نعم توجد نظرية المؤامرة

يحضر مصطلح المؤامرة في تفسير الكثير من الأحداث التي يعيشها العالم، ويؤمن بعض المحللين والرأي العام بفكر المؤامرة، في حين يبخس منه آخرون، ويعتبرون الاستدلال بها مظهرا من مظاهر عدم تقبل الواقع، أو التعبير عن الضعف. وسنقدم مثالا شكّل فضيحة كبرى في العلاقات الدولية، ويعود إلى ثلاثة عقود فقط، لكن يبدو أن صناع الذاكرة الجماعية يقومون بتغييبه طوعا أو قسرا، يتعلق الأمر بملف «كلاديو» أو الجيش السري للحلف الأطلسي.
بعد الحرب العالمية الثانية وارتفاع حدة الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تعتقد في تفوق الاتحاد السوفييتي في أي حرب كلاسيكية قائمة على الدبابات والمدرعات والطيران، ونجاح الجيش الأحمر السوفييتي في احتلال أجزاء كبيرة من أوروبا الغربية. ويعود هذا إلى عاملين، الأول وهو تجربة الجيش السوفييتي في القضاء الفعلي على الجيش الألماني، إبان الحرب العالمية الثانية، حيث كانت عملية نورماندي تكميلية ليس إلا، إذ لولا هزيمة هتلر في الحدود الشرقية، لما نجح الغرب في الانتصار سنة 1945، وكانت واشنطن ستلجأ إلى القنبلة النووية كما فعلت مع اليابان. بينما العامل الثاني هو هشاشة الجيوش في أوروبا الغربية التي لم تكن تمتلك عتادا كبيرا وقتها.
وفكرت الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، في إنشاء تنظيم يسمى Red Stay Behind وهو تنظيم يضم خلايا سرية في كل الدول الأوروبية الغربية، ستقوم هذه الخلايا، في حالة الاكتساح السوفييتي بتشكيل نواة للمقاومة، واستلهمت الفكرة من المقاومة عموما، خاصة الفرنسية إبان الاحتلال النازي لفرنسا. واتخذت الاستخبارات الغربية وأساسا البريطانية والأمريكية نموذجين من التنظيم، الأول متفق عليه بين رؤساء الاستخبارات والقيادات العسكرية في الحلف الأطلسي، والثاني تنظيم مواز منبثق من الأول لا يعلم بوجوده إلا القلة، بمن فيهم بعض رؤساء الاستخبارات الغربية، وعناصر معينة من الجيش والاستخبارات، ولم يكن حتى بعض رؤساء الدول على علم بهذا التنظيم الموازي. وكانت المفارقة الكبرى أن الاكتساح السوفييتي لم يقع، لكن الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية اكتسبت قوة كبيرة، وعلى رأسها إيطاليا. فتغيرت أجندة هذه المنظمة وأصبحت تعتبر الأحزاب الشيوعية خطرا؛ وقررت التحرك ضد هذه الأحزاب، وكان القرار الأخطر، وهو ما يلي، ولنتأمل بعمق: اتخاذ جهات وسط الحلف الأطلسي تنفيذ هذه المنظمة لعمليات إرهابية وسط الدول الأوروبية وإلصاقها بعناصر يسارية لتبخيس الوضع السياسي للأحزاب الشيوعية، وتجييش الرأي العام ضدها حتى لا تصل إلى السلطة. ولعل أبرز تنظيم فرعي لهذه المنظمة هو تنظيم «كلاديو» الإيطالي، بحكم أن الحزب الشيوعي الإيطالي كان مرشحا للفوز في الانتخابات والحكم، وفي كل دولة يحمل التنظيم اسما. وكانت أول عملية إرهابية وقعت يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 1969 ضد بنك للمزارعين في ميلان، وخلفت مقتل 17 شخصا وجرح العشرات، وجرى اتهام اليساريين. وجرت عمليات أخرى من تنفيذ هذه المجموعة طيلة السبعينيات والثمانينيات، وكانت أبشع عملية إرهابية هي التي استهدفت محطة القطار في مدينة بولونيا الإيطالية يوم 2 أغسطس/آب 1980 وخلفت مقتل 82 شخصا، وجرى اتهام اليسار في البدء، وبعد التشكيك وللتمويه تبنت منظمة يمينية العملية للتغطية على منظمة كلاديو. ونفذت هذه المنظمة في إيطاليا «استراتيجية التوتر»، أي خلق التوتر وسط المجتمع، عبر عمليات إرهابية وهجمات ضد البنوك ومؤسسات رسمية. وكانت بلجيكا الدولة الثانية المستهدفة، حيث شهدت عمليات إرهابية وسرقات خلفت مقتل 28 شخصا، وأدت التحقيقات الى وقوف تنظيم «ريد ستاي بيهند» وراءها عبر توظيف جماعات منحرفة. ونجحت هذه المنظمة في اختراق تنظيمات يسارية فوضوية، وتلاعبت ببعض أعضائها ووجهتهم نحو العنف، من دون وعي منهم أنهم كانوا يعملون لصالح مخططات معادية.
وتوجد مقالات وأفلام وثائقية بعضها من إنتاج «بي بي سي» حول هذا التنظيم الذي أنشأه الحلف الأطلسي. ويبقى المثير هو فشل القضاء الأوروبي في التوصل الى الحقيقة الكاملة وراء هذه التفجيرات، حيث كان قضاء بعض الدول مثل إيطاليا وبلجيكا يصطدم مع الاستخبارات العسكرية، ثم اغتيال كل عضو سابق في التنظيم أراد التعاون مع القضاء. وما زال الكثير من ملفات التحقيق مفتوحة في بعض الدول الغربية، مثل إيطاليا وبلجيكا وسويسرا. ويعتقد الخبراء أن الحقيقة ستظهر خلال العقود المقبلة، عندما سيتم رفع السرية عن وثائق التنظيم.

قضية «ريد ستاي بيهند» أو فرعه الشهير «كلاديو» تبرز كيف أقامت الاستخبارات العسكرية تنظيما وسط الدول الأوروبية، أحيانا من دون علم الرؤساء

حاولت الدول الأوروبية التملص من فضيحة هذا التنظيم، ونفت دول مثل فرنسا وبلجيكا وسويسرا وبريطانيا، لكن رئيس الحكومة الإيطالية الشهير جوليو أندريوتي قال يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1990 في البرلمان الإيطالي، إن كل الدول الأوروبية كانت على علم بوجود هذا التنظيم، بما في ذلك فرنسا التي حضرت آخر اجتماع في بروكسل خلال السنة نفسها. واعترف وزير الدفاع البلجيكي غيي كويم سنة 1990 بوجود هذا التنظيم. وكان البرلمان الأوروبي قد ندد يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1990 في بيان من سبع نقاط بممارسات الاستخبارات الأمريكية والحلف الأطلسي بالوقوف وراء تنظيم «ريد ستاي بيهند». وحاولت مؤسسات القضاء، بل الجهات الأمنية التي لم تكن تعلم بوجود هذه التنظيمات التحقيق وفشلت.
قضية «ريد ستاي بيهند» أو فرعه الشهير «كلاديو» تبرز كيف أقامت الاستخبارات العسكرية تنظيما وسط الدول الأوروبية، أحيانا من دون علم الرؤساء، مثلا الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران كونه يساريا لم يكن يعلم بالملف حتى وقت متأخر. وكيف عملت على تغيير مجرى الأحداث وبالتالي مجرى التاريخ. وهذا مثال قوي على وجود المؤامرة في العلاقات الدولية أساسا. وعملت هذه الجهات وسط الاستخبارات على التحكم أساسا في الإعلام، لكيلا يعالج، وفق رؤيتها، هذه الأحداث والتركيز على ما توجهه إليه. ونتساءل جميعا: كيف ضحت الاستخبارات الغربية بمواطنيها في عمليات إرهابية لإيقاف المد الشيوعي في الغرب؟ عندما يعالج أي خبير العمليات الإرهابية ولا يربطها مسبقا بفرضية وجود مصالح عميقة لبعض الدول، وبالتالي الانتباه إلى العمل الخفي أي «المؤامرة» لن يصل الى الحقيقة. ولهذا، فهناك قاعدة ذهبية لبعض صناع القرار في التنظيمات العميقة وسط الدولة العميقة تقول «لا تقرأ وسائل الإعلام، اترك أخبار الصحافة للقطيع لتكون له ذاكرة السمكة». وعليه، لقد وقع عدد من العمليات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين في سياق غامض وغريب، ولم يتم الكشف عن الوقائع الكاملة لأي اعتداء إرهابي كبير، بل دائما هناك «مبني للمجهول» و»وقائع ناقصة». فهل من تمرين تحليلي يستحضر كل المعطيات والجوانب الغامضة لما وقع خلال هذه الفترة؟ لا توجد فقط نظرية المؤامرة بل ممارسة المؤامرة وعلى أعلى المستويات.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية