نتنياهو وترامب وهدايا البرابرة

حجم الخط
0

كان رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أول زائري واشنطن بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية. ومن المعروف أن المحكمة الجنائية الدولية كانت قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مذكرة توقيف بحق نتنياهو لاتهامه بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، في حرب الإبادة ضد غزّة، ومذكرة أخرى مشابهة لوزير دفاعه غالانت. لكن نتنياهو لن يكون أول مجرم حرب يدخل البيت الأبيض، فمعظم الذين سكنوا فيه من الرؤساء الأمريكيين، اقترفوا جرائم حرب معروفة، ويمكن عدّهم مجرمي حرب بجدارة، حتى لو لم تصدر مذكرات توقيف رسمية بحقهم.
كما أن الولايات المتحدة آمنة قانونياً لمجرمي الحرب الإسرائيليين، فالولايات المتحدة ليست طرفاً موقعاً في المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت عام 2002 بموجب ميثاق روما لعام 1998، لكنها ليست آمنة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، إذ وقع ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بفرض عقوبات، ومنع سفر ضد محكمة جرائم الحرب، التي تقاضي حلفاء الولايات المتحدة أو مواطنيها، وبذلك سيمنع خان من دخول الولايات المتحدة، لكن سيسمح له بالسفر إلى نيويورك لتقديم إحاطات أمام الأمم المتحدة.
لم يأت نتنياهو خالي الوفاض، ولا نعرف إذا كان قد حمل هذه المرة ملابسه المتسخة ليغسلها في واشنطن، وهو ما حدث في زيارات سابقة، وسبّب فضيحة أضيفت إلى سجل فضائحه الحافل. ففي سبتمبر/أيلول 2020 اشتكى مسؤول أمريكي من أن نتنياهو وزوجته يجلبان في كل زيارة إلى واشنطن حقائب مليئة بالملابس المتسخة لغسلها مجاناً في البيت الأبيض، لكنه حمل هدية أقذر بكثير هذه المرة.

نتنياهو لن يكون أول مجرم حرب يدخل البيت الأبيض، فمعظم الذين سكنوا فيه من الرؤساء الأمريكيين، اقترفوا جرائم حرب معروفة، ويمكن عدّهم مجرمي حرب بجدارة

جرت العادة أن يتبادل الزعماء الهدايا التذكارية، وقد تكون أسلحة، ليس ذلك مستغرباً، لكن أن يكون السلاح المهدى قد استخدم في هجوم إرهابي جبان، فهذه سابقة على ما أظن. لقد أهدى نتنياهو صديقه الحميم ترامب جهاز تراسل لاسلكياً «بيجر» مطليا بالذهب، يرمز إلى الهجوم الذي شنته إسرائيل في سبتمبر الماضي داخل لبنان، بتفجير آلاف الأجهزة التي كانت مخابراتها قد فخختها، والتي لا تعود لمنتسبي حزب الله فحسب، وقتل الهجوم أربعين شخصاً، بينهم أطفال وعاملون في الحقل الطبي، وجرح وأعاق وشوه أكثر من ثلاثة آلاف، بينهم من أصيب بالعمى. وأدان خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الهجوم، وعدّوه خرقاً مخيفاً للقانون الدولي، وحتى ليون بانيتا الرئيس السابق لجهاز «سي آي أي»، وصف الهجوم على أنه عمل إرهابي. وبدا من الصور التي نشرت في وسائل الإعلام أن جهاز التراسل الذهبي، غرس في قطعة من جذع شجرة زيتون، مثل الأشجار التي يقطعها المستوطنون الصهاينة، ويجرفها الجيش الإسرائيلي كل يوم في فلسطين المحتلّة.
الاحتفاظ بتذكارات الحروب تقليد متبّع، وهناك تاريخ بشع في المجتمعات الاستعمارية والاستعمارية الاستيطانية حافل بالكثير من الأمثلة المروعة على الاحتفاظ بجماجم وعظام الأعداء واستخدامها. ما زال متحف الإنسان في باريس يحتفظ بعظام المجاهدين الجزائريين، وفي الولايات المتحدة كان الاحتفاظ بجماجم وعظام الجنود اليابانيين من الحرب العالمية هواية منتشرة، أهدى أحد الجنود الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في 1944 آلة فتح رسائل مصنوعة من عظم ياباني. في الستينيات طلب رهبان بوذيون من مارتن لوثر كنغ مساعدتهم في إعادة الجماجم اليابانية. ومعروف أن الإسرائيليين يحتفظون بجثث الشهداء ويسرقون الأعضاء منها.
لقد عاد نتنياهو بهدية ثمينة من ترامب هي فكرة بربرية استلهمها الامبراطور الأمريكي الأخرق من صهره جارد كوشنر، الذي كان قد طرحها في حوار في مبادرة الشرق الأوسط في كلية كنيدي في جامعة هارفارد في مارس/ آذار من العام الماضي. ذكر كوشنر يومذاك القيمة العقارية الثمينة لساحل غزة المطل على البحر واستخدم عبارة «تنظيف غزة»، التي كررها ترامب في كلمته، وفكرة نقل الفلسطينيين إلى صحراء النقب! لكن خطة ترامب تقتضي تهجيرهم إلى بلدين تحكمها أنظمة «الحلفاء» في الأردن ومصر، ومنعهم من العودة.
قوبلت كلمة ترامب بكثير من الاستهجان والاستغراب شرقاً وغرباً، وداخل الولايات المتحدة. لكن ما فات غالبية المعلقين الأمريكيين أن مقترح ترامب يتناغم مع التراث القومي الأمريكي، فتهجير الناس من موطنهم لاستغلال أراضيهم وإحلال المستوطنين محلهم ليس غريباً. ومن لا يعرف عليه أن يعرف عن درب الدموع، وهو ما أطلقه الجيروكي على محنة التهجير القسري في خريف 1838 وشتاء 1839 حين أجبرت الولايات المتحدة قبائل الجيروكي على الخروج من موطنها في جورجيا وآلاباما وتنسي ونورث كارولينا والذهاب إلى أوكلاهوما، إلى الغرب من نهر المسيسيبي. ومات حوالي 15 ألفا منهم جراء المرض والجوع.
ستوضع هدية نتنياهو في متحف ما في الولايات المتحدة، هذا إذا لم يبعها ترامب أو أولاده مستقبلاً، وستكون رمزاً «حضارياً» وسيعتبرها البعض «كنزاً ثقافياً». يذكّرنا فالتر بنيامين، الذي أعود إليه كثيراً بضرورة أن نتتبع مسار وتاريخ الوثائق وغنائم الحروب وأن نكشف ما تخفيه من تاريخها. «فليس هناك وثيقة حضارة دون أن تكون، في الوقت ذاته، وثيقة للبربرية، والبربرية تسم الأسلوب الذي تنتقل فيه هذه الوثائق من مالك إلى آخر.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية