نتنياهو يضع البالستي على رأس “مارالاغو”.. وترامب بين مشكلة إسرائيل والحفرة الإيرانية

حجم الخط
0

آنا برسكي

حتى وقت أخير مضى، كان يخيل أن لقاء نتنياهو – ترامب في “مارالاغو” سيتركز على المرحلة الثانية في غزة والانتقال إلى الواقع الجديد الذي يرغب ترامب في إقامته – إقامة قوة استقرار متعددة الجنسيات، وحكومة تكنوقراط فلسطينية، وبداية إعمار القطاع والجدال العميق على شروطه. في قلب هذا الحوار فجوة بين المرغوب فيه في خطة ترامب من عالم جديد ورائع وحكومة وإعمار، وبين ما هو على الأرض الغزية: حماس ضعيفة لكنها حية، وتركل ولا تعتزم التناثر، وفوضى سلطوية وانعدام توافق على من يحوز القوة.

ولكن كلما اقترب موعد اللقاء يتبين أن موضوعاً آخر يدحر غزة إلى الوراء، على الأقل من ناحية نتنياهو، ويحتل مركز الساحة من جديد: إيران وأساساً تسلحها المتجدد، والتصميم الإسرائيلي على عدم السماح لها باستكمال هذه الخطوة.

كلما اقترب موعد اللقاء يتبين أن موضوعاً آخر يدحر غزة إلى الوراء، على الأقل من ناحية نتنياهو، ويحتل مركز الساحة من جديد

صورة الوضع المتبلورة في إسرائيل بعد هجمات الصيف الماضي بعيدة عن صورة الحسم. إيران تلقت ضربات، لكنها لم تفقد قدرة الانتعاش، بل العكس. وحسب التقديرات، انتقلت طهران بسرعة من مرحلة الصدمة إلى مرحلة التعلم. وجهدها المركزي حالياً ليس الركض العلني نحو الانطلاق إلى النووي، بل إعمال منهجي للطبقة الوسطى – صناعة الصواريخ الباليستية، وخطوط الإنتاج، والقدرة إلى إعادة منظومات الدفاع الجوي التي تضررت إلى الخدمة.

تشخّص إسرائيل تهديداً فورياً أكثر من النووي نفسه. ليس لأن النووي شطب عن جدول الأعمال، بل لأن الصواريخ هي المفتاح الذي يسمح لإيران بالدفاع عن كل ما تبقى – والهجوم أيضاً. بدون غلاف صواريخ ودفاع جوي ستكون منشآت النووي هدفاً للإصابة. مع الغلاف، تصبح مشكلة استراتيجية أكثر تعقيداً بكثير؛ ولهذا يتركز قلق إسرائيل على ترميم منشآت الإنتاج وعلى وتيرة التسلح. تقديرات بقدرة إنتاج آلاف الصواريخ في الشهر، بغياب رقابة فاعلة، ليست معطى فنياً، إنما هي تغيير ميزان.

إيران لا ترمم فقط لتعود لما كانت عليه، بل لتعود إيران أخرى. الهجمات الأخيرة حتى وإن أصابت بناها التحتية، علّمت طهران أي أعناق زجاجات يجدر توسيعها، وأي عناصر يجدر إنزالها تحت الأرض، وأين هو الدمج بين قدرة الصواريخ وطبقة الدفاع؛ لتصعيد جولة هجمات أخرى.

هذا تغيير للعقيدة، أكثر مما هو إصلاح للإضرار. بالتوازي، حتى لو لم يكن النووي على رأس القائمة الفورية، لمنه يتحرك، أحياناً عبر ترميم بنى تحتية، وأحياناً عبر إخفاء، وأحياناً باستغلال الغموض وفجوات الرقابة. بكلمات أخرى، ترميم القدرة الصاروخية وترميم النووي ليسا محورين منفصلين، بل منظومة واحدة وهذا أمر يقلق إسرائيل. الصاروخ يبني غرفاً. الغلاف يسمح بالنووي والنووي، حتى لو تأجل، يبقى الهدف الأسمى.

على هذه الخلفية، فإن ما نشرته “ان.بي.سي” يشكل إطلالة على الحوار الحقيقي الذي يعتمل تحت السطح. مكتب نتنياهو غير معني بالتفصيل مسبقاً، لكنه لا يبرد الانشغال بإيران وطرح المسألة في قمة “مارالاغو”. أربعة بدائر سيطرحها نتنياهو على ترامب: هجوم إسرائيل مستقل بمساعدة أمريكية محدودة وحتى حملة مشتركة أو عملية أمريكية كاملة – هي ليست مناورة نظرية. فهي تعكس جدالاً على فهم الوقت: الانتظار ومحاولة كبح إيران بوسائل سياسية، أم العمل قبل الترميم ونقطة اللاعودة.

لن يكون مركز الثقل في ذلك اللقاء ما تريد إسرائيل عمله، بل ما الذي تستعد واشنطن لتحتمله. هنا يتأكد الموقف الأمريكي كما ينعكس في التحليلات الأخيرة. ترامب يريد خلق نظام إقليمي جديد دون أن يعلق ثانية في حرب لا نهاية واضحة لها. من ناحيته، إيران خطر لكنها أيضاً حفرة مالية وسياسية وعسكرية. لذلك سيفضل صيغة دبلوماسية متصلبة، وعقوبات وتهديداً عسكرياً في الخلفية على جولة أخرى تلزمه بأن شرح للجمهور الأمريكي سبب عودته إلى سماء الشرق الأوسط مع قاذفات وذخائر.

وعليه، السؤال الحقيقي ليس إذا كان ترامب مع الهجوم، بل في أي ظروف سيرى فيه اضطراراً. هل سيعرف الترميم الإيراني كتهديد مباشر على مصالح أمريكية – قواعد، قوات، مسارات ملاحقة وحلفاء، أم مجرد مشكلة إسرائيلية يفضل الابتعاد عنها.

بالمقابل، يصل الموقف الإسرائيلي من مكان وجودي. إسرائيل لا ترى في الخيار العسكري شعاراً، بل تأمين حياة. إذا كانت التقديرات بشأن تسريع إنتاج الصواريخ وإعادة الدفاع الجوي صحيحة، فإسرائيل تخشى من غلق نافذة الفرص. لا تزال إيران اليوم في منتصف الترميم، لكنها غدا ستكون محمية أكثر، متوزعه أكثر، وستكون قدرة الهجوم أخطر. وعليه، حتى لو عرض نتنياهو لترامب سلسلة بدائل، فالرسالة واحدة: إسرائيل لن تسمح لإيران بالوصول مرة أخرى إلى وضع يمكّنها من نصب مظلة صواريخ ودفاع تغلق السماء من فوق المواقع الحساسة.

هنا تبرز الفجوة الاستراتيجية بين القدس وواشنطن. ترامب يمتنع عن الحرب بينما إسرائيل تخشى من حرب أكبر بعد ذلك. ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض مع وعد بتصميم نظام إقليمي جديد وتقليص الاحتكاك الأمريكي المباشر، بات معنياً بالاستقرار سواء في غزة وفي الشمال، وفي الساحة الإيرانية. من ناحيته، وقف نار إقليمي وحفظ الردع أفضل من جولة تصعيد أخرى. لكن الردع، كما يفهمه قادة إسرائيل لا يصمد إلا إذا كان من خلفه تهديد مصداق.

سيصل نتنياهو إلى “مارالاغو” مع رسالة واضحة: بدون خط أحمر حقيقي، ستواصل إيران البناء والترميم والاستعداد الفاعل للهجوم القادم. ترامب سيكون مطالباً بأن يقرر إذا كان سيقلص مجال العمل الإسرائيلي باسم الاستقرار، ام يترك التهديد العسكري على الطاولة، حتى وان كان بثمن المخاطرة بالتصعيد.

 معاريف 21/12/2025

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية