هل لأدب السيرة مواثيق؟

لا أخفي أنّي حِرْتُ وأنا أفتتح كتابة سيرة لي ذاتيّة، وجدتها تحملني إلى عوالم شتّى.. وأنا أقلّبها على أكثر من وجه، وأحتشد لها.. وعليها.. ما الذي يحسن قوله.. وما الذي لا يحسن.. بل لم آتها من أيّ باب جئتها.. إلاّ وجدتها أشبه بمتاهة.. وأبواب تُشرع على أبواب..  وكأنّي في قصّة خورخي لويس بورخيس الشهيرة «كتاب الرّمل»، وهو كتاب له بداية ككلّ الكتب ولكن ليس له نهاية.. يتصفّحه بطل القصّة ويصفه وصفا واقعيا؛ حتى ليذهبنّ في الظنّ أنّنا نقرأ قصّة واقعية، على أنّها واقعيّة شديدة الغرابة، فلا يكاد البطل يُنهي قراءة صفحة ذات رقم محدّد، ويطبق الكتاب حتّى يجد نفسه عاجزا عن العثور على تلك الصفحة ثانية. وهكذا دواليك والنتيجة هي هي.. فهو يقرأ ولكن من دون أيّ إمكان لاستعادة ما قرأ، وكأنّ الكتابة مثلها مثل الصّوت محكومة هي أيضا بسرعة العطب والزوال. ربّما كان من مقاصد الكاتب في هذه القصّة غسل بصيرتنا من شريط الألفة الذي يحجب عنّا غرابة العالم الذي نعيشه فيه، فما نتوهّمه حكمة ونظاما قد لا يكون سوى عَمَاء وفوضى. وربما كان من مقاصده الإيحاء بلا نهائيّة المعرفة حيث لا شيء سوى الوقوف على تخوم الرعب والعدم والتلاشي. ولذلك كان «كتاب الرّمل» كتابا بلا نهاية أو نوعا ممّا كان يسمّيه القدامى علم الرّمل، وهو بحث عن المجهولات أو فيها بخطوط تُخطّ على الرّمل وتمحى ثم تُعادُ..
على أنّي لست بورخس، ولا عوالمي من عوالمه.. وهذه عوالم عشتها في طفولتي في «عين مجونة» من ريف حاجب العيون «مسكيلياني» كما كان يسمّيها الرومان، حيث التحقت بالمدرسة الابتدائيّة عام 1955 قبيل استقلال تونس بعام واحد. فأنا يافع.. فمراهق في القيروان مدينة العرب الأولى في الشمال الأفريقي.. فطالب أواخر الستينات من القرن الماضي في تونس العاصمة.. فأستاذ بالتعليم الثانوي في مدينة بوعرادة من شمال تونس.. فانتقال إلى القيروان.. فزواج.. فأستاذ بمصراطة الليبيّة من 1977 إلى 1980.. لتدريس الفرنسيّة.. فعودة بعد ثلاث سنوات إلى تونس.. والانتقال إلى التعليم العالي.. عند استحداث كلّيّة الآداب بالقيروان 1985.. والعودة بقوّة إلى الكتابة الشعريّة، والانخراط في سجالاتها وقضاياها.. ورحلات.. لعل أظهرها عالم الأندلس والموريسكي والعراق واليمن وسلطنة عمان والسويد وفرنسا وألمانيا والبرتغال خاصّة.. نصّ ـ سيرة قد لا يُكتنه إلاّ في ضوء سيميائيات الصورة، وفي إيقاعها الذي يجري مجرى دوامات الماء حيث يرتسم عالم الطفولة والمراهقة والزواج والرحلات، التي أستعيدها وأعيد تركيبها في الميديوم/ الوسيط السردي؛ وقد تخفّفت اللغة من شعريّتها، أو مِمّا زاد منها على الحاجة، أو من فضل القول. نصّ الشاعر الحالم.. والطالب المنتمي إلى «حركة آفاق/ برسبكتيف» السرّيّة وقد أمّنني «الرفاق» على وثائقها، وأنا أستاذ بمدينة بوعرادة.. والأستاذ الباحث.. والنقابي المسيّس؛ رؤية أو خيالا أو حلما، إن لم يكن أملا؛ وهو أن أكتب «سيرتي» على غير ما عهد القارئ من مواثيق أدب السيرة وسننه؛ وإنما في كتاب تنتظم كل مكوّناته داخليّا بحبل سريّ معرفيّ، أشبه بلعبة الشطرنج، أو برموز في الجبر معقّدة. وقد يقع في ظنّ القارئ أنّ هذا النصّ على صلة ما برواية ستيفان زفايغ «لاعب الشطرنج»؛ والحقّ لا علاقة بينهما، لا من قريب ولا من بعيد. ومع ذلك أنا «ألعب» في هذا النص، كما يلعب بطل زفايغ، دون رقعة شطرنج وأحجار؛ وبلا شريك سوى ذاتي، وكأنها صورتي في المرآة. ومثلما صنع لاعب زفايغ رقعة شطرنج من لحاف سرير زنزانته، ومن قماشه المرسوم في هيئة مربّعات، واتّخذ من فتات الخبز الذي كان يدّخره قطع شطرنج؛ كان يشكّلها في هيئة أحجار: ملك وملكة وفيل، ثم يستغني عن هذا كله ليلعب على نحو أعمى، أو مثل موسيقي محترف؛ أحاول أن أصنع بهذا العمل، رقعة للكتابة الذاتية، أحرّك أحجارها بتقدير كمّيّ نوعيّ.. في شكل لولبيّ أو حلزونيّ؛ وأنا أتعهّد موضوعاتها من كلمة إلى كلمة، بما يعني أنها تفتح ولا تغلق، كما هو الشأن في الدائرة. واللولب حتى وهو يدور كالدائرة، فإنّه يفتح على اللانهائي، وهو في النصّ الذي أنا به وفيه «لاعب» و«ملعوب به». وفي هذا ما يجعل الشكل اللولبي يعود أدراجه، وقد يكون هذا الشكل أشبه بدائرة، غير أنها دائرة تنتشر حيث حلم الكاتب أن يكتب كتابا يتحوّل فيه وبه شكل لغوي إلى شكل من أشكال الحياة، وشكل حياتي إلى شكل من أشكال اللغة. هذا النصّ «اللاعب» ليس صرخة «شيخ» في واد، وليس بالكلام الذي يذهب سدى؛ أو الذات الموكولة إلى قدرها، وهي تعاني من وطأة عالم ثقيل أعمى؛ إنّما هي طريقة الذات الساردة في اكتناه شخصيّتها.
ولا حرج من إدراج اللعب بالمعنى الاستطيقي، مادام الأمر يتعلّق ببنية وجود الأثر نفسه.. وكلّ أثر أدبيّ فيه قليل أو كثير من أثر الحياة.. من وشمها ومن ندوبها. أقرأ هذا النصّ وأنا أكتبه.. عسى أن أفتح ثغرة في جدران عالم «اللعبة السيريّة» المنغلق على نفسه جماليّا. ولعله من الواضح أنّ بنية هذا النص بنية هيرمينوطيقية، أو هي مؤوّلة سلفا، وربّما كانت الشخصية تتأول سيرتها، أو هي تلاعب ذاتها..  كمن يلاعب ظلّه.. مُشرعةً على موارد شتى (الفنون التشكيليّة والموسيقى والسينما) وتجسيدا لأجناس مختلفة، وتشبيكا بين نصوص متباينة الأزمنة والأنساب، تتعالق في ما بينها على نحْو ملتبس؛ فهي متماهية من حيث هي، في الوقت نفسه، متجاورة؛ من حيث هي، في الوقت ذاته أيضا، متحَاورة.
مدونة سرديّة.. فيها ما فيها من «اعترافات» تلحقها بأدب السيرة الذاتية على قلّتها؛ مع أنّها ثمرة عمل جمالي معقّد، هو من سعي الكاتب ـ القارئ.. ومن حيث هي في الوقت ذاته تتفاصلُ ليتجاوز بعضها بعضا. وأنا في هذا النص، في متاهة سرديّة، بالمعنى الإيجابي للكلمة؛ متاهة معقودة على الانفعال أو الوجدان والذكرى، حيث أتجلّى تدريجيّا بشكل حلزوني أو لولبي كما أسلفت، وأنجرف في تيّار الكلام ودواّماته، وأتسلّل بين خيوطه وأحابيله.
قد يسمّيها قارئ ما «رواية الذات» أو «رواية ذاتيّة»، وهذا سرد مبني في الظاهر مثل السيرة الذاتيّة على ذاتيّة الكاتب والسارد (أي الشخصيّة) والإيهام بالواقع، أو بعلاقة ما بين الفنّ والحياة؛ كما هو الشأن في العمل الروائي، حيث الكاتب يقصّ جانبا من حياته، وما يدور في خلدها من أفكار، ومن عارض أوهام وطارئ بذواتٍ، أو ما تنطوي عليه من غريب الأطوار وعجيب الأسرار. لكن بأساليب الرواية أو السرد، وباستعمال أسماء قد تكون محرّفة أحيانا لدواع خاصّة بعضها عائليّ، أو استخدام ضمير الغيبة أو أسلوب الالتفات من عدول من التكلم إلى الغيبة أو الخطاب أو العكس. وفيها يلتبس «أنا» السارد بـ«أنا» الشخصية بـ«أنا» الكاتب، وهو التباس قد يكون سائغا مقبولا..
نصّ يقوم على انتقاء وقائع وشوارد وتفاصيل، بما يناسب حاجات الكاتب أو رغباته أو طموحاته… أقول هذا وأنا أستجلب الشخصيّة/ الشخصيّات على مقتضى قانون التداعي، أو مجرد علاقة تقدحها الذاكرة بين الأشياء، أو بواسطة الاستذكار، على أُس من «قاعدةٍ تمثال»؛ فأنسى ما أريد أن أنسى، وأتذكّر ما أريد أن أتذكّر. وهذا يعني من ضمن ما يعني أنّ المتقبّل الأوّل أو «المتلقّي» في السيرة هو «الكاتب» أو «المتلفّظ» وهو يعبر بـ«الكلمات» ومنها إلى معنى مقصود في رواية سيرته؛ من دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّها كلمات شفيفة غير سميكة أو ليس لها كيان. فهذه الكلمات أو التّعبيرات إنما تتمثّلها المخيّلة.. والمخيّلة هي فتح أفق لـ«موضوعيّة» ما تلزمها «مواثيق» السيرة. وهي فيما أنا فيه، فتح أفق للكلمات من حيث هي «أشياء» مرئيّة، إذ هي التي تجسّدها أو تضفي عليها هيئة أو صورة وتختزلها في «رسم خياليّ». وهذا الرّسم الذي يذكي الحدس مثلما يذكي الإدراك ينضوي إلى سجلّ المرئيّ «مستحضَرا»، من دون أن يبرح سجلّ الماضي الذي انطوى؛ ولم يعد بالميسور استحضاره إلاّ «تخيّلا»؛ وأنا أحشد له العين والصّوت والأذن معا لإنتاج خطاب يمكن لي أن أظفر فيه بالمعنى المنشود وأن أمهّد سبيله إليّ قبل القارئ.
إنّ الذّات السيريّة تنشد ذاتا موضوعيّة، والقصد إنّما يتشكّل في سياق من حضور الموضوعيّة. ومن ثمّ فإنّ العين هي تتلفّت إلى الماضي، مسخّرة لتسجيل هذا الحضور، حتى وإن ندّ عن أن يكون مرئيّا. فلعلّ العين هي التي تذكي الكتابة في هذا الجنس المخصوص «المُشكل» الذي ينشد منه القارئ «صدق» الكاتب.. وربّما لا مواثيق له في كتابة اليوم.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية