وسام الصغيّر لـ”القدس العربي”: تصاعد أصوات المعارضة داخل البرلمان يؤكد بداية تفكك حزام السلطة

حجم الخط
0

تونس- “القدس العربي”: قال وسام الصغير الناطق باسم الحزب الجمهوري في تونس إن تصاعد الأصوات المنتقدة للرئيس قيس سعيد داخل البرلمان يؤكد وجود “تفكك” داخل محيط السلطة.

وقبل أيام، أوقفت السلطات التونسية النائب أحمد سعيداني بعد ساعات من توجيهه انتقادات كبيرة للرئيس سعيد.

وقال وسام الصغير، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “ما نشهده من انتقادات داخل البرلمان نفسه، وخاصة من نواب كانوا محسوبين على الاصطفاف خلف الرئيس قيس سعيد، يؤكد أمرا جوهريا: الأزمة ليست محصورة في المعارضة الخارجية، بل هي أزمة داخلية للنظام نفسه”.

وأوضح بقوله: “الخطابات المناهضة للسلطة والتصريحات التي تتهم منظومة الحكم بوجود شبهات فساد، بما فيها الإشارات إلى ما يُعرف بـ”طرابلسية جدد” من محيط عائلة الرئيس، لم نسمعها من المعارضة التقليدية، بل من داخل البرلمان الذي شكّله سعيد ودعمه سابقا”.

“الخطابات التي تتحدث عن شبهات فساد داخل منظومة الحكم لم نسمعها من المعارضة التقليدية بل من داخل البرلمان الذي شكّله الرئيس”

واعتبر أن هذا الأمر “يعكس ضعف البرنامج السياسي للنظام، وغياب رؤية واضحة للتعامل مع المشاكل الاجتماعية والسياسية، كما يكشف عن تفكك داخل محيط السلطة نفسه، ويزيد من حالة عدم الاستقرار والتوتر داخل المؤسسات”.

وتابع الصغير: “ما يحصل اليوم يؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد صراع بين سلطة ومعارضة، وأنه حتى الحاضنة البرلمانية للنظام لم تعد مقتنعة بالخطوات الحالية، ما يجعل إدارة الدولة أكثر هشاشة وتعقيدا”.

كما علق على قرار تمديد حالة الطوارئ حتى نهاية العام الجاري بقوله: “تمديد حالة الطوارئ إلى نهاية السنة لا يمكن قراءته فقط من زاوية أمنية، لأن تونس تعيش هذا الوضع الاستثنائي منذ 2015، رغم التحسّن الكبير في الوضع الأمني وتراجع التهديدات الإرهابية. فما بدأ كإجراء ظرفي تحوّل إلى حالة دائمة”.

واعتبر الصغير أن “حالة الطوارئ تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية خارج الرقابة القضائية، وهو ما يثير مخاوف جدّية من استعمالها لتضييق الحريات وضرب الحق في التنظيم والتعبير، خاصة في سياق سياسي قائم على الحكم بالمراسيم وتهميش المؤسسات منذ 25 تموز/ يوليو 2021”.

وأضاف: “يمكن القول إن استمرار حالة الطوارئ لم يعد مرتبطا بخطر أمني داهم، بل بمنطق حكم يقوم على إدارة الأزمات عبر الاستثناء، بدلا من العودة إلى دولة القانون والمؤسسات”.

“حالة الطوارئ تمنح السلطة صلاحيات استثنائية خارج الرقابة القضائية تثير مخاوف جدّية من استعمالها لضرب الحريات”

وحول تعامل السلطات مع الفيضانات التي اجتاحت تونس أخيرا، قال الصغير: “لا يمكن التعامل مع الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت عددا من المدن التونسية وكأنها حدث طبيعي معزول أو مفاجئ. صحيح أن ما شهدناه هو نتيجة تراكم طويل لمشاكل هيكلية في البنية التحتية امتدت لعقود، من سوء تصريف مياه الأمطار، إلى البناء العشوائي، إلى غياب الصيانة والاستثمار في شبكات التطهير والحماية من الفيضانات. لكن هذا المعطى لا يعفي السلطة والنظام القائم اليوم من تحمّل القسط الأكبر من المسؤولية السياسية والإدارية عمّا حدث”.

وأوضح بقوله: “رئيس الجمهورية قام بحلّ المجالس البلدية، وهي مؤسسات محلية منتخبة تلعب دورا محوريا في الوقاية، وفي صيانة وتطوير البنية التحتية القريبة من المواطن والتنسيق الميداني أثناء الأزمات. هذا القرار أفرغ السلطة المحلية من مضمونها وخلق فراغا واضحا في الحوكمة المحلية انعكس مباشرة على القدرة على الاستعداد والتدخل السريع”.

وأضاف الصغير: “ما حصل يكشف غيابا واضحا للاستعداد المسبق من قبل الجهات المختصة بالوقاية والاستشراف، رغم وجود مراصد وطنية وإدارات تقنية معنية بمتابعة الوضع المناخي والبيئي، وبالرغم من أن التقلبات المناخية لم تعد استثناء بل واقعا متكررا. التحذير المبكر وتنظيف الأودية وقنوات التصريف ووضع خطط تدخل استباقية، كلها إجراءات كان من الممكن اتخاذها قبل الكارثة، لا بعدها”.

كما انتقد تعامل السلطة مع الفيضانات، والذي “اقتصر مرة أخرى على الخطابات الشعبوية والزيارات الميدانية ذات الطابع الفولكلوري بعد وقوع الفاجعة، مع تحميل “الفاسدين” مسؤولية عامة ومجردة دون إعلان خطط واضحة أو قرارات عملية أو محاسبة فعلية مبنية على مؤسسات وقضاء مستقل. كان الأجدر بالسلطة أن تُصدر قرارات استباقية وأن تشتغل على الوقاية والجاهزية بدل الاكتفاء بإدارة الصور والمشاعر بعد الخسائر”.

وتابع الصغير: “خلاصة القول، الفيضانات ليست قدرا لا يردّ بل هي اختبار حقيقي لنجاعة السياسات العمومية. وما حدث يؤكد أن غياب الحكم المحلي وضعف التخطيط وتهميش المؤسسات والاعتماد على الحلول الظرفية، كلها عوامل تجعل الكارثة تتكرر وتحوّل الظواهر الطبيعية إلى مآس إنسانية وسياسية متواصلة”.

“ضعف المعارضة لا يعبّر عن فشل سياسي أو إيديولوجي بقدر ما يعكس اختلالا في ميزان القوى مع سلطة تواصل كتم الأصوات المخالفة”

من جانب آخر، اعتبر الصغير أن “تواصل تفكك المعارضة التونسية رغم حصول لقاءات ميدانية لمواجهة الاستبداد لا يعود إلى غياب الرغبة في التقارب، بل إلى جملة من العوامل الموضوعية، فهذه اللقاءات بقيت في أغلبها ظرفية وردّ فعل على موجات القمع، ولم تتحوّل إلى مسار نضالي منظّم ومستدام قادر على الصمود”.

وأضاف: “كما لا يمكن فهم هشاشة هذه اللقاءات دون التوقف عند مستوى القمع غير المسبوق الذي استهدف قيادات المعارضة وهياكلها التنظيمية، فوجود أكثر من سبعة أمناء عامين لأحزاب سياسية في السجن إلى جانب مئات القيادات الحزبية والنشطاء تحت الإيقاف أو الملاحقة القضائية، أدّى عمليا إلى شلل في القرار وضرب القدرة على التنسيق والاستمرارية”.

واعتبر أن “هذا المناخ القائم على التنكيل والترهيب والمترافق مع محاكمات سياسية وتضييق إعلامي، لا يستهدف أفرادا بعينهم بقدر ما يهدف إلى كسر الفعل الجماعي وتجفيف شروط العمل الميداني المشترك”.

وتابع: “ضعف المعارضة اليوم لا يعبّر عن فشل سياسي أو إيديولوجي، بقدر ما يعكس اختلالا عميقا في ميزان القوى، تدار فيه الحياة العامة بمنطق القمع والاستثناء، وتعاقب فيه أي محاولة لخلق فعل جماعي منظم في الشارع”.

واستدرك بقوله: “رغم هذا السياق الصعب، لا يمكن إنكار أن الفعل الميداني الجامع ما يزال قائما، وإن كان بطيئا ومتعثّرا، فقد نجحت قوى سياسية وحقوقية مختلفة في الالتقاء ميدانيا، على الأقل حول القضايا الأكثر إلحاحا، وعلى رأسها ملف الاعتقالات السياسية والدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية”.

 واعتبر أن “هذه اللقاءات -وإن لم ترتق بعد إلى مستوى القوة المطلوبة- فإنها تعبّر عن وعي مشترك بأن معركة الحرية لا يمكن خوضها بشكل منفرد، وتشكل نواة مقاومة مدنية قابلة للتطوّر كلما تراجعت سياسات القمع واتسع هامش العمل الجماعي”.

على صعيد آخر، اعتبر الصغير أن إعادة رومانيا حاويتي نفايات إلى تونس “يظل في ظاهره حالة تجارية محددة، لكنه يثير أكثر من سؤال حول جدية الرقابة والإشراف على هذا الملف. صحيح أن القوانين التونسية صارمة في موضوع تصدير النفايات، لكن تكرار مثل هذه الحوادث ووجود شبهات حول تدخل “مافيا محلية” أو شبكات غير مشروعة يشير لوجود ثغرات في التطبيق والمراقبة، وهذا التكرار يسلط الضوء على وجود شبهات حول شبكات غير مشروعة ويعيد إلى الأذهان فضيحة النفايات الإيطالية التي حصلت في فترة سابقة”.

وأضاف: “من زاوية المسؤولية، يبقى النظام الحالي وبالخصوص الرئيس، هو المسؤول الأول عن أي إخلال أو ضعف في الرقابة، فحين يتركز الحكم في يد فرد واحد، فإن أي نجاح يحسب له وأي إخفاق أو تقصير يتحوّل مباشرة إلى مسؤوليته، بما في ذلك الملفات التي تتعلق بالشفافية والبيئة”.

واستدرك بقوله: “الحادثة لا تعكس بالضرورة سياسة رسمية لتصدير النفايات، لكنها تكشف هشاشة الآليات الرقابية وخطورة تركيز السلطة في يد فرد واحد، ما يجعل الدولة وحدها مسؤولة عن النتائج، سواء كانت أخطاء تجارية أو شبهات فساد تؤثر على سمعة البلاد داخليا وخارجيا”.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية