هل قوّض ترامب النظام العالمي؟

حجم الخط
0

ظهرت مبادرة «مجلس السلام» في سياق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي حظيت على موافقة «مجلس الأمن» التابع للأمم المتحدة في تشرين الأول / نوفمبر 2025، تقتصر مهمة المجلس على غزة وتنتهي بنهاية عام 2027، لكن الأمر احتاج، على ما يبدو، تأكيدات من «الأمم المتحدة»، فأعلن فرحان حق، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أن مجلس الأمن أقر إنشاء «مجلس السلام» المنصوص عليه في خطة ترامب للسلام في غزة ولكن «لهذا الغرض تحديدا»، في إشارة إلى القطاع الفلسطيني المدمّر جراء عامين من الحرب الإسرائيلية عليه.
تشير الطريقة التي يتصرّف بها الرئيس الأمريكي بهذه المبادرة إلى مسعى حثيث لتحويل القرار، المختصّ بفلسطين، إلى مشروع يتعلق بما يسمّيه «إنهاء الحروب في العالم»، بل ولاستبدال «مجلس الأمن» الدولي الذي أصدر قرار إنشائه، بمجلس «قطاع خاص» يملكه ترامب ويدعو إليه من يشاء من زعماء الدول، ويحظره على من يريد، بل إن الرئيس الأمريكي لم يتردّد في الإشارة إلى أن «مجلس السلام» يمكن أن يحلّ مكان «الأمم المتحدة» نفسها وليس «مجلس الأمن» فحسب، «لأن الأمم المتحدة لم تكن مفيدة كثيرا»، كما قال.
يعدّ ترامب من أشد منتقدي منظمة الأمم المتحدة، وكما فعل خلال ولايته الأولى، فقد أعلن مطلع العام 2025 عن انسحاب بلاده من عدد من المنظمات الدولية المرتبطة بها، وبينها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة والاتصال (يونسكو) ومنظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، بالإضافة لتعليق المشاركة في مجلس حقوق الإنسان… من دون أن ننسى دعمها لإسرائيل في موقفها من وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ودراستها فرض عقوبات متعلقة بالإرهاب عليها.
واضح أن محرري «ميثاق مجلس السلام»، وضعوا مسعى ترامب لدفن المنظمة الأممية، ومعها النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، في أدبياته. يتطلب السلام، حسب الديباجة التي اعتمدها هذا الميثاق، «شجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارا وتكرارا. تؤكد الديباجة أيضا على «الحاجة إلى هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام». يتم ذلك «بتشكيل تحالف من الدول الملتزمة بإقرار ميثاق مجلس السلام»، الذي يقر تولية ترامب رئاسته الأولى، بصلاحيات غير مقيدة تتضمن تحديد من تتم دعوتهم، وخضوع تصويت الدول على أي قرار «لموافقة الرئيس فقط»، الذي يملك حق إقالة أي عضو، كما يملك السلطة الحصرية لإنشاء أو تعديل أو حل الكيانات الفرعية، وفوق ذلك «لا يجوز استبدال الرئيس إلا إذا استقال طوعا، أو نتيجة العجز».
حدد ترامب عضوية المجلس بثلاث سنوات باستثناء الدول التي تساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي خلال السنة الأولى، فيما يشبه استبدال «الدول دائمة العضوية» الخمس في «مجلس الأمن» بعدد يحدده مقاييس أخرى أهمها غنى الدولة وقابليتها للخضوع للهندسة الترامبية الفظة للعالم، وهو ما نشهده حاليا في إجراءاته للسيطرة على فنزويلا وغرينلاند.
يحمل الموضوع برمّته مفارقة كبرى للفلسطينيين، الذين كانت مأساتهم الهائلة في غزة مبرر إنشاء «مجلس السلام»، (وكذلك إنشاء هيئتي «المجلس التنفيذي» و«لجنة إدارة غزة») والنتيجة أنهم لم يدعوا إلى هذا المجلس، فيما تمّت دعوة إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، ليكون أحد المساهمين في نشر السلام، ليس في غزة، المطلوب بسببها بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل في العالم أيضا.
لعل أسرع تعبير عن مساعي ترامب جاء في خطاب رئيس وزراء كندا مارك كارني في مؤتمر دافوس، الثلاثاء، قال فيه إن النظام القائم على القواعد يتلاشى. الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون ما هو مفروض عليهم». لقد انتهى العصر الذي كان فيه التكامل الاقتصادي ضمانة للسلام، وحل محله «واقع وحشي»، و«إذا لم نكن على الطاولة فنحن في قائمة الطعام».
ما يقوم به ترامب، بدءا من فلسطين، ومرورا بفنزويلا وغرينلاند، إلى آخر بقاع الأرض، هو أنه يعلن عن هذا الواقع الوحشي حيث تدفع الدول القوية والغنية تعرفة الدخول وتكون الأمم الفقيرة والضعيفة على قائمة الافتراس.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية