ورشة عمل ترصد معاناة المغاربة مع قطاع الصحة

ماجدة أيت لكتاوي
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: أعلن في المغرب، لأول مرة، عن إطلاق دراسة شاملة تهدف إلى رصد خريطة دقيقة لمخاطر الفساد في القطاع الصحي الخاص، وخاصة في سلسلة توريد الأدوية ومسار ولوج المرضى إلى الخدمات الصحية. وتهدف هذه الخطوة إلى بناء “خريطة” لمخاطر الفساد، من أجل تأسيس “مناعة مؤسسية” طويلة الأمد، تُمكِّن من مواجهة الفساد، كما يواجه الجسد الفيروسات بمناعته البيولوجية.
في هذا الصدد، أكد محمد بنعليلو، رئيس “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، أن الصحة تُعد من أبرز انشغالات المواطنين المغاربة، غير أن هذا المطلب المشروع يصطدم في كثير من الأحيان بعوائق الفساد، وضعف الجودة، وتداخل المصالح، بالإضافة إلى التمييز الخفي في الولوج للعلاج.
جاء ذلك، خلال افتتاح ورشة العمل التي نظمت في الرباط، يومي 17 و18 حزيران/يونيو، حول “مخاطر الفساد في قطاع الصحة: سلسلة القيمة الخاصة بالمنتجات الطبية والقطاع الطبي الخاص”، بحضور سفير النرويج في المغرب ووكيل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حيث أبرز بنعليلو أن الهدف من الورشة لا يقتصر على تشخيص الأعطاب، بل يؤسس لمرحلة جديدة أكثر عمقًا والتزامًا، بهدف صياغة مسارات عملية واضحة للتغيير.
وأشار رئيس الهيئة إلى أن مشروع إعداد خريطة لمخاطر الفساد في قطاع الصحة بالمغرب، يشكل لبنة معرفية ومنهجية أساسية لرصد بؤر الفساد وتحديد أسبابه وتواتره وشدته، مع تقديم حلول ملموسة ومبادئ توجيهية للحد منه. وأوضح أن هذا المشروع لا يهدف فقط إلى تحقيق أهداف علمية أو تقنية، بل يمثل دفاعًا عن “الأمن الصحي للمواطن المغربي وعن ثقته في مؤسسات بلده”.
وأضاف بنعليلو أن “الحديث عن الفساد في الصحة لا يعني خللاً عرضيًا، بل هو نقاش عميق حول كيفية إدارة حياة الإنسان كحق أساسي غير قابل للمساومة، يجمع بين الرعاية الطبية وحق المواطن في العلاج بكرامة”.
إلى ذلك، شدد بنعليلو على أن “إعادة قراءة الواقع الصحي في البلاد ورصد ما ترسخ من ممارسات ماسة بشروط النزاهة ضرورة مُلحّة”، مؤكدًا أن الهيئة الوطنية للنزاهة مطالبة بتسمية الأمور بمسمياتها، واقتراح حلول مبتكرة واضحة، حتى وإن تطلب الأمر تعديلات تشريعية وتنظيمية.
وسلّط المتحدث الضوء على مجالين مركزيين في مشروع محاربة الفساد الصحي، يتعلق أولهما بسلسلة القيمة الخاصة بالأدوية والمنتجات الطبية، وبالقطاع الصحي الخاص، مشيرًا إلى أن الممارسات غير النزيهة مثل التزوير والمحسوبية والفوترة الوهمية والتدخلات غير الضرورية لا تزال قائمة رغم الجهود المبذولة، وذلك بسبب ثغرات تنظيمية ومحدودية آليات المراقبة.
وأفاد رئيس “الهيئة الوطنية للنزاهة”، أن الخطوة التالية في المشروع ستتناول “مسار المريض” ضمن هيكلة شاملة لمعالجة مخاطر الفساد في النظام الصحي، موضحًا أن الفساد لا يُضعف فقط ثقة المواطنين في الدولة، بل يقوّض التغطية الصحية الشاملة ويهدد الأمن الصحي الوطني.
واستشهد بنعليلو بتقديرات دولية تُظهر أن 7 في المئة من الإنفاق الصحي العالمي يُهدر بسبب الفساد، وفق منظمة الشفافية الدولية، في حين تصنّف منظمة الصحة العالمية الفساد ضمن “المخاطر النظامية” التي تعرقل تحقيق أهداف التنمية المستدامة في مجال الصحة.
كما أشار إلى نتائج الدراسة المسحية التي أنجزتها الهيئة، والتي بيّنت أن واحدًا من كل خمسة مغاربة يعتبر الصحة أولوية قصوى، في حين اضطر عدد من المواطنين ممن تواصلوا مع المنظومة الصحية إلى دفع رشاوى أو طُلب منهم ذلك، ما يعكس صورة غير مرضية وغير مقبولة.
وختم بنعليلو بالتأكيد على أن “الفساد في النظم الصحية لا يمكن اختزاله في ممارسات فردية فقط، بل هو انعكاس لهشاشة النظام الصحي، في ظل ضعف الحوكمة، وقصور الشفافية، وغياب آليات الرقابة، وأحيانًا تضارب المصالح”، داعيا إلى تحويل الوقاية من الفساد إلى معيار يومي لنجاعة السياسات، وضمان أن يكون الحق في الصحة مكفولًا وعادلًا، وأن يظل الفساد استثناءً محاربا لا قاعدة صامتة.
وأعلنت “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها” عن إطلاق دراسة وطنية شاملة تهدف إلى رصد خريطة دقيقة لمخاطر الفساد في القطاع الصحي الخاص، وخاصة في سلسلة توريد الأدوية ومسار ولوج المرضى إلى الخدمات الصحية، وفق ما ذكر موقع “آش طاري24”.
وتندرج هذه المبادرة، التي جرى الإعلان عنها في ختام ورشة العمل المنظمة في العاصمة المغربية الرباط، في إطار مقاربة تشاركية موسعة تشمل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وممثلين عن القطاعات الحكومية والمؤسسات الدستورية والمهنيين والمجتمع المدني، بالإضافة إلى شركاء دوليين.
وتهدف الدراسة إلى تشخيص دقيق لاختلالات محتملة داخل حلقات متكاملة تشمل تصنيع وتوزيع وتسويق الأدوية وخدمات الفوترة وآليات التغطية الصحية ونزاهة الخدمات الطبية داخل المؤسسات الخاصة. كما تروم المبادرة لوضع أسس علمية لخريطة مخاطر تُعتمد لاحقًا في بناء سياسات وقائية وإصلاحية.
وأكد محمد بنعليلو، أن محاربة الفساد “ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل قضية مجتمعية مشتركة”، مشددًا على أن النجاح في هذه الورش يمر عبر تفعيل القوانين، وتجريم الأفعال المرتبطة بالفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
من جهته، أوضح أحمد العمومري، الأمين العام للهيئة، أن هذه الدراسة تشكل لبنة أساسية في مسار ترسيخ العدالة الصحية وتحقيق التغطية الصحية الشاملة، مؤكداً أن الهيئة ستعد ورقة مفصلة تحدد المحاور والآليات التقنية لتنفيذ الخريطة، بشراكة مع مختلف الفاعلين.
وتأتي هذه الخطوة في سياق ورش إصلاحية أوسع يشهده النظام الصحي المغربي، حيث يتم التركيز على تعزيز النزاهة والشفافية كركيزتين أساسيتين لبناء ثقة المواطن وضمان جودة الخدمات الصحية.
الورشة الوطنية التي واكبت إطلاق المشروع، شهدت حضور ممثلين عن 24 مؤسسة من بينها وزارات وهيئات حكومية ووكالات وطنية وسفارات أجنبية، بالإضافة إلى خبراء دوليين ومهنيين من القطاع الصحي وممثلي المجتمع المدني.
وفي هذا الإطار، شدد عبد الكريم مزيان بلفقيه، وكيل وزارة الصحة، على أن “الحوكمة الجيدة لم تعد خيارًا بل أصبحت ضرورة لبناء منظومة صحية متماسكة”، محذرًا من أن الفساد يقوّض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
أما السفير النرويجي بالمغرب، شور لارسن، فقد اعتبر أن “الفساد يُعد تحديًا عالميًا يمس جوهر العدالة الاجتماعية ويهدد استقرار النظم الصحية”، داعيًا إلى دعم جهود المغرب في بناء منظومة شفافة ومسؤولة.
ويمثل هذا المشروع، وفق صحيفة “آش طاري 24″، خطوة هامة نحو تعزيز الحوكمة في القطاع الصحي الخاص، الذي يضطلع بدور محوري في المنظومة الصحية، لكنه في المقابل، يواجه تحديات على صعيد الشفافية وتضارب المصالح وممارسات غير قانونية في مجال الفوترة والتأمين.
ويراهن المغرب، من خلال هذه الدراسة، على توفير معطيات دقيقة وموثوقة تمكّن من سنّ إصلاحات مبنية على التشخيص وليس على الانطباع، وتجعل من مكافحة الفساد ركيزة أساسية لتحقيق الحق في الصحة.
وتحفل مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب بتدوينات تكشف أوجها من الخلل في القطاع الصحي، من بينها ما كشف عنه المدون محمد الهاشمي بالقول إن الموطنين والمواطنات في بلدة “بني وليد” ضاحية مدينة تاونات (وسط المغرب) يعانون الأمرين مع غياب الكوادر الصحية وضعف الخدمات الطبية المقدمة لحوالي 11000 من السكان، بالإضافة إلى آلاف أخرى من قرى مجاورة خصوصا فناسة وباب الحيط وبوهودة وبوعادل، إذ لا يحضر الطبيب الرئيسي سوى يومين في الأسبوع، وعلى الذين يريدون أن يمرضوا أن يختاروا بين الإثنين أو الخميس للقيام بذلك، ناهيك عن ضعف الخدمات المقدمة خلال باقي أيام الأسبوع، وخصوصا أثناء الليل حيث لا يمكن الاستفادة حتى من أبسط الإسعافات الأولية، رغم الجهود التي يبذلها الطاقم التمريضي الموجود هناك.
ويرى المدون محمد الهاشمي أنه في ظل التغني بشعارات الدولة الاجتماعية المزعومة يعتبر هذا مصادرة صريحة للحقوق الصحية للساكنة، وضربا للعدالة التي تفترض حدا أدنى من الخدمات الاجتماعية تكون مكفولة لجميع المواطنين، سواء في المدن أو في الأرياف.
والجدير بالذكر أن تقريرا دوليا صنف المغرب في المرتبة 82 عالميا في “مؤشر الصحة” 2025، متقدما بـ 8 درجات في سلم تصنيف هذا المؤشر، وذلك مقارنة مع المرتبة الـ 90 عالميا، التي احتلها في النسخة الماضية لهذا المؤشر الصادر عن مؤسسة “سوشيال بروغريس إمبيريتيف” الأمريكية غير الربحية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية