هل الشعب المصري مؤهل للديمقراطية؟

محمد سعد عبد الحفيظ
حجم الخط
0

منذ أن عرفت مصر طريقها إلى الحياة الدستورية، وعلى مدار قرن كامل، تغيرت خلاله وجوه وتبدلت انحيازات، لكن عقيدة السلطة الحاكمة في مصر لم تتغير، فجميعهم يرى أن المصريين غير جاهزين للديمقراطية ولا مؤهيلن لاختيار حكامهم ومساءلتهم والتعبير عن إرادتهم من دون وصاية.
منح دستور 1923 المصريين أول تجربة انتخاب حر مباشر، ونتج عن تلك التجربة أول حكومة تستند إلى أغلبية برلمانية ترأسها سعد باشا زغلول، لم يكتمل العام حتى أطاح الملك فؤاد بالحكومة بعد أزمة مقتل السير لي ستاك السردار الإنكليزي بالسودان، ثم حل البرلمان ودعا إلى انتخابات جديد.
كلف الملك فؤاد أحمد زيور باشا بتشكيل حكومة مؤقتة لحين إجراء الانتخابات، وأصدر توجيهاته بمنع حزب الوفد من الحصول على أغلبية، فتم إلغاء قانون الانتخاب الذي يمنح الشعب حق الانتخاب على درجة واحدة.
أسندت مهمة هندسة الانتخابات الجديدة إلى وزير الداخلية إسماعيل صدقي باشا الذي اشتهر بأنه «مؤسس علم تزوير الانتخابات في مصر» فطارد مرشحي الوفد واعتقل أنصارهم وأرسل إلى المحافظين والعُمد رسالة تهديد يتوعدهم فيها بالعزل في حال نجاح أي مرشح وفدي.
ورغم ما جرى من قمع وتزوير عاد «الوفد» بأغلبية جديدة، لينتخب سعد زغلول رئيسا للبرلمان، رغم أنف فؤاد وصدقي، وهو ما دفع الملك إلى حل المجلس بعد 9 ساعات فقط من تشكيله، ما أثار موجة واسعة من الاحتجاجات.
خلال تلك الفترة قاد الملك فؤاد ثلاثة انقلابات دستورية، عطل خلالها الحياة النيابية، إلا أن انقلاب 1930 كان أخطرها، وقد وقع بعد شهور من تشكيل مصطفى النحاس باشا للوزارة، الذي استقال بعد فشله في انتزاع اعتراف إنكلترا باستقلال مصر، فكلف الملك صدقي بتشكيل وزارة جديدة.
وما أن تسلم صدقي منصبه حتى جمد الحياة النيابية وألغى دستور 1923، وأصدر دستور جديدا، وروج ما جرى على أنه «إصلاح دستوري وسياسي يعمل على ترسيخ الاستقرار بالبلاد»، بدعوى أن من وضعوا دستور 1923 نقلوا نصوصا من دساتير دول بلغت من الديمقراطية ما لم تبلغه مصر.
في مذكراته أشار صدقي إلى أن مصلحة البلاد فرضت عليه أن يمحو الماضي بما له وما عليه وأن يصدر دستورا جديدا «أردت علاجا يتلمس أرفق وسائل الإصلاح.. إصلاح يتم في هوادة وفق ناموس التطور وتنعدم منه كل أسباب الشكوى وتستقر به الأمور.. والهدف هو إنقاذ الوطن من سوء المصير». بعد نحو مئة عام من تلك التجربة، كرر رئيس وزراء مصر الأسبق أحمد نظيف عبارات صدقي بحذافيرها «الشعب غير مؤهل للديمقراطية»، ليبرر بها تأبيد نظام حكم مبارك في السلطة.
انفجرت البلاد غضبا من تصريح نظيف الذي جاء في لحظة بلغت فيها السلطة ذروة تسلطها وفسادها، مع ارتفاع منسوب القلق الشعبي من فرض مشروع توريث جمال مبارك بترتيبات دستورية وسياسية.
بعد شهور جرت انتخابات برلمان 2010، وارتكب فيها النظام كل الموبقات الانتخابية من «فلترة وإبعاد» مرشحين، إلى عمليات تزوير وتسويد لبطاقات الاقتراع وشراء الأصوات، ما نزع الشرعية عن البرلمان الذي خلا من أي معارضة تذكر، وأفقد السلطة مشروعية استمرارها، فنزلت الملايين إلى الشوارع لتطالب بإسقاط النظام وبناء دولة جديدة على أسس ديمقراطية حديثة.
كانت ثورة يناير إعلانا واضحا بأن الشعب مؤهل للديمقراطية، وأن من يفتقد الأهلية هو النظام، إلا أن رئيس المخابرات العامة الأسبق عمر سليمان الذي جرى تنصيبه خلال أيام الثورة نائبا للرئيس لم تصله تلك الرسالة، فأعاد على مسامع الملايين مقولة أسلافه «الشعب المصري غير جاهز للديمقراطية»، وكأنه لم ير الملايين المحتشدة في الشوارع، ولم يسمع هتافاتها.
تحدث سليمان حينها أيضا عن «عدم ملاءمة الوقت لإنهاء الطوارئ»، وعن أن مبارك ينبغي أن يكمل مدته حتى ايلول/سبتمبر، لم يدرك الرجل أن اللحظة تجاوزت خطاب الوصاية، وأن الشعوب حين تسحب تفويضها لا تسأل السلطة إن كانت جاهزة للتغيير.
تصريحات المسؤولين الأولين والآخرين كاشفة للعقيدة المتأصلة في أجهزة الدولة العميقة، التي تعتبر أن «استمرار الاستقرار» يستدعي حرمان الشعب من حقه في الانتخاب والمساءلة.
ورغم فشل هذه الوصاية عبر التاريخ، ظلت السلطة تتمسك بها، مستنفدة صبر الشعب الذي يمنح الفرص للإصلاح، لكنه ومع نفادها ينتفض ويسحب ثقته غير عابء بالتداعيات.
ويبدو أن نظام الحكم الحالي، لا يثق هو الآخر في قدرة الشعب على الاختيار، ويرى أن مصر بحاجة من 20 إلى 25 عاما لتصبح مجتمعا ديمقراطيا، حسبما صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2016 لمجلة «جون أفريك» الفرنسية.
السيسي قال لمحاوره حينها إن «الديمقراطية حتى تصبح حقيقة في مصر لابد من الصبر لنحو 25 عاما، فهي عملية طويلة ومستمرة، ومصر تسير في هذا الطريق»، مؤكدا احترامه لإرادة المواطنين وخضوعه لها «على أمل أن أعطي المثل لمن يخلفوني».
بعد هذا التصريح بنحو 10 سنوات عاد ليشير إلى أن ما جرى في المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب لا يعبر عن إرادة الناخبين الحقيقية، وطالب الهيئة العليا للانتخابات بمراجعة التجاوزات والمخالفات حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء الانتخابات بأكملها.
على الأرض لم تتحول تصريحات الرئيس ورغباته إلى واقع ملموس، إذ اقتصر الأمر على إلغاء نتائج 19 دائرة انتخابية فقط، بينما أقر نجاح القائمة الانتخابية الوحيدة التي أخليت لها الساحة، وفي المرحلة الثانية ظهرت نفس التجاوزات والمخالفات التي أقرتها كل الأطراف في المرحلة الأولى.
كانت أمام السلطة الحالية فرصة لاسترداد ثقة الشعب، لكنها للأسف فضلت إعادة إنتاج نفس المعادلة التي لم تسفر سوى عن نواب لا يمثلون سوى الحكومة ومصالحهم الخاصة.
أثبت المصريون عبر أكثر من قرن أنهم راغبون في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، وأن الوصاية يجب أن تكون من الشعب الذي يمنح ويحجب الثقة، ومع ذلك، تعاند الأنظمة وتكابر، ما يؤدي في النهاية إلى دفع الجميع الثمن.
عندما سئل الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل عن أزمة نظام حكم الرئيس الراحل حسني مبارك في تسعينيات القرن الماضي، فقال إن مشكلة السلطة أنها تتجاهل الواقع وتقدمه بصورة مزيفة، بما يتناقض مع الحقائق التي يلامسها الناس في حياتهم اليومية.
واقترح هيكل في المحاضرة التي ألقاها في معرض الكتاب جملة من الإجراءات التي يرى أنها لازمة للخروج من «الواقع المخيف»، تبدأ من إجراء تعديلات سياسية وتشريعية تفتح المجال العام وتضخ دماء جديدة وشابة في شرايين السلطة التنفيذية، وإلغاء حالة الطوارئ، وتعيين نائب لرئيس الجمهورية وتوسيع دائرة المستشارين بما يسمح بالاستماع إلى أصوات أخرى من خارج الدائرة المغلقة.
لم يتنبه الرئيس الأسبق إلى نصائح هيكل أو إلى غيره، ومضى النظام بأكمله في طريق «الندامة» الذي جَرف البلد وجعلها أقرب إلى «خرابة» بتعبير مبارك نفسه عندما سُئل عما إذا كان ينوي توريث الحكم لابنه فقال «هورثه خرابة».
لم يفكر مبارك ودوائر المصالح المحطية به سوى في البحث عن أدوات ومقومات تضمن لسلطته البقاء على مقعد الحكم «مادام في الصدر قلب ينبض». زورت أجهزته الأمنية الانتخابات وخربت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وعملت على تشويه أي بديل قد يلتف الناس حوله لإنقاذ البلد من عثرتها، حتى «شاخت في مقاعدها» وتحللت وصارت غير قادرة لا على تلوين الصورة ولا حتى إرهاب الناس وتخويفهم.
قبل رحيله بشهور تحديدا في نهاية 2015، استدعى هيكل مجددا، تجربة إسماعيل صدقي باشا، وهو في معرض تقييمه للسلطة الحالية «لن تستطيع أن تستعيد سلطة وشعبية جمال عبد الناصر بسياسات إسماعيل صدقي».
كانت مقارنة هيكل بين مشروعي صدقي وعبد الناصر ذات مغزى؛ فالرئيس الجديد لن يستطيع تحقيق ما كان لناصر من رضا شعبي تحقق بفضل قرارات وتوجهات منحازة للشعب، بسياسات رئيس الوزراء إسماعيل صدقي الذي انقلب على دستور 1923 وزور الانتخابات وعادى الشعب.
الشعوب مؤهلة دائما للديمقراطية، تمارس الحرية، وتتعلم من أخطائها، وتعيد النظر في خياراتها، وإذا كان الشعب «غير جاهز»، فاللوم هنا يقع على السلطة التي تُجهله وتمنعه من ممارسة حقه في اختيار برلمان حر يعبر عن إرادته وإتاحة إعلام مستقل ينوب عنه في مراقبة مؤسسات الدولة.
أزمة الانتخابات البرلمانية الأخيرة كما سبقها من انتخابات، ليست فقط في هندستها وحسم نتائجها سلفا، بل في تغييب السياسة عن معاركها، فالمقصد الأبعد هو إلا يتعاطى الشعب الشأن السياسي، فلا يناقش مرشحين في برامج ولا يسأل عن بدائل، لأنه لو فعل سيكون جاهزا للديمقراطية والتغيير، ولن يكون في حاجة إلى وصاية أحد سوى إرادته.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية