نيويورك تايمز: من مجلس السلام إلى تخليد اسمه على المباني.. ترامب يفرض “عبادة الفرد” على الطريقة السوفياتية

حجم الخط
0

 

نيويورك ـ “القدس العربي”:

أكد الكاتب الأمريكي سيرج شميمان في مقال نشره بصحيفة نيويورك تايمز، “مجلس السلام” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعقد اجتماعه الأول أمس الخميس، يحمل أوجه شبه مقلقة بينه وبين أساليب الدعاية التي كان ينتهجها الاتحاد السوفياتي السابق إبان الحرب الباردة.

واعتبر أن مجلس السلام، الذي استحدثه ترامب وأُعيد تسميته ليصبح “معهد دونالد ج. ترامب للسلام”، تذكره بتجربته الشخصية في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت شعارات السلام جزءا أساسيا من الخطاب الرسمي، رغم الطبيعة العسكرية والقمعية للنظام.

وأوضح أن مؤسسات مثل “مجلس السلام العالمي” و”صندوق السلام السوفياتي” لم تكن تعبيرا عن التزام حقيقي بالسلام، بقدر ما كانت أدوات دعائية لتجميل صورة موسكو خارجيا، وتمويل حركات مناهضة للحرب تخدم في الواقع مصالحها السياسية.

وقارن المقال هذا الإرث بمبادرة ترامب، مشيرا إلى أن فكرة “مجلس السلام” تستحضر اللغة ذاتها التي استخدمتها الأنظمة الشمولية، حيث يُرفع شعار السلام بالتوازي مع سياسات عسكرية وتصعيدية.

ولفت الكاتب إلى أن ترامب يطالب علنا بمنحه جائزة نوبل للسلام، ويؤكد أنه أنهى 8 حروب أو نزاعات، رغم أن معظم هذه التسويات كانت مؤقتة أو لا ترقى إلى مستوى الحروب، في وقت شهدت فيه إدارته عمليات عسكرية متعددة، من قصف إيران واليمن إلى التدخل في فنزويلا.

وبرأيه فإن مجلس السلام الجديد، الذي يتخذ من معهد ترامب للسلام مقرا له، يبدو للوهلة الأولى كمبادرة لإعادة إعمار غزة وحل النزاعات، لكنه في جوهره يفتقر إلى ميثاق عمل واضح، ويقوم على مبدأ “الدفع مقابل المقعد”، حيث تصل تكلفة العضوية الدائمة فيه إلى مليار دولار.

وقد حضرت الاجتماع الأول لمجلس السلام 47 دولة، بعضها أعضاء فيه، كما شارك الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب، لبحث إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في غزة، وذلك بعد “حرب الإبادة الجماعية” التي تعرض لها القطاع.

وأعلن الرئيس ترامب، في الكلمة التي ألقاها أمام الاجتماع، أنه سيقدم 10 مليارات دولار لغزة عبر مجلس السلام، مؤكدا أن دولا ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار أخرى ضمن حزمة إنقاذ للقطاع الفلسطيني.

وأكد الكاتب على أن هذا التوجه يحول الدبلوماسية الدولية من ساحة للتوافق العالمي إلى نموذج تجاري يخدم مصالح الرئيس وتوجهاته الشخصية، وهو ما يفسر رفض العديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين الانضمام إلى هذا التشكيل المثير للجدل، خوفا من أن يكون بديلا عن مجلس الأمن الدولي.

وذهب الكاتب إلى اعتبار أن مبادرة ترامب بتأسيس المجلس تندرج ضمن نمط أوسع من “اللغة المزدوجة” التي تُميز الأنظمة السلطوية، حيث تُقدَّم السلطة المطلقة على أنها ديمقراطية، والقمع باعتباره عدالة، والحرب باعتبارها سلاما.

ويعقد الكاتب مقارنات مباشرة بين “عبادة الفرد” في الاتحاد السوفياتي، لا سيما في عهد رئيسه ليونيد بريجنيف، حيث كان القائد يُمنح الأوسمة والجوائز وتُسمى المدن باسمه بينما يتداعى النظام من الداخل.

وأشار شميمان إلى أن ترامب يسعى لتخليد اسمه على كل شيء، من المطارات إلى المعاهد، مستغلا في ذلك وسائل إعلام متملقة تروج لنجاحاته المتخيلة، بينما يهاجم الصحافة الحرة التي تصف الواقع كما هو.

وتطرق المقال إلى دعوة ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى الانضمام إلى المجلس، واصفا إياه بأنه الأكثر قدرة على فهم “قواعد اللعبة”، لكونه خريج مدرسة الاستخبارات السوفياتية التي أتقنت استخدام السلام سلاحا سياسيا.

ويخلص شميمان، في نهاية مقاله، إلى أن تاريخ الاتحاد السوفياتي يثبت أن الأنظمة السلطوية قد تنجح مؤقتا في تسويق أوهامها، لكنها في النهاية تعجز عن الهروب من الحقيقة، محذرا من أن لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية