لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً أعده بيتر بيكر قال فيه إن أصدقاء الولايات المتحدة في ظل دونالد ترامب باتوا حكام روسيا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا.
ففي عهد ترامب تقف أمريكا ضد حلفائها التقليديين، مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وإيطاليا.
وأشار بيكر، في بداية المقال إلى المثل القديم الذي يقول إنك تُعرَف من خلال أصدقائك، فلو كان هذا المثل صحيحاً، فإن الرئيس ترامب، قد يخبر العالم بشيء عما يخطط لأن يكون في هذه الفترة الثانية. ففي خطوة أعادت رسم النظام الدولي، جعل ترامب الولايات المتحدة تصوّت، هذا الأسبوع، ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين غزو روسيا لأوكرانيا في الذكرى الثالثة للحرب. ومن بين الدول التي وقفت أمريكا بجانبها ضد القرار كانت روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا والسودان. ولكن من هي الدول التي صوّتَ ضدها ترامب؟ بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان ومعظم بقية العالم.
وعلق بيكر أنه من الصعب تصور الموقف الراديكالي الذي أبداه ترامب في إعادة ضبط مكانة أمريكا في العالم بعد أقل من شهر واحد من توليه منصبه. فهو يضع الولايات المتحدة في معسكر الدول المارقة الرئيسية في العالم في مواجهة البلدان التي كانت أفضل أصدقاء أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية أو قبلها.
بيكر: من الصعب تصور الموقف الراديكالي الذي أبداه ترامب في إعادة ضبط مكانة أمريكا في العالم بعد أقل من شهر واحد من توليه منصبه
وتقول الصحيفة إن تفكيك الروابط الأمريكية عن حلفائها التقليديين يحمل في طياته آثاراً عميقة على مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، فحتى مع توجّه زعماء بولندا وفرنسا وبريطانيا إلى واشنطن، هذا الأسبوع، لمحاولة إغراء ترامب بالعودة إلى صفوفهم، فإنهم ومواطنيهم يواجهون حقيقة مفادها أنه لا يشاركهم قيمهم، ولا يرون أولوياتهم متوافقة مع المصالح الأمريكية.
وتضيف الصحيفة أنه إذا كانت الولايات المتحدة تريد التحالف مع المنبوذين دولياً، مثل روسيا وغيرها، فقد تختار الدول الأخرى مثل كندا وكوريا الجنوبية واليابان البحث عن طريقها الخاص، أو عقد تحالفات أخرى في أماكن أخرى.
وفي الوقت نفسه، منح الاحترام الذي أبداه ترامب لفلاديمير بوتين روسيا فرصة الخروج من العزلة الدبلوماسية التي سعت واشنطن والدول الغربية لتأكيدها على مدى السنوات الثلاث، في أعقاب غزوها الكامل لأوكرانيا.
وترى سوزان رايس، التي عملت في مجلس الأمن القومي بإدارة باراك أوباما أن ترامب: “يقوم، وبشفافية ووقاحة، بعمل ما تريده روسيا في هذا الأمر وأمور أخرى، ويضع الولايات المتحدة في نفس الصف مع أعدائنا وضد حلفائنا”، و”ينبغي أن نسأل أنفسنا، لماذا؟”.
وتقول الصحيفة إن القادة الأوروبيين يشعرون بالذهول والحيرة إزاء التصويت الأمريكي في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الإثنين، فضلاً عن الدفع الأمريكي نحو إصدار قرار بديل من خلال مجلس الأمن لا يلقي باللوم على روسيا في الغزو.
وقد صوّتت الولايات المتحدة والصين وروسيا معاً، في حين امتنعت بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى عن التصويت.
وحتى بعض الجمهوريين، الذين بذلوا قصارى جهدهم لتجنّب الانفصال علناً عن ترامب، وخاصة في شأن القرارات التي أدانوها سراً وشعروا الآن أنهم بحاجة للحديث عنها علناً.
وكتب السناتور الجمهوري عن ولاية أوتا، جيمس كيرتس، على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد شعرت بقلق عميق إزاء التصويت في الأمم المتحدة اليوم، والذي وضعنا على نفس الجانب مع روسيا وكوريا الشمالية. هؤلاء ليسوا أصدقاءنا. هذا الموقف هو تحوّل دراماتيكي عن المثل الأمريكية للحرية والديمقراطية. نريد جميعاً إنهاء الحرب، ولكن يجب تحقيق ذلك بشروط تضمن سيادة أوكرانيا وأمنها، وتمنع بوتين من متابعة المزيد من الطموحات الإقليمية”.
فيما أعلن النائب الجمهوري عن ولاية نبراسكا، دون بيكون عن فزعه من وقوف الرئيس مع المعتدي، وكتب على الإنترنت: “لقد أخطأتْ إدارةُ ترامب بشكل كبير اليوم بشأن أوكرانيا. الغالبية العظمى من الأمريكيين يدافعون عن الاستقلال والحرية والأسواق الحرة، وضد المتنمر والغزاة”.
ويدافع مستشارو ترامب عن تحركاته بأنه يقوم ببناء مفاوضات حساسة ومعقدة تهدف لوقف الحرب، حيث اتهمه نقاده بأنه يتبنى مواقف روسيا.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الرئيس يعرف عقد الصفقات أكثر من أي شخص تولى منصب الرئاسة الأمريكية، وعليك أن تجلب الطرفين إلى الطاولة لتحقيق الصفقة.
وفي الوقت الذي لم يُرد فيه ترامب تنفير بوتين من الصفقة، لم يتردد في تنفير الجانب الآخر، وهو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حيث وصفه بالديكتاتور غير المنتخب. ومن النادر ما وجدت أمريكا نفسها في نفس الصف مع دول مثل كوريا الشمالية وبيلاروسيا، وبخاصة في قضايا مهمة، وليّ أذرع حلفائها، مثل فرنسا وبريطانيا في الوقت نفسه.
ترى سوزان رايس أن ترامب “يقوم، وبشفافية ووقاحة، بعمل ما تريده روسيا، ويضع الولايات المتحدة في نفس الصف مع أعدائنا وضد حلفائنا”، و”ينبغي أن نسأل أنفسنا، لماذا؟”
ووجد تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عام 2023، أن من بين الدول التي صوتت معها الولايات المتحدة في أغلب الأحيان في الأمم المتحدة في ذلك العام كانت كندا وبريطانيا وأستراليا وفرنسا. أما الدول التي كانت الولايات المتحدة على خلاف معها في التصويت على قرارات متنازع عليها، فقد كانت سوريا ونيكاراغوا وإيران وكوريا الشمالية والصين وكوبا وبيلاروسيا وروسيا. والمجال الرئيسي الذي تجد فيه الولايات المتحدة نفسها عادة على خلاف مع حلفائها الرئيسيين هو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث وقفت أمريكا في الغالب ضد قرارات الأمم المتحدة التي تنتقد إسرائيل، حتى مع تصويت الدول الأوروبية لصالحها في كثير من الأحيان.
وقال دبلوماسيون سابقون في الأمم المتحدة إنهم لا يستطيعون تذكر الوقت الذي انضمت فيه الولايات المتحدة إلى روسيا ودول أخرى متطرفة في مسألة ذات أهمية كبيرة.
وقالت رايس: “عندما كنت سفيرة لدى الأمم المتحدة، لو تلقيت تعليمات من وزارة الخارجية والبيت الأبيض بترك حلفائنا الأوروبيين في موقف حرج والتصويت مع محور الاستبداد، بما في ذلك روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا، لكنت استنتجت أن الروس اخترقوا وأفسدوا أنظمة اتصالاتنا”.
ومع ذلك يبدو ترامب غير مهتم في إخراج أمريكا خارج الإجماع الدولي، حتى مع استقباله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حاول إقناعه بتلطيف موقفه من أوكرانيا، ولقائه المرتقب مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، غداً الخميس.
وفي الحقيقة لا ينزعج ترامب من زعماء مثل بوتين وكيم جونغ أون حاكم كوريا الشمالية القاسي. فقد أعرب دائماً عن إعجابه بالحكام المستبدين. وعلق على جدار مكتبه في مارا لاغو بعد مغادرته البيت الأبيض في عام 2021، صورة لنفسه مع كيم. وتعاون ترامب مع رؤساء آخرين وشخصيات ودول غير مرغوب فيها في السياسة الواقعية من خلال التنازلات للمصالح الوطنية، ولكن بشكل عام دون حماس كبير وليس على حساب الحلفاء المقربين عادة. ويبدي ترامب استعداداً للذهاب إلى أبعد من معظم أسلافه.
وفي مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” للزميلين في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن دانا ألين وجوناثان ستيفنسون قالا إن الأحزاب الشيوعية الكبيرة والمؤثرة في أوروبا الغربية حافظت، أثناء الحرب الباردة، على علاقاتها مع موسكو، والتي تراوحت بين المتعاطفة والخاضعة. وحافظت الولايات المتحدة على مسافة بينها، وفي كثير من الحالات دعمت خصومها مالياً وسياسياً.
والآن تواجه أوروبا تحالفاً فضفاضاً من الأحزاب ذات الميول الروسية، وهذه المرة على الطرف الآخر من الطيف: أقصى اليمين. واتخذت حكومة الولايات المتحدة النهج المعاكس: العناق الدافئ. وبهذا، تتسامح الولايات المتحدة مع تخريب روسيا لأوروبا ما بعد الحرب التي ساعدت أمريكا في إنشائها وتأمينها. وقالا إن الأحزاب التي تدعمها روسيا معادية للاتحاد الأوروبي وتعارض زيادة الإنفاق العسكري وتتقبل حجج روسيا حول تهور توسع الناتو والحاجة إلى تأكيد القيم المسيحية اليمينية. وإذا سيطرت هذه الأحزاب وأبناء عمومتها الشعبويون على أوروبا في نهاية المطاف، فهي في حكومات كرواتيا وجمهورية التشيك وفنلندا والمجر وإيطاليا وهولندا وسلوفاكيا، وتحدث تأثيراً في فرنسا وألمانيا، فإنها قد تدمر حلف الناتو وتحيد أوروبا جيوسياسياً إن لم يكن إخضاعها. وهذا هو بالتأكيد أمل روسيا. وعلّقا أن أوروبا التي أصبحت مظلمة على هذا النحو من شأنها أن تحطم رؤية أمريكا بعد الحرب الباردة لقارة “كاملة وحرة”، والتي بذل الاتحاد الأوروبي والناتو، على الرغم من كل مشاكلهما، الكثير من أجل تعزيزها، والتي كانت مصدراً دائماً للاستقرار الجيوسياسي. وبالطبع، أوضحت إدارة ترامب ازدراءها لهذه الإنجازات.
وأشار الكاتبان إلى ما فعله نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث التقى مع زعيمة “حزب البديل لألمانيا”، أليس فايدل. وهنأ إيلون موسك، الذي يبدو وكأنه رئيس وزراء الرئيس ترامب، زعيمة الحزب لحصولها على المركز الثاني في الانتخابات التي جرت يوم الأحد في ألمانيا.
رايس: لو تلقيت، عندما كنت سفيرة، تعليمات من الخارجية والبيت الأبيض بترك حلفائنا الأوروبيين في موقف حرج والتصويت مع محور الاستبداد، لكنت استنتجت أن الروس اخترقوا وأفسدوا أنظمة اتصالاتنا
وفي رفض آخر للتضامن عبر الأطلسي، التقى وزير الخارجية ماركو روبيو بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الرياض، لمناقشة مستقبل أوكرانيا، واستبعاد أوكرانيا نفسها، وكذلك أوروبا. وبدا من الواضح أن الولايات المتحدة تنوي متابعة التقارب مع روسيا، وهو ما يعني على الأرجح إنهاء العقوبات، وإقناع أوكرانيا بالتخلي عن الأراضي الأوكرانية المحتلة، وربما حتى ضمان استبعاد أوكرانيا الدائم من حلف الناتو.
وزاد ترامب عندما اتهم أوكرانيا بشن الحرب، وأظهر وأعضاء دائرته تعاطفهم مع الأحزاب الشعبوية اليمينية في النمسا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا وإسبانيا وأثروا عليها.
وفي بريطانيا، يحاول ماسك تقويض “حزب العمال” لصالح حزب الإصلاح اليميني.
وأبدى ترامب ومن حوله إعجابهم برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي زار ترامب في مارا لاغو عدة مرات، وقدّم مخططاً حقيقياً للسياسات الاستبدادية للرئيس.
ويبدو أن واشنطن لا تهتم بأوروبا “المعتدلة”، ولن ترحب بأي تعاون أمني يظهر مدى عمق واتساع التهديد الروسي لأوروبا، وأن الإهمال والخيانة أصبحا جزءاً من السياسة الأمريكية.