ميز فردينان دي سوسير بين اللسان والكلام، فاللسان عنده هو نظام مجرد من العلامات له طابع جمعي يوجد في أذهان جماعة لغوية معينة. أمّا الكلام فهو الاستعمال الفردي والملموس للسان. حين نتكلم العربية الفصيحة أو العاميات فنحن نحتكم إلى جملة من القواعد والمبادئ، والأبنية المجردة والمواضعات، نتفق عليها جميعنا هي التي نحتكم إليها عند الكلام، وهي التي تجعلنا نتفاهم في ما بيننا.
يبدو من خلال هذا التقسيم الثنائي التقابلي، أنّ الكلام هو المنجز المطبّق من اللسان المجرّد المضمر وبعبارة أخرى يبدو الكلام براكسيس Praxis اللسان. يعني البراكسيس نشاطا ماديا أو نفسيا موجّها من أجل نتيجة عملية معينة. يفترض أيّ براكسيس، تفاعلا بين النظري، أي المعلومات التي لدينا بشكل مجرد وخطاطي حول مسألة معينة، وما يمكن أن يكون جانبا عمليا أو تطبيقيا يخصه، وذلك بأن نستعمل ما لدينا من معرفة نظرية من أجل أن نعمل، أو ننجز شيئا يرتبط بتلك المسألة لغاية معيّنة. ولكنّ البراكسيس يقتضي منك وأنت تعمل أن تحاول استخلاص شيء نظري من عملك. ففي نشاطنا الكلامي نحن نطبّق أثناء التحاور جملة من القواعد التي نُخضع إليها توليفاتنا للكلام، ونراعيها عند بناء العلاقات التركيبية في الكلام، ولكنّنا ونحن نتكلم من الممكن أن نستخرج جملة من التصورات المجرّدة، ولذلك فإنّنا من فرط ما نتكلّم تترسّخ القواعد النحوية في أذهاننا. في عامّياتنا التي نتكلمها يوميّا لم نتعلم في المدارس نحوا أو صرفا أو بلاغة، تجعلنا نحتذي قواعدها كي نتكلم بشكل صحيح، إنّما ونحن نتكلم تعلمنا هذه القواعد والمبادئ الصرفية والاشتقاقية والإعرابية والدلالية والتداولية.
إنّ اللغة بما هي مؤسسة اجتماعية لا يمكن أن يكون لها تحقّق إلاّ من خلال الممارسة الاجتماعية للقواعد اللغوية، ممارسة تنشأ وتتطور نتيجة الاستعمال الاجتماعي المتكرر. ولهذا فإنّ أيّ تغير لغوي لن يكون إلا نتيجة مباشرة للبراكسيس الجماعي. في هذا الإطار يطرح اللساني الأمريكي شمسكي، تمييزه الشهير بين الكفاءة اللغوية، وهي بشكل مبسط المعرفة الضمنية بقواعد اللغة، والإنجاز وهو الاستعمال الفعلي للغة في مواقف حقيقية. وبناء عليه فإنّ البراكسيس اللغوي يوازي عنده الإنجاز، لكنّ ذلك الإنجاز ما هو إلاّ إمكانات قليلة متحققة من إمكانات كثيرة ولا نهائية، ممّا يمكن أن تتيحه القدرات الممكنة افتراضيا للغة.
في اللغة العربية لا يتيح لنا التوليف بين الكلم، أن نستعمل جميع الإمكانات لكي نبني الجمل، فنحن ليس لدينا من التوليفات الممكنة إلاّ أن نؤلف بين اسم واسم في سياق جملة اسمية، أو بين فعل واسم في سياق جملة فعلية، ولا نؤلف بين فعل وفعل، ولا بين حرف وحرف لبناء الكلام. هذان الشكلان من التأليف هما جزء من القدرة النظرية، ولكنهما ليسا جزءا من البراكسيس. بالطبع نستطيع أن نبرر إهمال التوليف بين الحرف والحرف بالقول، إنّ الجمع بين (من) و(في) لا يفيد شيئا لأنّه جمع بين حرفين كل عنصر منهما محتاج إلى فعل واسم كي يتقوّم بهما ولا تَقَوُّمَ لحرف بحرف، لأنّ ما كان محتاجا إلى غيره حاجة متأصّلة لا يمكن أن يسند غيره ويبني معه كلاما مفهوما. والأمر نفسه يمكن أن يقال عن الفعل فهذا الضرب من الكلام بدوره يحتاج اسما لأنّه يصلح أن يكون له خبر ولا يكون الخبر محتاجا إلى خبر مثله، بل إلى مخبر عنه. ومن الناحية الإدراكية فإنّ الفعل محتاج شأنه شأن الحرف إلى علاقة تبرز دلالته وتخرجها. فالإسناد: إسناد اسم إلى اسم (زيدٌ مريضٌ) أو إسناد فعل إلى اسم (مَرِضَ زيْد) مبرّر من ناحية عمليّة، أو من جهة البراكسيس بأنّ الذات تحتاج منا عمليّا إلى صفة أو إلى فعل عند بناء الكلام. فالكلام يُبنى تجريبيا من خلال إخبارنا في الأصل عن ذات بأنّها أنجزت فعلا، أو اتّصفت بصفة. نحن كائنات حاكية أو مخبرة في الأصل قبل أن نكون كائنات متعجبة، أو مستفهمة، أو آمرة أو ناهية. أحكي لك عن زيد كيف أنّه مريض وعن نفسي كيف أنّي شجاع، أو خائف وتخبرني أنت عن نفسك كيف أنّك نمت البارحة ولم تتناول العشاء، وغيرها من الحكايات هذا هو الأصل في تواصلنا اليومي. وحين نريد الاستفهام يمكن أن نبني على أخبارنا، بإضافة ما يغيّر البنية الإخبارية إلى بنية استخبارية فنسأل محدثنا الذي يخبرنا عن زيد ولكن من زيد؟ نحن في الغالب نسأل عن الذات من تكون؟ ولا نسأل عن هوية الأفعال فحين تقول لي (نام زيد) لا أسألك عن معنى (نام)، بل قد أسألك عن ظرف النوم: متى نام وأين؟ أو عن غيره من المتمّمات التي يمكن أن تكون وعاء للفعل أو حالة له. نحن لا نسأل في التجربة إلاّ عن شيء يعنينا ولكنّه غاب في كلام محدّثينا.
التداولية تدرس اللغة وهي تُستعمل في السياق، بالتركيز على أفعال الكلام من أمر ونهي وسؤال، وغيرها وعلى المقاصد والدلالات الضمنية. واللغة ليست وصفا فقط، بل هي فعل بالكلام يؤثر في الكون. والبراكسيس مفهوم محتاج إليه في تحليل الخطاب، إذ الخطاب ممارسة لغوية واجتماعية في آن واحد. المعنى يُبنى داخل التفاعل وليس داخل الجملة فقط. في الحياة اليومية يمكن أن تستعمل في الإنجاز الأسلوب الخبري المتداول، ولكن لإفادة معان غير إخبارية، فحين تقول أنت الأستاذ للطالب الواقف لك احتراما (يمكنك الجلوس) فإنّ هذا القول يستعمل في نطاقك التداولي للإذن بالجلوس، والإذن ليس إخبارا، بل هو طلب من أجل بناء كون لم يكن، ولذلك القول مفعول يشبه الأمر في قولك (اجلس)، ولكنّه طلب لم يدخل من باب الصيغة الأمرية، بل من بوابة الإخبار، الذي يفيد أيضا الطلب فهيئته أفعال إخبارية، ولكنّه لا يقبل مثلها التصديق ولا التكذيب. ومن جهة أخرى فإنّ هذا الفهم الذي يجعل الطالب يجلس حين أقول له (يمكنك الجلوس) قد يفهم في البراكسيس اعتمادا على التجربة الاجتماعية التي نتقاسمها أنا والطالب في ثقافتنا وهي، إعطاء الإذن لشخص لم يطلبه لكي يجلس. البراكسيس بهذا المعنى هو إطار نظريّ ثقافي موجود في ذهنينا أنا والطالب، وغيرنا استمددناه من تجاربنا الكثيرة مع الكلام، ومع الوضعيات المماثلة. الكلام يتمثل في أنّه حين يقول لنا صاحب إذن يمكنك فإنّه يصبح متاحا لنا أن نؤتي فعلا كنّا نعتقد أنّه ليس بإمكاننا الإتيان به، من غير إذن. التجربة الثقافية التي تمثلناها وتعلّمناها وجعلناها كالشكل النظري العامّ هي أنّا نقف تبجيلا لمن نحترمه وأنّه ليس في وسعنا أن نجلس إلاّ إذا أذن لنا بذلك.
في قول ابن الفارض (تِهْ دلالا فأنت أهل لذاكا// وتحكّم فالحسن قد أعطاكا) نفهم القول بوصفه فعلا لغويا في سياق اجتماعي – خطابي. فالبيت ليس وصفا محايدا، بل ممارسة لغوية تهدف إلى إنتاج صورة رمزية للمخاطَب، بمنحه شرعية أن يبني علاقة تفاضلية بين المتكلم والمخاطَب وغيره ممن يمكن أن يشاركه في صفة الحسن. وهذا التفاضل يقر باعتراف يبني شرعية التحكم، وأهلية المخاطب. يُمارَس الشاعر هذا الكلام في سياق مدحي ينتج علاقة قوة رمزية فالمتكلم معترف، مُعترف به اجتماعيا. والبراكسيس هنا هو إضفاء القيمة عبر اللغة، إذ لا يصف المخاطَب فحسب، بل يمنحه شرعية الحكم عبر فعل مدحي تداولي يتجسّد في خطاب تمجيدي ذي وظيفة اجتماعية. لكنّ هذا الفهم دون براكسيس ثقافي لا يفسّر شيئا لأنّ الشاعر لا يمدح ولا يتغزل، بل هو في رحلة تقرّب من المقامات المتعالية في مدارج سلوك المتصوف العارف.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية