لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “ذي نيوريببلك” تقريرا أعدته إيميلي تامكين، محررة الطبعة الأمريكية لمجلة “نيوستيسمان” والصحافية المقيمة في واشنطن، تقريرا قالت فيه إن تركيز إدارة دونالد ترامب على “معاداة السامية” تجعل من اليهود أقل أمنا، مشيرة إلى أن استخدامها للموضوع خدمة لمصالحها يعرض أيضا حياتهم للخطر.
ففي الوقت الذي تقول فيه إدارة ترامب أنها تكافح معاداة السامية، لكنها في الحقيقة تحارب جامعة كولومبيا. وأشارت إلى إعلان الحكومة الأمريكية يوم الجمعة عن خسارة الجامعة الدعم الفدرالي بقيمة 400 مليون دولار بسبب استيعاب الجامعة -كما تزعم- أهم تظاهرات ضد إسرائيل وحربها في غزة بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وجاء في قرار الإدارة أن حجب الدعم جاء “بسبب تقاعس الجامعة في وجه التحرش المستمر ضد الطلاب اليهود”.
وتبع القرار إعلان وزارة الأمن الداخلي عن اعتقال محمود خليل، الفلسطيني الذي يحمل بطاقة الإقامة الخضراء في الولايات المتحدة وخريج الجامعة الذي شارك في احتجاجات وتقوم بإجراءات لترحيله. وزعمت الوزارة على موقعها في الإنترنت أن خليل “قاد نشاطات مرتبطة بحماس، المنظمة المصنفة كإرهابية”. وهو زعمٌ كرره مسؤولو الإدارة بمن فيهم الرئيس ترامب الذي كتب على منصته “تروث سوشيال” محذرا طلاب الجامعات وإدارييها: “سنعثر على هؤلاء المتعاطفين مع الإرهاب ونقبض عليهم ونبعدهم من بلادنا، ولن يعودوا مرة أخرى أبدا”.
وأضاف: “لو دعمتَ الإرهاب، بما في ذلك ذبح الرجال والنساء والأطفال الأبرياء، فوجودك في بلدنا متنناقض مع مصالحنا القومية وسياساتنا الخارجية، ولم تعد محل ترحيب. ونتوقع من الجميع في الجامعات الأمريكية والكليات الالتزام”.
وقال ترامب إن الناشطين مثل خليل ليسوا ناشطين بل “فاعلون دُفع لهم” للقيام بـ”نشاط مؤيدة للإرهاب ومعاد للسامية ومعاد لأمريكا”.
وتعلق تامكين بأن التطورات الأخيرة، لا علاقة لها بمكافحة معاداة السامية، أو الحفاظ على سلامة اليهود. بل “يبدو لي أن هذه حيلة تخدم مصلحة إدارة مليئة بالأشخاص الذين يروجون ويرسخون المؤامرات المعادية للسامية والتي تركز على مهاجمة التعليم العالي وحرية التعبير وحرية التجمع والهجرة ومعايير الإجراءات القانونية باستخدام اليهود والخوف اليهودي ومعاداة السامية كذريعة للقيام بذلك”.
مضيفة: “لست وحدي في هذا الرأي”، فقد كتب لها الأستاذ الفخري لدراسات جنوب آسيا بجامعة كولومبيا، شيلدون بولوك، رسالة إلكترونية قال فيها: “لقد بذلت إدارة كولومبيا كل ما بوسعها لإرضاء إدارة ترامب، من خلال إنشاء مكتب ضخم جديد للمساواة المؤسسية وبروتوكولات تدريب جديدة، من بين أمور أخرى. ولكن لم ينجح شيء لأن هذا الهجوم لا علاقة له بمعاداة السامية الفعلية. إن الانتقادات المشروعة تماما لحملة التطهير العرقي الإسرائيلية الضخمة تستخدم كذريعة لتدمير الجامعة الأمريكية ومبادئها الأساسية المتمثلة في الحرية الأكاديمية وحرية التعبير”.
وتقول تامكين إن هناك يهودا في أمريكا يرحبون بصوت عال، ويعتقدون بصدق، وفقا لجميع الروايات أن الاحتجاجات التي اندلعت في الحرم الجامعي على مدار العام الماضي هي بؤر لمعاداة السامية وأن خفض التمويل عن الجامعات وترحيل الطلاب هو في الواقع الطريقة الصحيحة للرد.
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن طالب يهودي في جامعة كولومبيا قوله إن تجميد الدعم “هو ما يحتاج إليه بشدة وهي صيحة تذكير”. وقالت رابطة مكافحة التشهير إن “استخدام قوة المحفظة يمكن أن يكون فعالا في دفع التغيير عندما يصيب الأهداف الصحيحة”، وأننا “نقدر مجموعة الجهود الواسعة والجريئة التي تبذلها إدارة ترامب لمكافحة معاداة السامية في الحرم الجامعي”.
كما استقبلت جمعية الخريجين اليهود من كولومبيا، نبأ تخفيض المنح بقولها: “لقد حدث ذلك أخيرا”، مضيفة أن على الناس ألا يشعروا بالأسف على خليل لأن البطاقة الخضراء وفرصة الدراسة في كولومبيا هي امتيازات “ألقى بها بعيدا”.
وتعلق تامكين أن آخر مرة بحثت فيها، لم تكن جمعية الخريجين اليهود من كولومبيا تابعة للجامعة، وتقول: “أضيف، بصفتي خريجة يهودية من المؤسسة، هنا إنهم لا يمثلون ولا يتشاورون مع جميع الخريجين اليهود، على الرغم من أنهم ليسوا فريدين في موقفهم بين المؤسسات اليهودية التي تدعي التحدث باسم اليهود”.
وتستدرك قائلة إنها لا تزعم أن هؤلاء الأفراد والجماعات غير صادقين أو غير قلقين حقا بشأن معاداة السامية في الحرم الجامعي، أو أن وجهة نظرهم ليست يهودية، بل هي كذلك. وبصرف النظر عن مدى مصلحة الإدارة في استخدامها لمعاداة السامية، فـ”أعلم أن هناك من لا يشعرون بالقلق حقا بشأنها فحسب، بل يعتقدون حقا أن النهج الذي تتبناه الإدارة حاليا هو النهج الصحيح”. ولكنها تكتب هذا لاعتقادها أن موقفهم الداعم للإدارة في سياساتها ضد حرية التعبير هو مخطئ وبشكل كارثي، فهذا الموقف يتناقض مع التاريخ والسياسات الحالية.
كما أن هذا النهج الذي تتبناه الإدارة لن يقضي على معاداة السامية ولن يجعل اليهود أكثر أمنا، بل يعرض حياتهم للخطر. ونقلت عن مستشار الأمن القومي السابق لحملة كامالا هاريس قوله إن “هذه الظاهرة حقيقية”، فاليهود في أمريكا يشعرون بالقلق، وهناك بعض الجامعات لديها مشكلة، ولكن “هذا لن يحل المشكلة”، في إشارة لسياسات ترامب.
وقال إن حرمان الجامعات من المصادر لن يؤثر على الطلاب غير اليهود فقط، بل على اليهود أيضا. ولن يتم تركيع الجامعة بدون تركيع كل الطلاب بمن فيهم اليهود. بل على العكس، فإن أخذ المصادر من الجامعة لمنفعة اليهود الطيبين سيزيد من معاداة السامية. وكما قال بولوك، فإن المنح والعقود تأتي “من المعاهد الوطنية للصحة والمؤسسة الوطنية للعلوم ووزارة التعليم، وغيرها من المكاتب الفيدرالية”، وهذا يعني أن التمويل سوف يقطع عن الأبحاث العلمية والطبية. ولا أعتقد أن قطع الأموال الفيدرالية المخصصة للأبحاث من المعاهد الوطنية للصحة والإعلان عن أن هذا البحث لم يعد من الممكن إجراؤه بسبب اليهود أمر جيد وبخاصة لليهود. ويقول غولدنبرغ: “سوف يجعل هذا الطلاب أهدافا”.
وترى الكاتبة أن ربط معاداة السامية بالهجرة إشكالي بشكل عميق، فهذه الظاهرة ليست مستوردة، والتظاهر بغير ذلك وربطها بالطلاب من حملة التأشيرات يتجاهل المشكلة الحقيقية داخل أمريكا وما يجب عمله لمحاربتها.
علاوة على ذلك، فإن كراهية الأجانب ومعاداة السامية متشابكتان بشكل لا ينفصم في الولايات المتحدة الأمريكية. وكما أشارت مجلة “فوروورد” في قصة قبل اعتقال خليل، فإن القانون ذاته الذي قد يكون بمثابة أساس لترحيل الأشخاص الحاصلين على تأشيرات، بموجب قانون الجنسية للهجرة لعام 1952، “كان مفهوما على نطاق واسع في ذلك الوقت أنه يستهدف الناجين من الهولوكوست اليهود من أوروبا الشرقية المشتبه في كونهم عملاء سوفييت”. لكننا لسنا بحاجة إلى العودة إلى عقود من الزمن لنرى كيف ترتبط كراهية الأجانب ومعاداة السامية. فنحن نتذكر الرئيس دونالد ترامب وهو يزعم في عام 2018 أن رجل الأعمال اليهودي المولود في هنغاريا، جورج سوروس ربما يكون مسؤولا عن قافلة المهاجرين التي كان اليمين مهووسا بها في الفترة التي سبقت انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، ونحن نعلم أن مطلق النار في كنيس شجرة الحياة بمدينة بيتسبرغ في العام نفسه، كان مدفوعا بقناعة مفادها أن اليهود يغمرون البلاد بالمهاجرين.
وقالت تامكين إن تعليق الدعم وترحيل حامل البطاقة الخضراء، ليسا متشابهين، مع أن كليهما يعتبر خرقا للإجراءات القانونية. كما أن قول جماعات يهودية إن هذا جيد أو سيئ لمكافحة معاداة السامية لا يجعله كذلك.
ولهذا السبب تحدثت عدة منظمات يهودية ضد أفعال ترامب في كولومبيا، من “إف نوت ناو” المطالبة بالمساواة والعدالة ومستقبل مزدهر لجميع الفلسطينيين والإسرائيليين و”صوت اليهود من أجل السلام” إلى إيمي سبيتالنيك، التي تركز على الديمقراطية في المجلس اليهودي للشؤون العامة، إلى المجموعات التقدمية التي تركز على الداخل مثل “بيند ذا أرك” و”يهود من أجل العدالة لعرقية والاقتصادية” و”نيكسس”، بسبب التهديد الذي تشكله هذه التحركات على المعايير التي تحافظ على ديمقراطية أمريكا الليبرالية والتعددية والحماية التي تجعل اليهود آمنين.
ونقلت الكاتبة عن فيلسيا ويزدم، المديرة التنفيذية لأجندة نيويورك اليهودية، “أن سكان نيويورك من مختلف الأطياف السياسية يشعرون بالقلق إزاء ارتفاع معدلات معاداة السامية”، ولكن في الوقت نفسه، “يظهر لنا التاريخ أن هذا النوع من القمع لن يجعل اليهود أكثر أمانا”.
ولكن ما الذي قد يجعل اليهود أكثر أمانا؟ كيف قد تبدو مكافحة معاداة السامية؟
إن الأمر يتطلب الاستثمار في التعليم وليس مهاجمته. وهذا يعني محاولة جمع المجتمعات بدلا من تحريضها ضد بعضها البعض. وهذا يعني أن أولئك الذين يشغلون أقوى المناصب في البلاد يهاجمون المؤامرات بدلا من الترويج لها. وكما قال غولدنبرغ، فإن هذا يعني خلق مساحة للمناقشات حول إسرائيل حيث يمكن للناس “فصل المناقشة حول إسرائيل عن المناقشة حول اليهود الأمريكيين”. ولكن الإدارة تفعل العكس.