عمان- «القدس العربي»: لا ينبغي التفكير كثيراً بضرورة سعي الحكومة الأردنية وهي تناقش الميزانية المالية مع مجلس النواب، إلى تقديم منتج سياسي وبيروقراطي على أساس يعزز حضور وهيبة وقدرة أعضاء المجلس النيابي على مخاطبة الجمهور.
ولا ينبغي، في المقابل، الاسترسال في سيناريو أن الحكومة وهي تنشد التفويض والثقة البرلمانية في خطتها المالية الاقتصادية، تجد نفسها مضطرة لأسباب رقمية وموضوعية، إلى رفع الرواتب في القطاع العام بسبب طبيعة العبء المالي والوضع السياسي الإقليمي المعقد الذي يحتاج لسياسات إنقاذية تحافظ على الحد الأدنى. نقاشات الميزانية المالية بدأت الثلاثاء بقدر أقل من الصخب في مواجهة حكومة تعلن أنها وزارة تكنوقراط اقتصادي ومعنية برؤية التحديث الاقتصادي، وما تستطيع تقديمه لنواب الأمة هو حصراً التزام على لسان وزير المالية بأن لا تفرض المزيد من الضرائب، وألا يزيد العبء الضريبي في العام 2026.
دون ذلك، لا يوجد ما تستطيع الحكومة حقاً تقديمه للنواب، وإن كانت الخطابات الناعمة التي تناقش الميزانية في وجبة صباح الثلاثاء قد يزيد صخبها وتميل إلى الشعبويات يومي الأربعاء والخميس، حيث يتوقع عبور الميزانية ومنحها الثقة في كل الأحوال بعد ظهر الخميس حتى تدخل المؤسسات في السلطتين في استحقاق ما بعد تلك المرحلة.
القراءة الأولية لخطابات الثلاثاء في الميزانية المالية تفيد بأن النواب والكتل بصدد مناقشة هادئة وناعمة، لكنها فنية ورقمية هذه المرة.
عضو البرلمان الإسلامي الدكتورة ديمة طهبوب، ركزت على تأثيرات الدين العام التي ترتفع، وانعكاساتها على المواطن، حيث أشارت إلى أن حصة كل مواطن أردني في الدين العام الآن تزيد عما يقارب ثمانية آلاف دولار للفرد الواحد.
الرقم كبير ويظهر ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الدين العام لا يعجب النواب، وإن كانت الحلول التي تقترحها الحكومة فيما يتعلق بالاقتراض الداخلي والخارجي لا تنتمي -برأي المحلل الاقتصادي الدكتور أنور الخفش- إلى مستوى الواقع والمعالجة، فيما يجتهد الخبراء الاقتصاديون خارج الحكومة في الدعوة إلى التفكير بالميزانية المالية خارج الصندوق.
وفي الأثناء، يعبر القطب البرلماني خميس عطية عن تلك الحاجة الملحة حتى لقيادة مجلس النواب في أن تتقدم الحكومة بخطوة ما في اتجاه التقارب مع تلمس احتياجات الناس. كان لافتاً هنا أن عطية تحديداً، اقترح ونصح بأن على الحكومة التفكير جدياً بزيادة الرواتب. أما النائب عوني الزعبي فيصف الميزانية بانها مبنية على أرض رخوة.
القصد في الأرض الرخوة هنا واضح في التفاصيل، حيث لا ضمانات حكومية بالحد من تأثير ارتفاع الدين العام، ولا ضمانات برفع نسبة النمو الاقتصادي. وبعض المشاريع الضخمة التي أعلنت عنها الحكومة قبل دخولها معترك نقاشات الميزانية تشريعياً تبدو مشاريع ورقية في قياسات العديد من الخبراء الذين كثفوا وجهات نظرهم.
الحكومة هنا وفي توقيت مقصود، أعلنت عن مشاريع كبيرة على أمل جذب مجلس النواب لخطتها المالية والاقتصادية.
بين تلك المشاريع، إنشاء مدينة جديدة اسمها «عمرة» على أكتاف العاصمة عمان وتشغيل مطار جديد في العاصمة كان قديماً باسم مطار عمان المدني. النقاشات التي برزت خارج قبة البرلمان وجهت عشرات الأسئلة بالتزامن لأركان وأقطاب مؤسسة الضمان الاجتماعي تحديداً، بعدما أعلنت تلك المؤسسة مشاركتها في استثمار ضخم في المدينة الجديدة وسط اجتهادات تتصور بأن الحكومة لم تعد قادرة على الاقتراض داخلياً من مؤسسة الضمان الاجتماعي، فيما البديل كان إشراك تلك المؤسسة باستثمارات العقارات الجديدة.
ولم يتطرق النواب بعد لتلك المسائل، لكن نقاشات الميزانية في وجبتها الأولى يوم الثلاثاء، تظهر حيرة رموز العمل الوطني في جزئية الاشتباك مع تفاصيل الميزانية المالية، وإن كانت تظهر بصورة مركزية حاجة النواب لخطوة حكومية تساعدهم في احتواء أي ضجيج أو ردود فعل شعبية تنتج عن عبور الميزانية.
أقل ما يرضي النواب هنا هو رفع الرواتب والتقدم بخطط لمشاريع استثمارية وطنية. لكن حتى القليل في ملف الرواتب، من الصعب على الحكومة الالتزام به. هذا في حين ينظر المعنيون لعبور الميزانية المالية عصر الخميس باعتباره فاصلاً زمنياً للتوجه إلى استحقاقات برلمانية أخرى مثيرة ومهمة.
الميزانية هنا تلعب دور الجسر بين محطتين، أما التصويت لها؛ بمعنى عبورها، فيمنح حكومة الرئيس الدكتور جعفر حسان قوة التفويض الإضافي لاقتحام مساحات جديدة والإجابة عن أسئلة أخرى مطروحة قد يكون من بينها شكل وهوية وملامح التغيير أو التعديل المطلوب على صيغة النظام الانتخابي. وقد يكون من بينها أيضاً تفحص سيناريو الانتخابات المبكرة وإعادة رسم استراتيجية للاشتباك مع سلسلة إجراءات يطبخها الأمريكيون حالياً تحت عنوان الموقف من التيار الإسلامي بنسخته الوطنية أو المحلية الأردنية.
نقاشات الميزانية تنتهي في 3 أيام. والأسبوع المقبل يبدأ مع تفويض تشريعي شامل على أكتاف عبور الميزانية لحكومة حسان. والفرص ستصبح بعد التصويت على الميزانية ملائمة ليس فقط لترسيم استراتيجيات، بل لحسم بعض التغييرات المطلوبة بإلحاح مرحلياً حتى على مستوى بعض التعديلات الدستورية والمصير النهائي للوزارة الحالية وإعادة هيكلة بعض المنظومات قبل أو عشية نهاية العام الحالي.