نساء أسقطن ديكتاتوراً

حجم الخط
0

*
منذ عام 1999 تحتفل الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخامس والعشرين من نوفمبر باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وتوصي جميع المنظمات الحكومية وغير الحكومية ووسائل الإعلام حول العالم، بالترويج لثقافة مناهضة العنف ضد المرأة، لأنها أدركت أن هذا العنف في مجتمع العالم الذكوري، يظل مستترا ومخفيا ومسكوتا عنه، بسبب التواطؤ والرغبة في الإفلات من العقاب.
وعلى الرغم من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي صدرت في عام 1979 إلا إن العنف ضد المرأة، استمر عالميا كعائق خطير أمام تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين وفي تحقيق السلام والتنمية.
وقد اختارت الأمم المتحدة تاريخ الخامس والعشرين من نوفمبر تحديدا، لأنه يرتبط بحادثة بارزة وقعت أحداثها في عام 1960 في جمهورية الدومنيكان، تلك الجمهورية الصغيرة الواقعة في المحيط الكاريبي، على مشارف كوبا وهاييتي، ففي تلك البقعة لقيت الأخوات ميرابال حتفهن، لتلفت تلك الحادثة نظر العالم المهتم بقضايا الحريات ومناهضة العنف ضد المرأة.
الأخوات ميرابال ثلاث شقيقات دومنيكيات مينيرفا وباتريا وماريا اغتالهن بتوجيه حكومي مجهولون في الخامس والعشرين من نوفمبر من عام 1960 في عهد الديكتاتور رافاييل تروجيلو، وقد أصبحن لاحقا معلما مهما من معالم الحرية في الدومنيكان والعالم برمته. كان والدهن رجل أعمال ناجحا، وكن يعشن حياة الطبقة الميسورة المستقرة، مع شقيقتهن الرابعة ديدي، التي نجت من حادثة الاغتيال. كانت عائلتهن عائلة سياسية معارضة للنظام الفاشي للديكتاتور رافاييل تروجيلو، الذي ظل على هرم السلطة في الدومنيكان حتى عام 1961، وكان يفرض سيطرة مطلقة على البلاد، من خلال تحالفه السري مع الكنيسة والطبقة الأرستقراطية والصحافة كذلك. وكان يدير سلطة عسكرية بوليسية، ويعدم الآلاف من معارضيه. وذات يوم حضرت مينيرفا إحدى الشقيقات ميرابال، وكانت تسعى لأن تصبح محامية، إحدى المناسبات العامة التي كان الديكتاتور تروجيلو موجودا فيها. افتتن الديكتاتور بمينيرفا وحاول التحرش بها، إلا أنها صدته وجابهته برفض مهين، وقيل إنها صفعته، ثم غادرت المناسبة مع عائلتها. استشاط الديكتاتور غضبا وأمر باعتقالها مع عائلتها وأصدقائها الذين حضروا معها، وتم اقتيادهم إلى معتقل فورتاليزا أوزاما، ليحقق معها رجال تروجيلو ويطلبوا منها كتابة رسالة اعتذار له، ولكنها رفضت الإذعان لهم.

العنف ضد المرأة، استمر عالميا كعائق خطير أمام تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين وفي تحقيق السلام والتنمية

شكّلت مينيرفا بعد إطلاق سراحها، حركة سياسية معارضة لنظام الديكتاتور تروجيلو، عرفت الحركة باسم حركة الرابع عشر من يونيو، وضمت مجموعة من المعارضين لنظام تروجيلو، وكان الجميع ضمن هذه الحركة يلقب الشقيقات ميرابال بالفراشات لجهودهن الحثيثة في مقاومة الفاشية، ونشاطهن الكبير في الحركة ولحيوية الشباب التي كن يتمتعن بها. إلا أن الديكتاتور سرعان ما أمر باعتقالهن وذويهن والتنكيل بهم. وبعد الإفراج عنهم قام مجهولون بتصفية الشقيقات الثلاث مينيرفا وباتريا وماريا بطريقة وحشية. وكشف لاحقا أن الديكتاتور هو من كان وراء عملية الاغتيال.
اغتيال الأخوات ميرابال، كان الضربة القاضية، التي زعزعت وقضت على نظام تروجيلو، فقد اغتيل الديكتاتور بعد ستة أشهر من حادثة اغتياله للشقيقات، وباغتياله انهار نظامه بالكامل. جرى بعد ذلك تكريم الأخوات ميرابال وقامت أختهن ديدي ميرابال بتحويل المنزل، الذي ولدن فيه إلى متحف يضم مقتنيات الشقيقات اللواتي رحلن. كما كان يضم العديد من الكتب والأفلام الوثائقية والسينمائية التي خلدت ذكرى الأخوات ميرابال.
ولعل أشهر ما كتب حولهن هو رواية «في زمن الفراشات»، للكاتبة الأمريكية جوليا ألفاريز، التي نشرت عام 1994 والتي تحولت عام 2001 إلى فيلم حمل الاسم نفسه (في زمن الفراشات). وقامت النجمة العالمية سلمى حايك فيه بشخصية مينيرفا وشارك في الفيلم المغني الشهير مارك أنتوني بدور مساعد. وقد صدرت كتب أخرى حول الأخوات الراحلات، كانت آخرها رواية (حَيّات في حديقتهن)، ألفتها أختهن الناجية ديدي ميرابال وصدرت عام 2009، وبالإضافة لذلك صدرت مجموعات من قصص الأطفال حولهن، وكذلك العديد من الأفلام الوثائقية، فضلا عن عشرات النصب والتماثيل والمطبوعات التي حملت صورهن.
ولنا ان نتساءل عن عدد النساء في عالم اليوم اللواتي تعرضن لما تعرضت له منيرفا وأخواتها من العنف، الذي تمارسه سلطات الحكم الفاشية، التي تتخفى خلف الألبسة الفاخرة الأنيقة وتسكن الأبراج العاجية، وتظهر على الصفحات الأولى للصحف والمجلات ومنصات الإعلام الأخرى، خلف كل تلك المظاهر الملونة البراقة، التي لا نرى فيها إلا الثراء والفخامة والأناقة والوجوه اللامعة، نجد ملايين القصص التي تشبه قصة منيرفا وأخواتها، بل نجد قصصا أبشع منها وأكثر دموية ورعبا وإجراما، حتى إنه لم يبق من الضحايا أي إثر ملموس، فجثث الضحايا إما اختفت كليا، ولم يعثر عليها، أو أنها شوهت وقطعت وحرقت. كل تلك الجرائم قد وقعت، إما بسبب رفض المرأة للتحرش والاعتداء الجنسي، أو بسبب مقاومتها للسلطة الغاشمة، التي تتستر على القمع والفساد والانحراف الخلقي.
إرهاب الدولة الذي تمارسه الديكتاتوريات الفاشية، ما زال قائما حتى يومنا هذا، ولم ينتهي بنهاية قصة الأخوات ميربال، فما زال العديد من الحكومات اليوم تمارس قمعها لشعوبها، من خلال فرق الشرطة السرية، وسياسات الترهيب والعنف والاعتقال السياسي والتعذيب واغتيال المعارضين، من أجل السيطرة على مواطنيها سيطرة محكمة تجعلهم بموجبها عبيدا للحاكم، الذي يجب أن يبجله الجميع ولا يجرؤ أحد على معارضته، أو مخالفة أوامره، فتتحول الدولة إلى ضيعة للحاكم بلا دستور يحكمها وبلا قانون ينصف الضعيف والمظلوم.
في 17 ديسمبر عام 1999، أعلنت الأمم المتحدة تعيين تاريخ الخامس والعشرين من نوفمبر، ذكرى اغتيال الأخوات ميرابال، ليكون موعدا سنويا للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وذلك تقديراً للأخوات ميرابال وصمودهن وجهودهن في مقاومة القمع والتعسف ومناهضة الديكتاتورية والدفاع عن الحريات. لقد قامت الأمم المتحدة بتخصيص يوم لمناهضة العنف ضد المرأة لأن العنف ضد النساء والفتيات، يعتبر واحدا من انتهاكات حقوق الإنسان المنتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، ويمكن مشاهدته عند جميع الأعراق ولدى مختلف الطبقات الاجتماعية والمستويات الثقافية، وقد يحدث في أي مكان سواء داخل المنزل أو مكان العمل أو في الشارع أو في المدرسة وفي حالتي الحرب أو السلم.
لقد أقرّت الأمم المتحدة رسميا بضرورة رفع مستوى الوعي العالمي، وتعبئة الحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية لمعالجة الأسباب الجذرية لهذا العنف، القائم على النوع الاجتماعي وتعزيز تدابير الوقاية والاستجابة ضده. سيظل الاحتفال بهذا اليوم يمثّل منصة لتسليط الضوء ونشر التوعية على حجم وطبيعة العنف ضد المرأة، وتشجيع الحكومات على تغيير السياسات تجاه الناشطات والمعارضات، وإصدار التشريعات التي تحمي المرأة من العنف بكل أشكاله وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتوفير الموارد للناجيات من حالات العنف، وحشد الجهود العالمية لإنهاء العنف ضد المرأة، من خلال حملات مخصصة تؤكد على حقوق الإنسان وعلى المساواة بين الجنسين من أجل عالم تسوده العدالة والمساواة.

كاتبة من العراق

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية