هل ستجتاز دول المغرب أزمة أوكرانيا بسلام؟

الدنيا كلها على كف عفريت.. وفيما لا يؤكد خبراء الاقتصاد، كما لا ينفون أن يتحقق ولو جزء من السيناريو الذي اختصره كثيرون في حدوث مجاعات في عدة مناطق من العالم، من بينها شمال افريقيا، تتلوها موجة اضطرابات وثورات قد تكون الأعنف والأكثر راديكالية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو، هل سيكون باستطاعة السياسيين هناك أن يتفادوا ذلك المصير قبل فوات الأوان وخروج الأمور نهائيا عن السيطرة؟
قبل أيام تقاطع انزعاج بعض المدونين المغاربة من حديث يوتيوبر مغربي اسمه أسامة كوبنهاغن على قناة تلفزيونية إيطالية عن الجوع والفقر في المغرب، مع غضب وكالة الأنباء الجزائرية من تقرير لليونسيف حول «معاناة الشباب الجزائري من البطالة والهشاشة وضعف التمدرس والتهميش الاقتصادي». ومع أنه لم يكن هناك أي رابط مباشر بين المسألتين، إلا أن القاسم المشترك بينهما وبغض النظر عن دقة أو صحة هذه المزاعم أو تلك، هو أن ردة الفعل هنا وهناك كشفت في الحالتين عن وجود نوع من الحساسية في التعامل الرسمي والشعبي، مع أي خبر أو تعليق يشير إلى وجود مظهر من مظاهر أزمة ما تدق باب أكبر قطرين مغاربيين.

الدنيا كلها على كف عفريت بسبب الحرب الروسية، والمؤسف أن البلدان المغاربية الخمسة لا تملك رؤية جماعية وشاملة لأمنها القومي الغذائي

لكن هل باستطاعة أي واحد من البلدين أن يجزم الآن أن لديه صفرا من المشاكل وصفرا من الأزمات، وأنه محصن تماما ونهائيا ضد كل التقلبات والهزات الاقتصادية العالمية؟ صحيح أن الأمر يتعلق بالدولتين الأكثر سكانا، والأقوى اقتصادا في المنطقة، لكن ألم يتورع الرئيس الاتحادي لأكبر قوة اقتصادية في أوروبا عن القول، في الكلمة التي ألقاها الأحد الماضي عبر الفيديو في حفل تضامني مع أوكرانيا «إننا سنواجه في ألمانيا أياما أكثر صعوبة، ويجب علينا أن نكون مستعدين لتحملها، إذا لم يكن تضامننا مجرد وعود جوفاء، وإذا تم أخذه على محمل الجد» قبل أن يؤكد بعدها أن «هذه الأيام ستغير العالم وتغيرنا نحن أيضا ربما بشكل أسرع مما كنا نعتقده ممكنا»؟ لا شك بأن فرانك فالتر شتاينماير لم يكن أول أو آخر مسؤول غربي يحذر شعبه من الآثار والتداعيات القاسية التي ستسببها الحرب الروسية على أوكرانيا في مجريات الحياة اليومية. فإذا كان الرجل الذي يرأس الدولة الاوروبية الغنية، يتحدث بكل ذلك القلق والتوجس، مما يمكن أن تخبئه الأيام المقبلة لبلاده من تقلبات، فهل إن دول الشمال الافريقي الأقل قوة ورفاها من ألمانيا ستكون بمنأى عن الهزات والعواصف التي ستحدثها الحرب الروسية الاوكرانية؟ ثم هل يبدو المشهد المحلي والإقليمي في المنطقة المغاربية مقبلا على تحولات قد تكون هذه المرة عميقة وجذرية؟ أم أن التأثيرات التي ستطاله بفعل تلك الأزمة ستكون وعلى العكس محدودة جدا وبسيطة؟ ربما سمع كثيرون ما قاله الرئيس الموريتاني منتصف الشهر الجاري، أمام أفراد من الجالية الموريتانية في إسبانيا خلال زيارته الأخيرة إلى مدريد، لكن قليلين قد يكونون أدركوا بالفعل مغزى كلام ولد الغزواني، أو في ما إذا كان لم يقر فقط وبشجاعة لافتة بواقع يعرفه ويعيشه كل الموريتانيين، بل مضى أبعد حين قال في ذلك الاجتماع: «دولتكم تعرفها الأمم المتحدة وقد صنفتها دولة فقيرة… دولتكم لا يمكن لأي كان أن يقف عند إشارة المرور، إلا وتدفق عليه المتسولون وهم لا يفعلون ذلك ترفا وإنما بسبب الجوع… هناك أماكن لا يجد سكانها مياها للشرب، كما أنهم يعيشون في الظلام لأنهم من دون كهرباء، وحتى في المدن التي توجد فيها خدمة الكهرباء فإنها تتقطع، فكيف نقول إن دولتنا دولة غنية وليست بحاجة إلى أي شيء هذا بعيد عن الواقع». والسؤال الذي طرحته اعترافات الرئيس الموريتاني التي بقدر ما بدت صريحة فإنها كانت مؤلمة ومرّة، هو هل كان الرجل يتوجه بخطابه فقط إلى أفراد من شعبه؟ أم أنه كان يخاطب أيضا وبشكل ضمني جيرانه المغاربيين ليقول لهم، إن بلاده التي دفعت ومنذ استقلالها في الستينيات ثمن الخلافات والتجاذبات الجزائرية المغربية، هي أكثر من يدفع اليوم وسيدفع غدا في غياب مشروع مغاربي مشترك كلفة الحرب الروسية الأوكرانية في منطقة الشمال الافريقي؟ لا جدال في أن آخر ما يمكن أن يخطر على بال الليبيين والتونسيين والمغاربة والجزائريين هو، أن حدوث مجاعة في موريتانيا ـ لا سمح الله ـ وهو أمر لم يستبعده الرئيس الموريتاني نفسه، يمكن أن يؤثر عاجلا أم آجلا في كل واحد منهم، بغض النظر عن حجم ثروته أو قدرته على الخروج من أي مشكل أو مأزق مشابه قد يواجهه. وليست حساباتهم الاقتصادية الخاطئة وحدها هي التي تجعلهم يفكرون على ذلك النحو، بل أيضا تصوراتهم السياسية الضيقة والمحدودة لمصالح بلدهم، التي تفتقد لأي إحساس حقيقي بوحدة المصير المغاربي، لكن هل يمكن أن يجوع مغاربي وجاره شبعان؟ ربما يتحسب الأوروبيون جيدا لمثل ذلك السيناريو، لأنهم يعلمون أن بلدانهم ستكون حتما في تلك الحالة قبلة الآلاف وربما الملايين في الضفة المقابلة. لكن ما هو البلد المغاربي الذي سيشعر حقا بجدية التهديد وبالخطر المحدق به في صورة حدوث مجاعة أو كارثة ببلد مغاربي مجاور له؟ المؤسف حقا ليس فقط أن البلدان الخمسة لا تملك رؤية جماعية وشاملة لأمنها القومي الغذائي، بل إن جزءا من الصعوبات التي قد تعترض بلدا منها، باتت تعلق عادة وبشكل اوتوماتيكي على مشجب الجار الآخر، فتكال له الاتهامات صراحة أو ضمنا بالوقوف وراءها. وليس ما يحدث بين المغرب والجزائر من حين إلى آخر هو المثال الوحيد على ذلك، فالتونسيون دأبوا منذ سنوات مثلا على أن يرجعوا سبب أي نقص يجدونه في بعض المنتوجات والمواد إلى كونها تهرب إلى ليبيا. ورغم أنهم لم يوجهوا اتهاما مباشرا إلى الليبيين بأنهم وقفوا وراء الأزمة المالية والاقتصادية التي يتخبطون فيها، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يضعوا معهم حتى الان مخططا مشتركا لتزود البلدين معا بالحاجيات الأساسية من الأسواق الدولية. وكل ما قد يقال هنا عن وجود عقبة كأداء تقف أمام أي عمل أو مسعى مغاربي موحد وهي الصراعات والخلافات السياسية يسقط على أرض الواقع، فأي اختلافات سياسية توجد الان بين تونس وليبيا وبينها وبين الجزائر مثلا، وتحول دون تحقيق الحد الأدنى من التنسيق الحقيقي بين تلك الدول لمواجهة آثار وتداعيات الحرب الروسية على اقتصاداتها؟ وأي مبررات سياسية قد تفسر عدم إقدام أي بلد مغاربي حتى الآن على التنسيق مع موريتانيا التي تمثل الحلقة الأضعف في المعادلة ومساعدتها على تحمل تبعات الصعود الصاروخي لأسعار الطاقة والوقود والقمح؟ إن همّ كل واحد للأسف هو تطمين شعبه بأنه لن يجوع، لكن ألن يكون للجوع أثر الدومينو؟ ربما سيكون من قالوا قبل أكثر من عقد إن مصر ليست تونس وليبيا ليست مصر أقدر من غيرهم على الجواب.
كاتب وصحافي من تونس

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية