هذا النهر لي

حجم الخط
0

نسيتُ اسمي، على بابٍ من الطينِ المفكَّك والوصايا العابثاتِ، وكان ذاك الليلُ يُمسك في يدِيْ أثرَ الينابيعِ البعيدةِ، كانت الأرضُ التي أُمّي ترقّ دموعها في وهجها
ترخي مآذنها وتهمس بانكسار للتراب وللنوارس والنخيلْ.
أُسافر في ندى الكلماتِ أو أتعثّرُ، أمشي كأن الرملَ يعرفني، وأهمي مثل سيلٍ من شظايا
أهدرتها ساريات الريح،
لا مدناً أخبئ تحت هذا العظمِ لا امرأةً،
سوى لغةٍ تكبّدَها الترابْ.
وأعرف أن خلفَ الضوء مئذنةٌ تلوّحُ للجنودِ العائدينَ بلا وجوهٍ أو ملامحَ، مثل أرضٍ خبأوها في جيوب نعاسهم، وحدي أعدُّ جراحَ أيّامي كأنّي أرسمُ الأشجارَ فوق خرائطٍ مكسورةٍ وأقول: هذا النهرُ لي، لكنّهُ لم ينتبهْ أني عبرت الليل فيه إلى الفراغ،
وأنني مثل الأغاني الخائفات
سكنت ترنيم المساء وصوت أمي،
كان الوقت عصفورا ينامُ على جراح الريحِ،
كان البيتُ أظلمُ من ظلالِ القلبِ أبعدَ من قصيدتنا التي نامتْ على أعتابِ كفيها،
وطعم الخبز والملح الذي جفت به الأحلام،
يسقطُ من فمي وطنٌ صغيرٌ كانَ يسكنُ بين آس أصابعي، ثم أحمل صورتي وحقيبة للغيم
أكتب من ملامحها وصاياي الأخيرة.
أنا تلك التي عبرتْ بلا أحدٍ سوى ظلّ القصيدةِ، كان لي حجرٌ أضمُّ عليه نبضي كلّما نادتْ مواويلُ السنابل،
كان لي وجهٌ يشقُّ الموجَ إن نادتْ ضلوعي، أينَ نافذتي ورعشات الحقول وشقشقات الفجر،
أحضن غيمتي وصدى المرايا
حين تلمحني على جدران هذا الليل،
لا وطنٌ يلوّحُ للجنودِ الذاهبينَ إلى الرمادِ، ولا تراتيل تشظّتْ، أو صلاةْ.
أمضي كما لغة تخضبها النساء على مناديلِ الوداع، كأنني امرأةٌ تعلّق في خطاها ظلَّ منفى،
حين تنظرُ للسماءِ تُسافرُ الكلماتُ،
كل الأبجدية، في يديها مثلما طيرٍ وموجٍ،
أو غبار الحرب في ومضات ذاكرتي،
أخبئ قبلةً في جيبِ ثوبي، للذين تناثروا فوق الشواطئ،
ما تبقّى من نساءِ الطينِ، وأتلو:
«هذه أرضي التي كانت،
ولكن… لم تعد في تيه هذا الوقت
تعرفني»..

شاعرة وكاتبة عراقية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية