لندن- القدس العربي: نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا أعدّه ناتان أودينهايمر وفاطمة عبد الكريم ودانيال بيرتوهولاك، سلطوا فيه الضوء على التوسع الاستيطاني الذي يشرد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
وتشير الصحيفة إلى أن محمد عبد الرحمن، 58 عاما، عاش لعقدين مع زوجته سهى وخلايا النحل في بيته وحقله على تلة في الضفة الغربية المحتلة. وفي أيار/مايو، نصب مستوطنون إسرائيليون مخيما على بعد نحو 200 ياردة، وسيطروا على الطريق المؤدي إلى منزل عبد الرحمن، ومنعوه من العودة. وأضاف أن الجنود الإسرائيليين طردوه وزوجته، مشيرا إلى أنه لا يزال غير قادر على العودة إلى منزله. وفي الشهر الماضي، أظهر مقطع فيديو نشره نائب إسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي كيف تم تحويل منزل عبد الرحمن إلى مساحة للدراسة الدينية من قبل المستوطنين.
وفي مكالمة هاتفية من منزل شقيقه في بلدة بيتونيا القريبة، حيث يقيم الآن، قال عبد الرحمن: “كل ذكرياتي في ذلك المنزل، إنهم لا يسرقون أرضنا فحسب، بل يحاولون أيضا قطع الجذور التي تربطنا بها”.
وتضيف الصحيفة أن عائلة عبد الرحمن كانت من أوائل الفلسطينيين المتأثرين بقرار الحكومة الإسرائيلية في أيار/مايو بإعادة رسم خريطة الضفة الغربية بتحويل المزيد من المناطق الفلسطينية إلى مستوطنات يهودية. وفي أوسع توسع استيطاني منذ عقود، وافقت الحكومة على بناء 22 قرية وحيًا استيطانيًا في مختلف أنحاء المنطقة، من بينها قرية تُسمى “بيت حورون الشمالية” قرب المكان الذي كان يعيش فيه عبد الرحمن وزوجته، غرب مدينة رام الله.
وكان ذلك جزءا من حملة أوسع نطاقا استمرت عقودا لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، لكن العملية أصبحت أكثر عدوانية منذ عام 2022، بعد عودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى منصبه واندلاع الحرب في غزة التي أشعلتها هجمات حماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقد تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، مع تواطؤ الشرطة الإسرائيلية إلى حدّ كبير. كما نفذت إسرائيل عمليات عسكرية واسعة زعمت أنها تستهدف المسلحين، ما أدى إلى اقتلاع أحياء كاملة في المدن الفلسطينية.
ويقول المؤرخون والباحثون إن ذلك أدى إلى أكبر موجة نزوح فلسطينية في الضفة الغربية منذ نصف قرن. ويرى معظم المجتمع الدولي أن إنشاء دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية مفتاح لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إلا أن إسرائيل، منذ احتلالها للضفة الغربية عام 1967، واصلت التوسع من خلال بناء المستوطنات، حتى في المناطق الفلسطينية المكتظة.
وتؤكد الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية أن جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة تنتهك القانون الدولي، وهو ما ترفضه إسرائيل. بعض المستوطنات الـ22 التي تمت الموافقة عليها في أيار/مايو كانت قائمة بالفعل، لكنها اعتُبرت غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي. والقرار الأخير يمنحها اعترافا رسميا بأثر رجعي.
ومن المقرر بناء مستوطنات أخرى في الطرف الشمالي من الضفة الغربية، في منطقة لم تشهد وجود أي مستوطنة معترف بها رسميًا منذ أن فككتها إسرائيل عام 2005. وفي آب/أغسطس، وافقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع استيطاني كبير يُعرف باسم “E1”، من شأنه تقسيم الضفة الغربية فعليًا إلى قسمين، ما يصعّب على الفلسطينيين إقامة دولة متصلة جغرافيًا. كما هدّد أعضاء في حكومة نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة بضم أجزاء من الضفة الغربية.
وعلى مدار العام الماضي، بنى المستوطنون عددا قياسيا من البؤر الاستيطانية – وهي مخيمات صغيرة تتكون غالبًا من منازل جاهزة – وفقًا لمسؤول عسكري إسرائيلي تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويته. وتم بناء أكثر من 40 بؤرة استيطانية خلال الأشهر الستة الماضية فقط، وفق هاغيت عفران التي تراقب الضفة الغربية ضمن مشروع مراقبة المستوطنات التابع لمنظمة “السلام الآن” الإسرائيلية.
وقالت الصحيفة إنه بموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة في التسعينيات، التزم كل من الإسرائيليين والفلسطينيين بعدم اتخاذ خطوات تُغيّر وضع الضفة الغربية. لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاهلت إلى حدّ كبير عشرات البؤر الاستيطانية اليهودية غير المرخصة، وغالبًا ما وفّرت لها قوات الجيش الأمن بشكل غير معلن، ما أدى إلى بدء فترة من التوسع الواسع في تلك البؤر.
ولم تكن بعض المناطق النائية، مثل تلك التي عاش فيها عبد الرحمن، جزءًا من هذا التوسع حتى هذا العام. وقال عبد الرحمن: “كنا نعتقد أن أحدا لن يهتم بقطعة أرضنا”. كان يعيش مع زوجته في منزل قديم من غرفتين، مبني من حجارة كبيرة غير مستوية، ومحاط بأشجار الصنوبر وبستان زيتون، ولا توجد منازل أخرى قريبة. وأضاف أنه مستعد للدفاع عن منزله، وقدّم شكوى إلى الشرطة الإسرائيلية والإدارة المدنية. ولم تستجب الشرطة لطلب التعليق.