نواكشوط –«القدس العربي»: في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع واتساع رقعة المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب، لم تعد تداعيات المشهد حبيسة الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل امتدت ارتداداته إلى الفضاءات الرقمية والميادين الشعبية في عواصم بعيدة، من بينها نواكشوط.
وتتواصل بشبكات التواصل الاجتماعي في موريتانيا حاليا موجة تفاعل لافتة اتسمت باصطفاف واسع مع طهران، في سياق قراءة شعبية تعتبر أن المواجهة الدائرة تتجاوز بعدها الثنائي إلى كونها حلقة جديدة من الصراع المفتوح حول فلسطين وغزة.
ولم يبق هذا المزاج الرقمي المضاف لمتابعة دائمة لقنوات التلفزيون الناقلة لمجريات الحرب مزاجا افتراضياً، بل تُرجم ميدانياً من خلال خطب أئمة المساجد وعبر تحركات نشطاء وشباب المبادرة الطلابية الموريتانية لمناهضة الاختراق الصهيوني الذين وسعوا دائرة احتجاجاتهم الليلية أمام السفارة الأمريكية، معتبرين أن ما يجري هو امتداد مباشر للعدوان على غزة، وأن التضامن مع إيران، في نظرهم، يندرج ضمن مناصرة ما يسمونه «محور دعم المقاومة».
وهكذا يتقاطع البعد العاطفي المتعلق بفلسطين مع قراءة سياسية ترى في طهران طرفاً في معادلة الردع الإقليمي.
مبادرات إغاثية لدعم غزة
وقد تواصل في العاصمة الموريتانية هذا الحراك الشعبي والطلابي الاحتجاجي المتصاعد، بالتوازي مع إطلاق وتنفيذ مبادرات إغاثية رمضانية لصالح النازحين في قطاع غزة، في سياق تنديد شعبي باتساع المؤازرة لتشمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويعكس هذا التطور مزاجاً شعبياً يرى في إيران أحد أبرز الأطراف الداعمة للمقاومة الفلسطينية، ويعتبرها مستهدفة بسبب ذلك.
وقد تجلى هذا الموقف في الوقفات الاحتجاجية، وفي النقاشات الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث جرى الربط بين ما يحدث في غزة والتصعيد العسكري الذي طال إيران.
ونظّمت المبادرة الطلابية الموريتانية لمناهضة الاختراق الصهيوني وللدفاع عن القضايا العادلة وقفة احتجاجية أمام السفارة الأمريكية في نواكشوط. وعبّر المشاركون خلالها عن رفضهم لاستمرار الحرب في غزة، كما نددوا بتوسيع المواجهات لتشمل إيران ولبنان.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بوقف الحرب فوراً، ووقف ما وصفوه بالدعم الدولي للعمليات العسكرية، مؤكدين تضامنهم مع المدنيين المتضررين في مختلف مناطق النزاع، وداعين إلى تحرك دولي عاجل لاحتواء التصعيد.
وعلى المستوى الميداني، أصدر الرباط الوطني الموريتاني لنصرة الشعب الفلسطيني بياناً أدان فيه توسيع العمليات العسكرية، ودعا إلى وقف التصعيد، مؤكداً تمسكه بمواصلة الأنشطة التضامنية والإنسانية.
وبالتوازي مع الاحتجاجات، كثّفت منظمات مدنية موريتانية جهودها الإغاثية خلال شهر رمضان 1447هـ، عبر مشاريع متنوعة لصالح غزة، شملت توزيعات نقدية للنساء المعيلات، ومشاريع السقيا والإطعام وكفالة الأيتام، وتوزيع الطرود الغذائية وربطات الخبز والمواد الأساسية، مع تنظيم إفطارات جماعية في غزة.
وأعلن المنتدى الإسلامي الموريتاني عن حملة لتوزيع التمور والحليب المجفف، وتنظيم إفطار جماعي استفاد منه 300 صائم، ضمن حملات دعم للنازحين في غزة.
تنديد بالحرب على أيران
وبين الاحتجاج السياسي والدعم الإنساني، يبدو أن الساحة الموريتانية تعيش حالة تفاعل واسع مع تطورات الحرب في الشرق الأوسط، في مشهد يعكس حيوية النقاش العام، ويطرح في الوقت ذاته أسئلة أعمق حول موقع البلاد بين اعتبارات الدولة ومزاج الشارع، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية
واعتبر الإعلامي الموريتاني الحسن لبات «أن ما يجري كشف، ربما للمرة الأولى منذ تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحكم، عن مسارين مختلفين: رسمي وشعبي».
وأوضح «أن الشارع الموريتاني تفاعل مع التطورات في إيران بتعاطف لافت، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات تندد بالقصف الذي تعرضت له البلاد، مع الإعجاب الحماسي بالرد العسكري الإيراني، كما عبّر كثيرون عن حزنهم عقب الإعلان عن استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي.
وأشار الحسن لبات، إلى أن «هذا المزاج لم يظل محصوراً في الفضاء الرقمي، بل امتد إلى بعض خطب الجمعة، حيث دعا أئمة لإيران بالنصر في المواجهة الجارية».
وفي المقابل، لفت لبات إلى «أن الموقف الرسمي الموريتاني التزم الصمت حيال ما يجري في إيران، رغم العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بينما سارعت نواكشوط إلى إدانة الهجمات التي استهدفت دول الخليج، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، توازناً تحاول الدولة الحفاظ عليه في ظل تعقيدات إقليمية ودولية».
وفي سياق الجدل الدائر، قدّم المحلل الاستراتيجي الموريتاني محمد الأمين فاضل رؤية اعتبرها مدخلاً لإعادة تموضع عربي وإسلامي في ظل نظام دولي يتشكل على قاعدة تعدد الأقطاب.
تجنب توسيع دائرة المواجهة
واقترح فاضل ثلاث نقاط يجب التقيد بها خلال الحرب أولاها أن لا تدخل دول الخليج الحرب تحت أي ظرف، والثاني أن تعمل إيران على الحد من هجماتها على دول الخليج أو إيقافها، والتركيز على مواجهة إسرائيل، والثالث تجنب توسيع دائرة المواجهة بما يهدد الاستقرار الإقليمي الشامل».
أما بعد انتهاء الحرب، فيرى فاضل «أن المرحلة تفرض مراجعات متبادلة، تمهيداً لتشكيل حلف عربي إسلامي تكون نواته: السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان، بهدف تعزيز مكانة الدول الإسلامية في نظام عالمي متعدد الأقطاب».
واقترح فاضل لتهيئة هذا الحلف خطوات تمهيدية، من بينها التزام إيراني واضح بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإعادة توجيه الموارد الخليجية نحو بناء تحالفات إقليمية مستقلة، وإعادة النظر في طبيعة العلاقات الدبلوماسية لبعض الدول مع إسرائيل».
ويرى فاضل «أن هذا الطرح، وإن بدا مثالياً، قد يشكل في نظره مخرجاً استراتيجياً لضمان توازن إقليمي أكبر في عالم تتراجع فيه القواعد التقليدية للعلاقات الدولية».
وبين تفاعل افتراضي كثيف وحراك ميداني متجدد، تكشف هذه التطورات الواقعة في الساحة الموريتانية عن تحوّل في طبيعة التعبير الشبابي الموريتاني، حيث باتت القضايا الإقليمية تُقرأ من زاوية ارتباطها المباشر بفلسطين، وتتحول إلى أدوات تعبئة داخلية.
ومع استمرار التصعيد في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الزخم الشعبي على الاستمرار، وكيف ستتعامل السلطات مع حراك يتغذى من خطاب عابر للحدود، ويعيد صياغة أولويات الشارع في ضوء معادلات إقليمية متغيرة.