هل سيكون رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أول ضحية لملفات إبستين؟

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده المحرر الدبلوماسي باتريك وينتور حلل فيه تداعيات نشر ملايين الملفات التي تعود إلى المتحرش بالقاصرات والمدان بجرائم جنسية جيفري إبستين على المشهد السياسي الغربي والرؤوس السياسية التي قد تطيح بها. وقال إن الملفات لم تترك أية تداعيات على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم ورود اسمه فيها آلاف المرات، وربما سيكون رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي لم يذكر اسمه ولا مرة، هو الضحية الأولى.

والسبب يعود لسوء تقديره وتداعيات فضيحة سفيره السابق في الولايات المتحدة بيتر ماندلسون.

وقال وينتور إن النخب السياسة والاقتصادية تواجه تحقيقات حول ما أعمى الكثيرين عن الحقيقة وجعلهم يعتقدون أن من المسموح لهم التواطؤ مع مجرم جنسي معروف.

ومع بدء انتشار 3 ملايين رسالة بريد إلكتروني نشرتها وزارة العدل الأمريكية يوم الجمعة الماضية في جميع أنحاء القارة الأوروبية ووصولها إلى وسائل الإعلام الوطنية، بدأت التساؤلات حول أخلاقيات هذه النخبة تُطرح وإن بدرجات متفاوتة من الحدة.

فقد تورط رجال أعمال ومصرفيون وسياسيون وأفراد من العائلات المالكة وأكاديميون ورواد أعمال في مجال التكنولوجيا وشركاء في مكاتب محاماة في دوائر جيفري إبستين المتشابكة من المال والسلطة والجنس. يبدو أنه لم يكن هناك شخص في موقع سلطة لم يتصل إبستين به عبر البريد الإلكتروني. وما كانت هذه النخبة المتواصلة معه مستعدة لفعله مقابل هدية أو اتصال أو دعوة إلى حفلة ذات طابع جنسي، لم يكن له حدود.

ويقول وينتور إن الملياردير إيلون ماسك كان محقا عندما نشر تغريدة في تموز/يوليو 2025، ثم حذفها سريعا، قائلا: “يريد الكثير من الأشخاص النافذين إخفاء هذه القائمة”.

وقال ويتنور إن هذا يشير إلى شيء يتعلق بالثقافة الإعلامية والسياسية في بريطانيا، حيث أن التحقيق الأكثر سخونة الجاري بشأن إبستين ليس في الولايات المتحدة، بل في بريطانيا، وأن الزعيم السياسي الذي قد يُطلب منه الاستقالة أولا ليس دونالد ترامب، بل كير ستارمر، ذلك الرجل الذي يبدو جادا مثل البوم ولكنه ضيق الأفق.

وجريمة هذا المسؤول الواثق بنفسه أنه كان يعرف أن المخاطر من تعيين بيتر ماندلسون كسفير في الولايات المتحدة واضحة، في ضوء علاقة الأخير الوثيقة بإبستين بعد إدانته بارتكاب جرائم جنسية، وأن أي ترشيح سيثير شكوك أي سياسي.

ويعلق وينتور أن هذه ضربة قاسية، بالنسبة لستارمر، الزعيم الذي اكتسب سمعة بالضعف في المناصب العامة. وفي هذه الحالة، يبدو أنه كان عرضة للضغوط التي خضع لها أو افتقر إلى النزاهة اللازمة لرفض التعيين.

أما التهمة الأكثر وضوحا التي تواجه ماندلسون، فهي قد تنهي مسيرته المهنية ليس فقط بالفشل، بل بالسجن، وهي تقديمه عندما كان وزيرا للتجارة معلوماتٍ تجارية حساسة من قلب الحكومة إلى إبستين، وهي المعلومات التي لفتت نظر شرطة العاصمة لندن وتقوم بالتحقيق فيها.

ومما زاد من متاعب ستارمر هي حكمة رئيس ديوانه، مورغان ماكسويني، الذي طالما أغضب نواب حزب العمال لسعيه وراء أصوات حزب الإصلاح المتطرف. وبات لدى اليسار المعتدل والإعلام البريطاني المتنافس شخصيةً في مرمى النيران وهم يعلمون أنها مهمة لستارمر.

في الولايات المتحدة، ذكر اسم ترامب وزوجته ميلانيا وناديه مار-إيه-لاغو 38,000 مرة، لكن يبدو أن القيود الدستورية على مساءلة الرئيس قد تلاشت منذ زمن، فيما أصبح الرأي العام معتادا على عيوب ترامب الأخلاقية. كما يبدو ستيف بانون، الصديق المقرب لإبستين، بمنأى عن النقد. صحيح أن للكونغرس دورا في إجبار ترامب في نهاية المطاف على نشر الوثائق، إلا أنه لم يبد اهتماما يذكر بمتابعة ما تكشفه، إلا إذا كان ذلك قد يورط بيل كلينتون وزوجته هيلاري.

ولعل أبرز شخصية أمريكية تواجه تبعات بسبب صداقتها مع إبستين، هو وزير الخزانة السابق لاري سامرز. فقد تنحّى الرئيس السابق لجامعة هارفارد عن التزاماته العامة العام الماضي، معربا عن “خجله الشديد” بعد أن كشفت رسائل بريد إلكتروني متبادلة مع إبستين عن تعليقات تظهر إيحاءات جنسية وطلبه لنصائح عاطفية.

في المقابل، حظيت الخلافات المثيرة للجدل بين رواد الأعمال التقنيين، وبين بيل وميليندا غيتس، بأكبر قدر من الاهتمام. وقد استقال براد كارب، رئيس مجلس إدارة شركة “بول وايز”، إحدى أبرز شركات المحاماة في البلاد، من منصبه بعد الكشف عن مراسلاته الإلكترونية مع إبستين. كما لا يُتوقع أن تعلق الصحافة الإماراتية كثيرا على المراسلات الإلكترونية بين إبستين وسلطان أحمد بن سليم، رئيس موانئ دبي العالمية.

ويقول وينتور إن الدولة الأوروبية الأكثر تضررا هي النرويج، الدولة المحافظة، حيث تعاني العائلة المالكة، كما هو الحال في بريطانيا، من صدمة كبيرة. وضعت ولية عهد النرويج، الأميرة ميت ماريت، تحت المجهر بعد أن كشفت وثائق عن سنوات من التواصل مع إبستين.

وتحتوي الملفات التي رفعت عنها السرية على ما يقرب من ألف إشارة إلى ميت ماريت، بما في ذلك العديد من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين عامي 2011 و2014. وقالت في بيان صادر عن القصر الملكي: “لقد أخطأت التقدير، وأندم بشدة على أي تواصل لي مع إبستين. إنه أمر مخجل للغاية”. تزوجت ميت ماريت من ولي العهد الأمير هاكون عام 2001. كما يثار الاهتمام أيضا بمعرفة سبب حصول أبناء الزوجين الدبلوماسيين الدنماركيين البارزين، تيري رود لارسن ومونا غول، على 10 ملايين دولار بموجب وصية وقعها إبستين قبل يومين من وفاته.

ويواجه بورغ بريندي، الدبلوماسي النرويجي السابق والمسؤول الحالي عن المنتدى الاقتصادي العالمي، اتهامات خطيرة تتعلق بمئة رسالة نصية وبريد إلكتروني، من بينها ثلاث لقاءات مع إبستين. ويجري حاليا مراجعة مدى إبلاغه مجلس إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي بعلاقاته. وصرح بريندي قائلا: “لم أكن على علم إطلاقا بماضي إبستين وأنشطته الإجرامية”.

وفي السويد، استقالت جوانا روبنشتاين، عالمة الأحياء ورئيسة فرع السويد لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (مؤسسة لجمع التبرعات لصالح المفوضية). وقد زارت روبنشتاين جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي برفقة عائلتها. وقالت: “كنت على علم بالحكم الصادر عام 2008 وقت زيارتي. وما كشف لاحقا عن حجم الانتهاكات أمر مروع، وأنا أنأى بنفسي عنه تماما”.

وفي فرنسا، تجري صحيفة “لوموند” تحقيقا حول صلات إبستين بعدد من المشاهير الفرنسيين، من بينهم جاك لانغ، وزير الثقافة السابق البالغ من العمر 84 عاما، وحصوله على قروض لطائرات وفيلات، وعلاقات بشركة خارجية في فيرجين أيلاند.

وقال لانغ: “أقابل الكثير من الناس، فأنا أنجذب إلى ما هو غير متوقع. كان جيفري رجلا كريما ورجل أعمال لطيفا. كان يعشق الفن والسينما.” وستجد كما في حالة لانغ، في كل بلد وكل لغة، عذرا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية