لندن- “القدس العربي”:
يرى نِمرود نوفيك، وهو مستشار للسياسات وكان مبعوثًا خاصًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستحق الإشادة لدفعه نحو استقرار ثلاث بؤر توتر في الشرق الأوسط: غزة ولبنان وسوريا. غير أنّ اللاعب الأقوى في المنطقة، والذي يُفترض أنه أقرب حلفاء الولايات المتحدة، أي إسرائيل، يقوّض إستراتيجية ترامب في الشرق الأوسط على الجبهات الثلاث كلها.
وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز، يقول نوفيك إنه بعد صدمة هجمات 7 أكتوبر التي شنّتها حماس، تبنّت إسرائيل عقيدة “عدم المخاطرة” التي تمنح أولوية لاستخدام القوة والسيطرة على الأرض على حساب الدبلوماسية. والمفارقة صارخة: فسياسة الاستمرار في الضربات الاستباقية تزيد مخاطر التصعيد، وهو نقيض “عدم المخاطرة”.
من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس ترامب في الولايات المتحدة يوم 29 ديسمبر. ولمنع الانزلاق مجددًا إلى الحرب، ينبغي على الرئيس الأمريكي أن يكون صريحًا وحازمًا مع نتنياهو، وأن يحدّد بوضوح متطلبات استقرار المنطقة وتوقعاته بأن يتصرّف نتنياهو على هذا الأساس. وقبيل هذا اللقاء، سيكون من الحكمة أن يقدّم القادة العرب دعمًا لأجندة ترامب، مع إعطاء الأولوية للانتقال إلى “المرحلة الثانية” من خطته للسلام في غزة.
في لبنان، تجاهلت دعوة الإدارة الأمريكية إلى نزع سلاح حزب الله “بشكل شبه فوري” السوابق الدولية التي تُظهر أن نزع السلاح عملية تدريجية، ووضعت توقعات غير واقعية. وعندما لم تتحقق هذه التوقعات، لوّحت إسرائيل بقرب عملية عسكرية كبرى، رغم وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا واستمر عامًا كاملًا. وإسرائيل تحتل بالفعل خمسة مواقع داخل لبنان، وتشنّ ضربات وتوغلات يومية.
وفي سوريا، تنفّذ إسرائيل توغلات عسكرية متكررة، مطالبةً في الوقت نفسه بنزع السلاح من كامل المنطقة الممتدة بين دمشق ومرتفعات الجولان، المحاذية لحدودها الشمالية الشرقية. وفي الوقت ذاته، تتمسك بما تعتبره “منطقة أمنية” داخل الأراضي السورية.
أما قطاع غزة فيظلّ أخطر بؤر التوتر. فاعتراض نتنياهو على أي دور للسلطة الفلسطينية في القطاع يهدد بنسف خطة ترامب ذات النقاط العشرين التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر. وليس اعتراضه متعلقًا بالأمن القومي، بل بكل ما له علاقة بتهديد “الضمّيين المهووسين” الذين اختار الحكم معهم بالانسحاب من ائتلافه إذا قَبِل بدورٍ للسلطة الفلسطينية في غزة، وهو ما سيُنهي رئاسته للحكومة.
تنصّ خطة ترامب على تشكيل قوة استقرار دولية باعتبارها ضرورة لنزع سلاح حماس، وتمكين انسحابات إسرائيلية إضافية، وحماية اللجنة المدنية التي يُفترض أن تدير القطاع، وتوفير الأمن لعملية إعادة الإعمار اللاحقة. غير أنّ الدول العربية -ومعظمها ذات أغلبية مسلمة- التي قد تساهم بقوات في هذه القوة، ترى أن إشراك السلطة الفلسطينية أمرٌ أساسي، ولو كان رمزيًا في بدايته.
ومن دون هذا الإشراك، سينظر إلى القوة، في نظر شعوب دولها المشاركة وكثيرين في العالم العربي وغزة، على أنها مجرد استبدال احتلال بآخر، احتلال إسرائيلي بآخر. ولا يمكن توفير الشرعية إلا عبر دعوة من السلطة الفلسطينية ومشاركتها منذ البداية. كما ترى الدول العربية في إشراك السلطة خطوةً نحو إعادة توحيد غزة والضفة الغربية، وهو شرط مسبق لحل الدولتين.
المرحلة الثانية من خطة ترامب: نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من نصف غزة الذي لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، وإعادة الإعمار، وتشكيل قوة الاستقرار، عالقة في غياب المشاركة العربية. وفي الوقت نفسه، فإن وقف إطلاق النار، الذي يُعدّ جوهر المرحلة الأولى، بات مهددًا. فالاشتباكات اليومية تعرّضه للخطر، فيما يعيش مليونا غزي في ظروف غير إنسانية.
وقد قابل مسؤولون إسرائيليون الإعلانات المتفائلة الصادرة من واشنطن بشأن قرب انطلاق المرحلة الثانية بالتشكيك والسخرية، وبموقف مفاده: “إذا لم ننزع سلاح حماس، فلن يفعل أحد”، وهي عبارة ترمز إلى الاستعداد لاستئناف الحرب. ومع عودة الرهائن الإسرائيليين الأحياء جميعًا، وعودة جميع الرهائن القتلى باستثناء واحد، زال حافزٌ مهم لإسرائيل للوفاء بالتزاماتها في المرحلة الأولى.
وإدراكًا منه لأن التصعيد الإسرائيلي يهدد كامل البنية الإقليمية التي يسعى إليها، تدخّل ترامب. ففي اتصال جرى في الأول من ديسمبر، حثّ نتنياهو، بحسب ما أفيد، على “التهدئة” في سوريا. وردّ نتنياهو بإيماءات تهدف إلى الإيحاء بـ”سمعتك” من دون تغيير حقيقي في السياسة.
وفي هذا السياق، وافق على إعادة فتح معبر رفح إلى مصر، أحد المنافذ الرئيسية من غزة وإليها، لكن باتجاه واحد فقط: خروج بلا عودة، ومن دون مرور للمساعدات الإنسانية، وكل ذلك يخالف ما نصّت عليه خطة ترامب، التي دعت إلى حركة في الاتجاهين للأشخاص والمساعدات.
وفي لبنان، خفّف نتنياهو من لهجته بشأن تصعيد وشيك، وأوفد مبعوثًا مدنيًا بمهمة اقتصادية ضيقة. وفي سوريا، قالت الحكومة الإسرائيلية إن التوصل إلى اتفاق ممكن، شريطة تلبية مطالبها الأمنية القصوى.
وقد تفسّر هذه التنازلات المحدودة سبب دعوة ترامب إلى لقاء مباشر مع نتنياهو، وهو السادس في ولايته الثانية.
على مدار العام الماضي، كلما قدّم قادة الشرق الأوسط لترامب جبهةً موحّدة، وخطة قابلة للتنفيذ، واستعدادًا لتحمّل الجزء الأكبر من العبء مع منحه الفضل في النجاح، استجاب. عشية تنصيبه، عرضوا تأمين موافقة حماس على وقف إطلاق النار إذا أمّن ترامب موافقة نتنياهو. ففعل. وفي مارس، دعموا خطة إعادة إعمار مصرية همّشت “خيال ريفييرا غزة” الذي طرحه ترامب، فسايرهم. وفي يوليو، ربطت مبادرة سعودية– فرنسية بين استقرار غزة ومفاوضات إسرائيلية– فلسطينية أوسع وتكامل إقليمي؛ وقد وجدت هذه العناصر طريقها إلى خطته ذات النقاط العشرين.
يمكن أن يحدث ذلك مجددًا. ينبغي على الشركاء العرب والأوروبيين وغيرهم أن يقدّموا للبيت الأبيض قائمةً قصيرة بالتغييرات الضرورية في السياسة الإسرائيلية لفتح باب المرحلة الثانية. وقد تشمل هذه القائمة قبول إشراك السلطة الفلسطينية، ومزيدًا من الانسحابات الإسرائيلية المتلازمة مع نزعٍ تدريجي لسلاح حماس. وقد تشمل أيضًا زيادة المساعدات الإنسانية وإعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، فضلًا عن الموافقة -بإشراف مصري- على قائمة من التكنوقراط الفلسطينيين غير المنتمين تنظيميًا لعضوية اللجنة التي ستدير غزة.
ولكي يوافق ترامب على فرض هذه الشروط على نتنياهو، سيحتاج إلى سماع رسالة واضحة من هؤلاء القادة: “إذا أوفيتَ لنا بنتنياهو، سنوفي لك بحماس. وإذا التزمت إسرائيل بشروط خطتك للسلام، فإننا نتعهد بالمساهمة في قوة الاستقرار الدولية وصندوق إعادة إعمار غزة”.
الخيار المطروح أمام الرئيس بات صارخًا: إما فرض الانضباط على أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة، أو مشاهدة بنية هشة تنهار تحت وطأة تصعيد نتنياهو الزاحف. والنافذة المتاحة لتجنّب اندلاعٍ جديد للنزاع آخذة في التضاؤل.