«يعبر الزمن على درّاجة» مجموعة القاص المصري حسينِ منصور: عن سرد الأحلام والحدود السائلة للحكاية

صابر رشدي
حجم الخط
0

يعتمد القاص المصري حسين منصور في نصوص هذه المجموعة على تقنية الحلم، واللعب على الزمن، والموروث الشعبي، والفانتازيا التي تغذيها الروح المحلية، لا المستوردة أو تلك القائمة على غرائبيات قادمة من عالم الكتب.
للوهلة الأولى ننجذب إلى العنوان المجازي، والذي يلقي بظلاله على بقية الإضمامة ليوحدها تحت هذا المعنى الذي يحتاج إلى شيء من التفكيك، لنعرف أي رحلة سنخوضها في هذا العالم السردي. فنحن أمام الزمن بتحولاته وعناصره: الحنين والذاكرة، التغير والاندثار، الاستمرارية والقدر، والولادة الدائمة للماضي داخل الحاضر. لنترك هذا كله ونخرج بعدها الزمن من تجريده، وننظر إلى الدراجة وإخضاعها للحكي الأسطوري والحلمي؛ الحكي الهادئ، بلا ضجيج، المتحكم فيه مثل قيادة الدراجة، على عكس الزمن المتحكم فينا. وعلى الرغمِ من انفلات المنطق، فإن العنوان يجعل تجاوز الحدود بين الممكن والمستحيل قابلاً للحدوث عبر أكثر من قصة في المجموعة، على نحو غرائبي يُلغي الرتابة ويمنح الأشياء أرواحاً جديدة، مُلخصاً في الوقتِ نفسه اشتغال الكاتب على تبديل قوانين الواقع وإعادة تشكيل الزمن وفقاً لأحلامه.
ففي قصة «ربما صرت شبحاً» يجري تشييء الزمن كما هو مألوف في الحكايات الشعبية؛ فالأشياء تتكلم، والليالي تُسافر، والدهر عنصر فاعل في كل الأحوالِ: «في مكان كأنه حي السيدة زينب أو السيدة نفيسة ـ فهمت ذلك من الأضرحة التي تنتشر في المكانِ ـ مشيت، دخلت حارات كثيرة، وأزقة مسدودة تردني، أدخل وأخرج أبحث عن ميدان كنت أستقل منه سيارة الأجرة، وأعود إلى بلدنا، ما اسمه؟ لا أذكر».
مدخل يوحي بأنّه يحلم، لأنّه يتحدث عن جغرافيا غير مؤكدة، مستخدماً «كأن» للربط بين عنصرين على وجه الشبه، ربما رغبة دفينة تتطلّع إلى الروحاني، إلى عتبات آل البيت، من خلال روح متعبة تُخفي هذا الحنين.
نعم، إنه حلم، مبني على رغبة الوصول إلى ميدان معين يعج بالحافلات حتى يستطيع العودة إلى بلدته، لكنّ أصداء ما حوله تترامى إليه، تخترق منامه؛ فهو راوٍ مُدقق، يلتفت جيداً إلى هذه الحالة البينية، يُسجل كل شيء، عبر دمج الفانتازي المجلوب من الرؤى بالواقع المحيط، وسرد تفاصيل غائمة عن سعيه للعودة، رفقة لمحات عن أسرته الصغيرة، حتى ينهي حلمه بإرادته ليخرج من تلك الحال إلى ضيق الأزقة والبيوت، مُستسلماً لليقظة، ومتحولاً إلى شبح لا يشعر به أحد.
وفي نصوص هذه المجموعة نلاحظ مزيجاً من سلاسة الأسلوب والوضوح، والعناية ببساطة اللغة التي تبعث الحياة في المشاهد، ما يجعلنا نتفهم كل ما يذهب إليه الكاتب بما تمتلكه هذه اللغة من قدرة على الإيهام. كما في قصة «المرأة الغراب» التي تسقط فيها سمات مثل الغموض والسواد والنذير والانعزال والصوت المزعج على المرأة، لنشعر بوجود كائن هجين غير محبوب وغير مستأنس في الموروث الشعبي، حيث تقترن الأنوثة بما هو مخيف أو غريب نتيجة هذا التنافر الذي يصنع هوية معقدة.
فهذه القصة، على الرغم من قصرِها، رؤية مفعمة بعناصر الكابوس: عواء، وثعبان، وبومة، وامرأة بأجنحة سوداء. خليط مثالي لبناء قصة مرعبة.
أمّا في قصة «يعبر الزمن على دراجة»، فثمة مدخل تمهيدي أراه إضاءة على هوية هذه المجموعة القصصية، المادة الخامّ التي ينهل منها الكاتب، مادة الأحلام تحديداً:
«لم يكن أبي يراجعني في حلم قصصته، أو حكاية حكيتها، مهما كانت غريبة؛ فلا يسألني عن الرجل الذي نبتت له أجنحة وطار حتى ارتفع إلى مئذنة الجامع: كيف طار؟ ولم يكن يكذبني في حكاية الذئب الذي قابلني وأنا عائد من المدرسة، فقذفته بطوبة أصابت عينه؛ فأسرع إلى أمه يبكي كجروٍ صغير، ولا يستفسر كيف ركبت على ظهر الحوت، وطاف بي في البحر وفرجني على كل شيء فيه».
ذاك الأب الذي لم يستغرب حكايات الابن عن الجنيات والعفاريت التي يزعم أنه يراها في الظلام، بل كان يستحثه على الاستمرار في الحكي، مشجعاً، مصاحباً له في رحلاته الخيالية. لعله كان أباً متخيلاً أيضاً، اتخذه الراوي تِكأةً للمرور إلى عالمه الأثير.
في هذه القصة يسرد على والده، أو بالأصح يسرد علينا، حكاية جرت له في الواقع، هو وصبي آخر صديق له، عن درّاجة معطوبة، وصبي ثالث يترصد له آخرون، شبان أربعة مسلحون. الحكي هنا يحمل مبالغات طفولية لأنه يجري في الواقع بعيداً عن الأحلام؛ فالذات الساردة تنظر إلى الحياة بوصفِها مادة قابلة للتخييل، مفتوحة على الفانتازي واللامعقول، والأب هو الضامن لإنتاج هذا الخيال، والداعم له؛ فبتصديقه للصبي وكأنّه يتلقى القصص كحقائق، يمنح الحكاياتِ معنى وقيمة، فهو ليس شخصية واقعية بالكامل، لكنّه جسر بين عالمين: عالم الحلم وعالم الوعي السردي، ووسيط نعيش الحكاية من خلاله.
أما في قصة «رأيت ما لا ترون» فقد توافق اللجوء إلى التكثيف مع حالة التجريد القصوى لبطله، الذي جاء الحديث عنه بلا أوصاف؛ بطل يغيب عنه الاسم والعمر والملامح. فقط شخص جالس على رصيف مقهى يدفئ كفّيه بكوب شاي ساخن، لكنه يود أن يشعر ببراءته؛ فخلع ملابسه ووقف وسط الشارع، ليغسله المطر الغزير وترسم أضواء السيارات على جسمه قوس قزح، ليشعر بنشوة غامرة، كأنه صار حراً، يرفرف بجناحيه طائراً نحو السماء. يهيم بعدها في الشوارع، يحدث الناس عن عالم الأرواح، عن النور، عن الملأ الأعلى قائلاً: «أرى ما لا ترون».
يبدو أننا أمام شخصية غير واقعية، تمثل الإنسان في أصفى حالاته، لا فرداً محدداً يتقيد بمنظومة العادات والقيم التقليدية؛ إنّه يقف تحت الماء ليتطهر من خطايا العالم، آملاً في انبعاث حياة جديدة؛ كائن روحي يقع بين السماء والأرض، رهين جنون ممسوس بالمعرفة والكشف، قد يكون في العمق احتجاجاً روحياً على عالم غارق في المادية الصارمة.
وتجيء خاتمة القصة لتُلقي مزيداً من الضوء على الشخصية التي نجد لها جذوراً متناثرة في الموروث الشعبيّ:
«قالوا إنه مجنون، ولم يصدقه غير فتاة صغيرة همست في أذنه أنها رأته يطير وهي تُطل من شرفة بيتها، تمد يدها لتلتقط حبّة مطر، وتتمنى أمنية لأمها التي قالوا عنها إنها صعدت إلى السماء».
حسناً فعل الكاتب إذ جعل التأكيد السردي على لسان فتاة صغيرة تمثل الصدق والبراءة في الخيال الشعبي.
يكتب حسين منصور من منطقة «البين بين»، بين اليقظة والمنام، والوعيِ واللاوعيِ، والواقع والمجاز، من خلال تسييل الحدود بين تلك العناصر. أما شخصياته فتلامس الأسطوريّ دون أن تُغادر أرض الواقع، معتمداً على اللقطة والمشهد اللحظي، والنهايات التي تكون غالباً مفتوحة أو تُحال إلى حكمة هادئة.
ويبدو تعلقه بالحكايات الشعبية واضحاً؛ فهو دارس لهذا التراث الشفاهي، يقوم بجمعه وتوثيقه والتعليق عليه، وله كتاب منشور في هذا الصدد، عرفت ذلك مصادفة بعدما لاحظت كيف يُمرر الحكايات داخل القصة؛ حكايات مصرية خالصة نابعة من محيطه السكني، مستفيداً من التراث الذاخر الذي يغذي السرد بقدرات إضافية ساحرة إذا استطاع المبدع توظيفه بمهارة واحترافية.
وهكذا تتشكل نبرة سردية خاصة به تمنح القارئ يقيناً خفياً بأن ما يُروى، مهما بدا عجيباً، متجذر في خبرة ملموسة، يظهر فيها التأثر بالبيئة الريفية والفضاءات الشعبية التي شكلت وعيه؛ فصياغة التفاصيل الصغيرة من لهجات الشخوص، والتقاط إيقاع الأمكنة، والحكم المتوارثة، تُضفي على هذه التفاصيل حساً بصرياً عالياً يجعل المتلقي يُعاين المشهد من داخله، لا من خارجه، وهو يستحضر الشفاهي المصاغ برؤى جديدةٍ تعيد الاعتبار للهامشي، وتضع الشخصيات البسيطة في قلب الحركة السردية، متجاوزاً النص إلى تأمل خافت في الصوت الشعبي القابل دوماً للتجدد، ذاك الصوت الذي وجد مبدعاً يستطيع الإصغاء إليه.
تحتوي هذه المجموعة على عشرين قصة تتجاوز المتعة الحكائية، ويجمع بينها السؤال عن المصير والوجود والذاكرة من خلال التجارب اليومية لبشر يهربون من المعقد إلى البسيط، وتذوب علاقتهم بالزمن والعالم والمكان في مساحة واحدة، من خلال وحدة أسلوبية لا تتكلف الصور البلاغية، لكنها تخلق مشهدية قادرة على الإيهام، والاقتراب من رؤية الباطن التي لا تتاح لكثير من العامة. فالكتاب في حقيقة الأمر مُهدى منذ الصفحة الأولى إلى تلك الأرواح التي خلقها الله بلا شائبة. يتجلى ذلك بوضوح في قصة «يا صغيري» حين نقرأ هذا السرد الشجي:
«الطفل ذو السنوات السبع ـ الذي يشبه ابني الصغير كثير الكلام، كثير الحركة ـ جذب تلفيعتي الثقيلة من الخلف: هو مفيش شغل هنا؟ كنت جالساً على الرصيف، عدتي أمامي، والشيكارة التي بها ملابس الشغل بجانبي، فاستدرت إليه ودفعته، فوضع الكيس البلاستيكي جنب الجدار، وجلس يبكي؛ فقمت إليه وطيبت خاطره، فنظر إليَّ معاتباً، فقمت أبكي، وأبحث تحت الوسادة عن مصروف أولادي».
يترك بعد ذلك جنيهاً لكل منهما، وخبز الفينو المعلّق، أيضاً رغيفاً لكل منهما، ثم يعود إلى الحجرة، يضيء النور منادياً على الولدين؛ يصحو الكبير، أمّا الصغير فكان نائماً وعلى خديه بلل.
إنّها لحظة عابرة تحوّلت إلى مسرح يجري عليه اشتباك وجودي بين الفطرة والضغوط الاجتماعيةِ، صراع بين براءة الطفولة وقسوة الحياة، والحنان الفطري للأب أمام تلوث عالم الكبار. كل حدث، مهما كان صغيراً، يقود  إلى آخر في خط حلمي متصاعد ينهض على فضائين: فضاء خارجي نرى فيه معالم الفقر والانكشاف والقسوة، وفضاء داخلي يقربنا من الضوء والدفء العائلي، تجري فيه التحولات الوجدانية للأب عندما ينتقل من الرصيف إلى الحجرة، من خلال التوتر بين الحنان وضغوط الحياة.
وبذلك نلمس صراع الإنسان الفقير ووقوعه بين ضغط الواقع ونقاء العاطفة، عبر نهاية مفتوحة تؤكد استمرار النص خارج نطاقه، وتتيح له الاتساع بدل الانغلاق والاكتمالِ القسري. وهذا ما يميز إلى حد كبير كتابة حسين منصور؛ فقصصه لا تعرف النهاية التقليدية، بل تترك الباب مفتوحاً حتى لا يفرض على القارئ تأويل محدد.

حسين منصور: «يعبر الزمن على دراجة»
مجموعة بيت الحكمةِ للثقافة، القاهرة 2025
123  صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية