هواجس أقلّياتيّة

حجم الخط
0

يتردّد كثيراً تعبير أقليّات في الآونة الأخيرة، حمايتهم، دمجهم، عزلهم… إلخ.
أن تنتمي لأقلية ما، يعني أن تعيش إلى جانب أكثرية، قد تكون دينية أو قومية أو عرقية، وقد تكون حمائلية أو إقليمية أو سياسيّة… إلخ.
تتعرّض الأقلية للابتزاز وللاستغلال سواء من قبل منتمين للأكثرية الذين يرون فيها نقطة ضعف يمكن تجييرها لصالح مشاريعهم السّياسية أو غيرها، أو من أبناء الأقلية وقادتها أنفسهم، الذين يظهرون حرصهم الشّديد على مصالحها ويخوّفونها من ردة فعل الأكثريّة بهدف السّيطرة عليها.
في المجتمع الفلسطيني توجد مجموعات انتقلت من قرية إلى أخرى عام 1948، بعض أبناء هذه المجموعات يعتبر نفسه أقليّة داخل القرى التي انتقل إليها، رغم انتمائه إلى الشّعب والقومية واللغة والدّين والتقاليد، ووجود نسب ومصاهرة مع الأكثرية، ولكن يبقى لدى بعضهم هذا الشّعور الذي يطفو بين حين وآخر.
معظم الإسرائيليين يصرّون على التعامل مع العرب كطوائف وليس كأقلية قوميّة واحدة: عرب مسلمون، عرب مسيحيون، مسيحيون من غير تعريف القومية، دروز، بدو.
الدُّرزي نادراً ما يوصف بأنّه عربيٌ، هناك سياسة منهجية تكرّس توجُّهاً سياسياً، هو أنّ الدروز ليسوا عرباً، وقد أصدرت الوزارات مناهج تعليم خاصة بالدّروز وباحتفالاتهم الدينية، ولهم لجنة سلطات محلية درزية وشركسية خاصة منفصلة عن السّلطات المحلية العربية.
هنالك قسم في وزارة المالية خاص بشأن الدّروز والشّركس.
قد يسألك أحدهم: «هل أنت عربي أم درزي؟! هذه الصورة المشوّهة أسهمت في ترسيخها قيادات درزية وازنة، رغم محاولات شيوخ كثيرين ورجال فكر ومثقفين وفاعلين على السّاحة السياسية تأكيد عروبة الدّروز.
عندما يخشى ابن أقلية ما أن يتحدّث بلغته الأم في الحيّز العام كي لا يتعرّض للمضايقة، أو كي يتجنب معاملة سيّئة في مؤسسة أو مكان عام، ويضطر أن يتحدّث همساً مع زميله، أو أن يتحدّث مع ابن جلدته الأقلّياتي في لغة الأكثرية، أو أن يخفي معتقده الديني كي لا يتعرّض لمقاطعة أو إساءة، ويشعر بالحرج إذا ما سُئِل عن ديانته أو عن مذهبه أو طائفته، فهذا يعني أنّه يعيش في نظام وبيئة مريضة.
في الأنظمة المدنية الديمقراطية الأكثر عدلاً، يفتخر كلُّ إنسان بانتمائه وبجذوره العرقية وبلون بشرته، ولا يسعى لإخفاء حقيقته عن الآخرين، بل ويرى في كونه أقلّياتياً ميزة إيجابية لصالحه وليست ضده، وإذا سُئل عن أصوله فيكون لأجل المعرفة والمعلومة أو للمداعبة وليس للانتقاص منه.
يشعر الإنسان السويّ بالعار عندما يرى استجواب إنسان على حاجز عن مذهبه أو دينه وطائفته، ويُمتحن في ذلك من خلال بعض الأسئلة الدينية، أو من خلال لفظ كلمة أو جملة تشي بإقليمه، أو بانتمائه، ويعاقب أو يعفى بسببها.
رأينا من عوقب في زمن النظام الآفل في سوريا بسبب لحيته الكثّة، وأرغم على حلقها (بالصّرماية)، أو بسبب انتمائه السّياسي، فأرغم على الهتاف لبشار الأسد، أو على النّباح كالكلب.
هذه المشاهد عادت على نفسها بعد انهيار نظام الأسد. في بعض المواقع التي اشتعلت فيها صدامات، رأينا مرّة أخرى من عوقبوا بسبب انتماء طائفي أو سياسي وأرغموا على النّباح، وحُلقت شوارب شيوخ أجلاء، وكلُّها جرائم مدانة لا أخلاقية وترسّخ العداء بين أبناء البلد الواحد لأجيال.
كثيرون من فلسطينيي الداخل في مراحل مختلفة منذ قيام إسرائيل أخفوا كونهم عرباً، خصوصاً من اضطروا إلى العمل في المدن والمستوطنات اليهودية، بعضهم أطلق على نفسه اسماً ملتبساً، مثل يعقوب (يعكوف) أو يوسف (يوسي) إلخ؛ لتمويه الاسم وتجنّب المضايقات، أو لأجل الحصول على موافقة لصفقة مثل تأجيره شقة، أو لأجل الاستمتاع مع فتاة يخفي عنها حقيقته.
في أمكنة العمل حيث الجمهور المتلقّي للخدمة مختلط، فاللغة التي يجب التعامل بها هي العبرية، وقد يطلب مدير العمل في مكان عمل عام من العمال تغيير أسمائهم، كي لا يسببوا نفوراً للزبائن (العنصريين طبعاً وليس جميعهم)، رغم أنّ هذا غير قانوني.
تكريس الدونية المستمر إعلامياً والوصمة، يؤدّي إلى نفور أبناء الأقلية بعضهم من بعض، ويحمّل بعضهم بعضاً مسؤولية سوء الأدب والتصرّف والتسبّب بإغضاب الأكثرية واستفزازها، وأنّ على الأقلية أن تعرف حدودها وحجمها، وقد يهبّون لمعاقبة ابن جلدتهم إذا ما حاول تغيير الواقع بحجّة أنّه يدفع بهم إلى الخطر ويعطي حجّة للأكثرية في مواصلة اضطهادهم، ويصفونه بأنّه عشبة ضالّة ولا يمثّل سوى نفسه. وقد ينعتونه بشتى النعوت السّلبية، وأننا يجب أن نشكر الأكثرية لمجرّد أنّها تسمح لنا في العيش والعمل.
هذا الشعور بالدونية لا ينسحب على العرب أمام اليهود فقط، بل على اليهود الشّرقيين أمام الغربيين، خصوصاً في العقود الأولى لتأسيس دولة إسرائيل.
لهذا تجد عائلات يهودية من أصول سورية أو عراقية أو إيرانية أجرت تعديلات على اسم العائلة إلى أشكنازي أو أينشتاين، وروزن، وبيرجمان، وغيرها، لإضفاء صبغة اجتماعية أو اقتصادية مرموقة، تنصلاً من أسماء مثل بوزغلو وبو حصيرة وفلاح وأبو شقفة… إلخ.
أحد أعضاء الكنيست من الليكود اسمه «كرمل شاما» والده عراقي وأمّه حلبية، كاد يفقد صوابه لأنّ جمهوراً واسعاً كان يظن بأنّه دُرزي أو مسلم يجيد العِبرية بصورة ممتازة، اتضح هذا من التعقيبات على أخباره.
هذا استفزّه، فأجرى تعديلاً ليصبح «كرمل هكوهين» وهو رئيس بلدية «رمات غان» لتأكيد يهوديته.
غذّت السّياسة الرّسمية والإعلامية دونية الشرقيين، فقيادة الدولة كانت حكراً على الغربيين. وحتى عام 1977 كان عدد أعضاء الكنيست من أصول شرقية خمسة عشر عضواً فقط من أصل مئة وعشرين.
أسهم في تكريس هذه الدونية مناهج تعليمية وبرامج فنّية وترفيهية بمشاركة فنانين شرقيين أنفسهم، سخرت من الشّرقيين وعاداتهم وتقاليدهم وطريقة لفظهم ونطقهم للأحرف. ووصفتهم بالكذب والشّهوانية الجنسية والبساطة إلى درجة السّخف، أما الأوروبي فهو شديد الحساسيّة وجد نفسه في منطقة تعجّ بالبدائية والغباء والهمجية.
هذا تغيّر في العقود الأربعة أو الثّلاثة الأخيرة، وخصوصاً بعد تأسيس حزب اليهود الحريديم الشرقيين (شاس)، منذ أواسط الثّمانينيات، واشتغل على الاعتداد بالأصول الشّرقية لجمهوره وقادته.
كثيراً ما تسمع شكوى مواطن عربي «لقد عاملني الشّرطي العربي بقسوةٍ أشدَّ من اليهودي».
لهذا، عندما يُعيّن عربيٌ في مركز حسّاس في إسرائيل قولوا «الله يُستُر»، لأنّه يسعى لإثبات ولائه أكثر من ذاك المفروغ من ولائه. مثل عميدة جامعة حيفا (منى مارون) التي رفضت التوقيع على عريضة وقّعها رؤساء خمس جامعات إسرائيلية تطالب بوقف تجويع أهالي قطاع غزّة. وألغت نشاطات طلابية متضامنة مع قطاع غزّة.
تخشى الأقلية إغضاب الأكثرية إذا ما قام أحد أفرادها بعمل مستفزّ للأكثرية، فيهبّون لاستنكار فعلته، ويطالبون بإنزال أقسى العقوبات بحقّه، حتى أكثر مما ينصُّ عليها القانون.
لأنّهم يدركون بأنّ ردّ فعل الأكثرية لن يكون عادلاً ومن المخالف فقط، بل سيكون عقاباً جماعياً دون تمييز بين مذنب وغير مذنب.
بينما إذا ارتكب عشرات آلاف من أبناء الأكثرية الجناية نفسها، فإنّ هذا يبدو عادياً، وقد يمرُّ حتى من غير لفت نظر.
الدولة المدنيّة التي يتساوى الجميع تحت كنفها وفي ظلّها، تحرّر الأكثرية والأقليات على حدٍّ سواء من أعباء ومخاطر ومنزلقات كثيرة، وتطلِقُ الطاقات الإيجابية الكامنة لدى جميع أبناء الوطن الواحد لشعورهم بوحدة المصير والمساواة في ظل قانون واحد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية