعة بنية القصة القصيرة التي تحتم على القارئ تكوين جزئيات لم تذكر صراحة انطلاقا من طبيعة المسرود عنه والمذكور.
الأخير يتمثل في أن الناس أو البشر لم يصدقوا حالته أو حكاياته عن العالم الآخر السامي، لأنهم لا يزالون يرفلون في حدود المادية الجسدية، ويفصلون بين العالمين فصلا تاما، ولا يتخيلون أن هناك معبرا أو معابر للسمو والخروج والعودة. صدّقته فقط الفتاة- معادل الطفولة والبراءة- وأقرّت برؤيته وهو يطير، والطفولة لها حضور واضح في قصص المجموعة، إذ تلحّ بكونها الوجود الرائق للحياة الذي تختفي عنده الأسئلة المعرفية المؤرقة، وهي بطبيعتها منفتحة على ازدواجية الواقعي والعجائبي في رصد العالم والانفتاح عليه، وهذا قد يعيدنا إلى جملة جاءت في بداية القصة تعبر عن رغبته في العودة إلى البراءة قبل التدنيس والانشغال بالعالم، حين يقول النص (ودّ للحظة أن يشعر ببراءته).
في قصص أخرى يبدو الحلم مهيمنا بوصفه آلية فاعلة تخرج البطل من عالمه المادي إلى براح العالم المتخيل الواسع الذي يمسّ الارتباط به كثيرا من الأسئلة الوجودية. ففي قصّة (دمى قاتلة) هناك انفتاح من بداية النص على الحلم، حيث تتجلّى فيه جزئيات متعلقة بأزمة البطل الشخصية، في شكل بنائي محكم لا مجال فيه للزيادة أو الترهل. وإذا كان النص منفتحا على الحلم الذي يستدعي- بالضرورة- العجائبي، فإن العجائبي المبني على الحلم يأتي بوصفه تعويضا عن الواقع.
القارئ في ظل ذلك التبادل والتداخل بين العالمين يستطيع أن يحدد صورة القسيم الواقعي الآخر، وإن لم تذكر صراحة باستدعاء النقيض الذي يطلّ في عالم الحلم الحاضر بقوّة. وإذا كانت حدود المتخيل القائم على الحلم في هذه القصّة تحددها مجموعة من الإشارات الخافتة في بداية الحلم، فإن صورة القسيم الواقعي المغيّب تتأسس من خلالها. فالنص يوجهنا نحو حالة التكرار والآلية التي يعيش فيها البطل، خاصة تلك التي تفصح عن ارتهان يومي دائري رتيب من خلال (قائمان وعارضة بينهما)، و(مسار محدد)، والأسوار المحيطة التي تشكّل سياقا (كأنه ملعب ملاكمة).
الواقع وجهامته لافتان في هذه المجموعة، يتجلّى ذلك من خلال قياس حجم وأشكال الخروج إلى المتخيل، لأن هذا الحضور اللافت في النصوص السردية يشير إلى أن الواقع يمارس ضغوطا على الذات أو على البطل. ولهذا نجد هذه الذات تشكّل بواسطة المتخيل جدار حماية ومجابهة، لكي تكتسب قدرة على الاستمرار. ولكن في تكرار هذا الخروج نشعر في بعض الأحيان أن الخيط الواقعي والمتخيل يمكن أن ينقطع، ومن ثم تنتفي القدرة على العودة إلى الواقع، ويتحوّل السرد إلى شكل هذيان وخروج كامل يفقد من خلالهما المنطقية، على نحو ما يمكن أن نرى في قصّة «بيت مظلم في آخر الشارع».
يمكن للقارئ أن يعيد قراءة القصّة وفق هذا التأويل، وتصبح الفتاة التي ترافقه إلى بيتها المظلم إشارة أو رمزا للحياة التي يحتاج البطل أن يأنس بالحديث معها، أو يشعر بالراحة بالاقتراب منها. هذه الراحة التي فقدها تدريجيا، وخرج من طوره المنطقي أو الطبيعي، ليصبح السرد متداخل الجزئيات في انتقالاته غير المنطقية عن الأب والأم، وامتلاك أجداده لمركز الشرطة والمدرسة. وينمو الأمر حيث نراه يضع نفسه صاحب سلطة فاعلة، ليس فقط بين البشر العاديين، ولكن بين الرؤساء والملوك والأمراء.
معابر الانتقال من الواقعي إلى المتخيل، لا تقف عند حدود التعلّق بالعجائبي وعوالمه المغايرة، أو بالحلم في أفقه الخاص، أو بالسرد المرضي الذي يفقد فيه البطل الحدود بين العالمين، فيتحوّل- نتيجة لذلك إلى ملامح صورة مرصودة في أذهاننا لفقدان العقل أو المنطق، بل نجد أن هناك معابر أخرى تحقق هذه النقلة وذوبان الحدود الصلبة بين العالمين، خاصة إذا تجاوب بشكل خاص في كثير من قصص المجموعة، التفات خاص نحو الأساطير الشعبية التي لا يزال صداها موجودا وفاعلا.

المفارقة السردية

المعابر السردية التي رأينا صداها واسعا في قصص المجموعة بين الواقع والمتخيل، يتأسس لها دور سردي في إحداث المفارقات الزمنية أو المفارقات بين الأمكنة، بين المحدد وغير المحدد، وبين المدرك وغير المدرك بالحواس المعهودة. فقيمة الحلم تتمثل في قدرته على رصد مساحات زمنية متباعدة متداخلة في لحظة واحدة، وتتجلّى أقرب إلى الغموص والتعقيد، وتحتاج إلى انتباه يقظ. القارئ يعاين المفارقة الزمنية، ويعاين المفارقة المكانية. ولكن هذه المفارقة لا تتعلّق بالزمان أو بالمكان فقط، لكنها تتعلّق- في الأساس- بوعي الذات في مقاربة العالم، واختلاف تلقيه ومناوشته له بين الصراع والنزال في مقابل الخنوع والتسليم.
في قصة (ميدان على سريري) يدرك المتلقي أن وصف الغرفة بجزئياتها في البداية ليس عاريا من الدلالة، لأن الغرفة هنا مكان دال على اللحظة الزمنية الآنية، وصورة الكاتبة المعلقة على الحائط وعدم قدرته على تذكّر اسمها شيء مهم وأساسي في ولادة الحلم. وذكر الاسم في بداية الفقرة الثانية، يمثل تحديدا ونفيا للتغييب الخاص بالاسم في الفقرة الأولى. واللقاء المبني على الحلم مع هذه المرأة يوجّه نحو التعاظم على الواقع أو على فقدان النموذج الأنثوي لأسباب خاصة يكشف عنها في النقلة التالية التي تكشف عن عمل الأب وطبيعته.
يتساوق هذا مع التيه وفقدان الطريق والبوصلة في الإطار الواقعي. وفي نهاية الحلم من خلال صوت الهاتف، نعود إلى المكان الأول الذي بدأ منه السرد أو القصة قبل الدخول إلى الحلم، وفيه تتكشّف الآلية والنمطية التي يعيش فيها بطل القصة، حيث يقول «كان الميدان فسيحا ومغلقا وخاليا، أقف فيه وحيدا، وشارع وحيد ضيّق وممتد أسير فيه دائما دون وصول». الحلم يمثل هنا حالة ونقلة للخروج، فالاحتماء بالحلم إطار أساسي للتعاظم على كلّ الفرص الضائعة، وعلى الأماني التي لم تتحقق، ويظل البطل يلهث وراءها معتقدا أن هناك إمكانية للوصول ولو خيالا أو حلما، فالحلم باب لفتح إمكانية جديدة للاستمرار والتعلق بالحياة.
في قصص أخرى من قصص المجموعة يأتي التداخل والعبور من الواقعي إلى الخيالي مرتبطا بوجود نوع من التفتت والانقسام في الذات أو الشخصية، بحيث يظلّ قسيم منها واقفا عند حدود الدور الواقعي، والقسيم الآخر يتحرّك وفق هواه ورغبته عن طريق الحلم أو الخيال، ولكن يظهر في النص وسائل ارتباط تكشف عن تماه بينهما. في قصّة «نجمة بين كفيه» يتأسس النص السردي على وجود سارد يرصد نفسه متكلّما، ويرصد شخصية أخرى من خلال الغياب، وهي شخصية (محمد بن شوقية) الذي تاه في سنّ صغيرة، وتنوّعت التفسيرات العديدة لغيابه إلى مناح شتّى، منا الموت، ومنها الانجذاب، ومنها الجنون.
لكن المتأمل للنص القصصي يدرك أن هناك مساحة من مساحات التماهي بين السارد وابن شوقية، يكشف عنها حلم الطيران، وطبيعة الحلم أو المتخيل الذي يمرّ به الفرد أو يعيشه أو يخلقه. وبعد انتهاء الحلم يظل المرء عالقا هناك في مكان ما بالسماء. أو تظل من هذا الحلم بقايا تؤثر على تجذّره في العالم. اللافت للنظر أن الحلم هنا لا يرتبط بالزمن أو بمفارقاته الزمنية، بل يرتبط بالمكان. فمع الواقع يدرك القارئ أنه أمام مكان محدد، فيه التعب والإجهاد والعمل المنهك للبطل، سواء في مجال الزراعة أو في مجال النجارة.
في كثير من قصص هذه المجموعة ندرك أن هناك حضورا للأطفال بوصفهم اكتشافات لافتة للبصر والبصيرة، فسنّ الطفولة أو ما فوقها بقليل يأتي فاعلا ومؤثرا، وذلك لتفسير هذا الوجود المهم لفكرة الانقسام أو التوزّع للذات الواحدة بين واقعي متعب، وخيال تتوق إليه، لأن فيه خلاصا وخروجا من مآزقها العديدة. النص السابق من خلال الفارق بين الحلم والواقع يقارن بين مكانين، من خلال بطل واحد منقسم إلى ذاتين. ويكشف عن هذا التوحّد- وكذلك يشير إلى مشروعية التأويل- مجموعة أشياء من المشابهة في الملبس، والمشابهة في طلب الأب، والمشاركة والتأثير في العالمين الخيالي والواقعي.
حسين منصور: «يعبر الزمن على درّاجة»
بيت الحكمة، القاهرة 2025
123 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية