نتنياهو وأنصاره يستغلون هجوم بونداي لمواصلة التطهير في فلسطين… ولبنان ينتظر الانفجار المقبل

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أثار هجوم شاطئ بونداي في سيدني أستراليا الذي استهدف محتفلين بعيد الأنوار اليهودي «هانوكا» عاصفة من الجدل حول انتشار معاداة السامية حول العالم، وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاستغلال الحدث الذي قتل فيه مسلحان، 15 شخصا وجرحا 27 آخرين، واتهم رئيس الوزراء الأسترالي انتوني ألبانيز بنشر معاداة السامية، ولكنه أي نتنياهو أكد على أن اعتراف أستراليا بالدولة الفلسطينية كان المسؤول عن قتل اليهود وهو ما نفاه المسؤول الأسترالي ووصفه بالكلام الغريب.

حظر شعارانتفاضة

وسارع معتذرون مثل بريت ستيفنز من «نيويورك تايمز» (15/12/2025) ناقش فيه أن قتل اليهود هو نتيجة حتمية لما سماه دعوات «عولمة الإنتفاضة»، والغريب أن المعتذرين عن إسرائيل في الغرب حاولوا استخدام الأمر والتأكيد على أن انتشار معاداة السامية هو نتيجة لتظاهرات المؤيدين لفلسطين في الشوارع الغربية، وليس غريبا أن يستجيب المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لدعوات المؤيدين لإسرائيل ومطالبهم بالحد من هتافات الناشطين المؤيدين لفلسطين ومنع كلمات مثل «انتفاضة» أو «من النهر إلى البحر»، لأنها شعارات تحرض على كراهية اليهود. ونقلت صحيفة «إندبندنت» (16/12/2025) ما قاله المتحدث باسم رئيس الوزراء بأنه في حين أن «حرية التعبير حق أساسي في هذا البلد، إلا أنها لا يمكن أن تمتد إلى التحريض على الكراهية أو مضايقة الآخرين»، مؤكدا أن الشرطة ستستخدم صلاحياتها «بشكل أكثر حزما» للتصدي لانتشار معاداة السامية. وفي يوم الإثنين، حذر متحدث باسم مؤسسة خيرية يهودية معنية بالأمن من أن الهتافات العنيفة في الاحتجاجات «إذا لم يتم كبحها» قد تؤدي إلى أعمال وحشية دامية مثل هجوم شاطئ بونداي. قال ديف ريتش، مدير السياسات في صندوق أمن المجتمع الذي يوفر الحماية للمجتمعات اليهودية في بريطانيا، إنه «ليس من الصعب الربط» بين الكراهية الموجهة ضد إسرائيل خلال المسيرات و«هذا النوع من الإرهاب العنيف». وقال إن الدعوات إلى «الانتفاضة» وعبارة «من النهر إلى البحر»، التي استخدمها بعض المتظاهرين في المظاهرات المؤيدة لفلسطين، لم تواجه بالقوة الكافية. وفي الوقت نفسه، حذر الحاخام الأكبر السير إفرايم ميرفيس من أن «خطاب الكراهية قد يتحول إلى أعمال كراهية». وقال: «نشهد أسبوعيا خروج الناس إلى شوارع مدن بلادنا وهم يهتفون بشعارات تحرض على الكراهية، مثل من النهر إلى البحر وعولمة الانتفاضة». واتهم معلقون نتنياهو والمعتذرون عنه في الغرب بتسليح معاداة السامية.

مواصلة التطهير العرقي

وقالت ناتاشا لينارد في موقع «ذي انترسبت» (16/12/2025) أن الهدف وراء مقال ستيفنز هو ضمان بقاء الفلسطينيين في حالة استعباد دائم، ومنح إسرائيل حرية مطلقة لانتهاك حقوقهم، بما في ذلك ارتكاب إبادة جماعية كتلك التي تحدث في غزة اليوم.
وكل هذا، كما تقول، يفعل باسم مكافحة معاداة السامية، من خلال الخلط بين أسوأ أنواع التعصب العنيف ضد اليهود، كما رأينا في شاطئ بونداي، وأي انتقاد لإسرائيل وأفعالها. وبمجرد القول إن للفلسطينيين حقوقا إنسانية أساسية، في هذا السياق، يعد هجوما مميتا على أمن اليهود.
وعلقت لينارد قائلة: «ثمة مفارقة عميقة هنا، فمثل آلاف اليهود حول العالم، أشعر بانعدام الأمان تحديدا لأن الحكومة الإسرائيلية ترتكب إبادة جماعية باسمنا، رابطة الهوية اليهودية بالوحشية القومية العرقية. إن إلقاء اللوم على جميع اليهود في أفعال إسرائيل هو معاداة للسامية، وبالتالي، فإن ادعاء إسرائيل بأنها تعمل لصالح جميع اليهود هو أيضا معاداة للسامية، بل ويزيد من معاداة السامية». وقالت إن رد نتنياهو على هجوم بونداي لا يأخذ بعين الاعتبار، كما هو واضح، سلامة اليهود، لأن الخوف اليهودي، الموجه نحو العداء للفلسطينيين والمسلمين، يخدم مشروع حكومته للتطهير العرقي بشكل أكبر. ويظهر الرد الإسرائيلي على الهجوم الذي شجب على نطاق واسع أن نتنياهو ومن حوله يحاولون استخدام وتسليح أي عملية في الخارج من أجل حرف النظر عن معاناة أهل غزة والإبادة التي ارتكبت ضد سكان القطاع على مدى عامين. يمكن فهم هذا من محاولات نتنياهو والولايات المتحدة تهديد الجنائية الدولية وقضاتها والاستئناف على المذكرة التي أصدرتها ضده ووزير الدفاع السابق يواف غالانت، وهو ما رفضته المحكمة للمرة الثانية».
وحارب نتنياهو الجنائية الدولية ومدعيها العام كريم خان، بدعم أمريكي وبريطاني. وكشف موقع «ميدل إيست آي» (17/12/2025) في تقرير له أن مستشارا في وزارة الخارجية حث وزير الخارجية في حينه ديفيد كاميرون على دعم خان قبل أيام من تهديده بقطع الدعم البريطاني عن المحكمة. وقال كبير المستشارين القانونيين في وزارة الخارجية إن اجتماع وزير الخارجية مع خان سيظهر «دعمنا القوي للمحكمة الجنائية الدولية ولكريم خان كمدعٍ عام لها». وجاء ذلك قبل أيام فقط من تهديد كاميرون، بحسب التقارير، بسحب التمويل البريطاني للمحكمة الجنائية الدولية. وذكر موقع «دي كلاسيفايلد يو كيه» (16/12/2025) يوم الثلاثاء أن رسائل بريد إلكتروني، خضعت لتنقيح مكثف، تم الحصول عليها عبر طلب بموجب قانون حرية المعلومات، تظهر أن مكتب المدعي العام كان «حريصا على تأكيد» عقد اجتماع مع كاميرون في الأسبوع السابق. لكن بعد ذلك، أفاد موقع «ديكلاسيفايد يو كي» أن مسؤولين في وزارة الخارجية ناقشوا ما إذا كان ينبغي على كاميرون حضور الاجتماع. لكن سالي لانغريش، كبيرة المستشارين القانونيين في وزارة الخارجية، قالت إنه «ليس من غير المألوف، ولا من غير اللائق، أن يجتمع المدعي العام مع وزير الخارجية لمناقشة قضايا المحكمة الجنائية الدولية العامة… وقد طلب المدعي العام هذا الاجتماع تحديدا مع وزير الخارجية. وأبلغ كاميرون خان أن التقدم بطلب للحصول على مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت سيكون مثل إسقاط قنبلة هيدروجينية». وزعم كاميرون، أن مذكرات التوقيف ستكون لها «تداعيات خطيرة» في بريطانيا وداخل حزبه المحافظ. ثم قال إنه في حال أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين، فإن بريطانيا «ستقطع التمويل عن المحكمة وتنسحب من نظام روما الأساسي».

حرب في لبنان

في الوقت نفسه لا يبدو في الأفق أن هناك توقفا في الحرب بغزة أو حتى الضفة الغربية ولا لبنان وسوريا، وقالت صحيفة «واشنطن بوست» (15/12/2025) إن لبنان يستعد لتصعيد عسكري إسرائيلي آخر قد يهدد تعافيه الهش ويعيد البلاد إلى أتون الحرب، بعد مرور ثلاثة عشر شهرا على اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن ينهي الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله. وقال مسؤولون لبنانيون في الأيام الأخيرة إن رسائل من وسطاء، من بينهم الولايات المتحدة، حذرت من احتمال شن عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق في البلاد، على الرغم من أن توقيتها غير واضح. وأبرز هذا التهديد أوجه القصور في اتفاق الهدنة، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وفرنسا، والذي روج له على أنه اختراق من شأنه أن يعيد الهدوء. وعلى صعيد غزة لا تزال تغرق في الوحل والمياه والأنقاض، رغم الحديث المستمر عن المرحلة الثانية وأنها قريبة وسط تسريبات أن ترامب وبخ نتنياهو بسبب قتله أحد قيادات حماس في مدينة غزة، حسبما أوردت «وول ستريت جورنال» (16/12/2025) وأن ترامب اشتكى من نتنياهو ومحاولات تعطيل «صفقته» لوقف الحرب وإعادة بناء القطاع المدمر. وعلى العموم، سنعرف ماذا سيقول لنتنياهو عندما سيجتمع به قبل نهاية العام، هل سيأخذ على يده أم سيوافق على خططه لضرب لبنان، إلى جانب استمراره احتلال سوريا؟ مع أن التسريبات من واشنطن تقول إن ترامب ماض في خطط المرحلة الثانية وأن القوة الدولية ستشكل وبدول اعترضت عليها إسرائيل مثل تركيا.
ومنذ توقيع الهدنة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، شنت إسرائيل غارات جوية شبه يومية على لبنان، ودمرت منازل وبنى تحتية أخرى خلال غارات متكررة، واستمرت في احتلال خمس مناطق استراتيجية في جنوب البلاد، وهي أعمال وصفها مسؤولون لبنانيون وأمميون بأنها انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار. وأدى هذا الوضع إلى حالة من عدم الاستقرار في لبنان قبيل الموعد النهائي المحدد بنهاية العام، والذي كان في آب/أغسطس الماضي، حين طلبت الحكومة اللبنانية من الجيش وضع خطة لوضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة الحصرية.
وقبل أقل من ثلاثة أسابيع على الموعد النهائي، صرّح الجيش في بيان نُشر في صحيفة «واشنطن بوست» بأن المرحلة الأولى من الخطة، التي تركز على «السيطرة على الأسلحة» جنوب نهر الليطاني – وهي منطقة تقع شمال الحدود الإسرائيلية مباشرة وتُعدّ بندا بارزا في اتفاق الهدنة – قد شارفت على الانتهاء.
وأضاف البيان، في إشارة إلى حزب الله، أن إسرائيل «لم تُقدّم أي دليل ملموس يُثبت استئناف النشاط العسكري جنوب نهر الليطاني، ولا أي إعادة بناء منهجية للقدرات القتالية». وأضاف بول سالم، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن والمقيم في بيروت، أن وابل الغارات الجوية وشبح التصعيد تركا الحكومة اللبنانية في حالة من عدم اليقين «في أي يوم من الأيام، بشأن ما سيقرره الجيش الإسرائيلي أو رئيس الوزراء نتنياهو». وتابع قائلا: «هذا الغموض الهائل يخيم على كل شيء». وقال علي حمدان، مستشار رئيس البرلمان اللبناني وحليف حزب الله نبيه بري، في مقابلة صحافية، إنه بينما أوضح الجيش اللبناني أنه يتبنى نهجا تدريجيا لنزع السلاح، فإن «إسرائيل تريد أن يتم ذلك في غضون 24 ساعة». ووافق حزب الله، الذي تكبد خسائر فادحة خلال الصراع مع إسرائيل الذي بدأ عام 2023 – بما في ذلك اغتيال زعيمه حسن نصر الله وعدد من كبار قادته – على نزع سلاحه في جنوب لبنان وتسليم السيطرة هناك للجيش اللبناني. لكن الحزب رفض دعوات لتسليم أسلحته على نطاق أوسع، قائلا إن البلاد لا تزال في حالة حرب، وإن على إسرائيل أولا الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار. كما أدان مسؤولون لبنانيون انتهاكات الهدنة، محذرين من أنها تعيق قدرة الحكومة على بسط سيطرتها.
وكتب رئيس الوزراء نواف سلام في صحيفة «فايننشال تايمز» (10/12/2025) : «هذه الأعمال تديم حالة عدم الاستقرار، وتؤجج الصراع المتجدد، وتقوض جهود الحكومة لاستعادة سلطة الدولة». وأضاف: «يجب على المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لوقف الأعمال العدائية والانسحاب الكامل من لبنان، فضلا عن تعزيز الدعم للقوات المسلحة اللبنانية، المؤسسة الأقدر على ضمان استقرار دائم».
وقالت «واشنطن بوست» إن العودة إلى حرب شاملة ستكون كارثية على لبنان، الذي لم يعاود بعد بناء نفسه بعد الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله والتي بدأت بعد 7 أكتوبر 2023. ويفاقم احتمال التصعيد الضغط على حكومة تكافح أصلا لإخراج لبنان من سلسلة أزمات مستمرة منذ سنوات، تشمل الحرب، والخراب المالي، والجمود السياسي.
ومع وجود عشرات الآلاف من النازحين من الجنوب من قراهم التي دمّرت خلال النزاع، لم تتمكن الحكومة من جذب الاستثمارات أو المساعدات اللازمة لإعادة الإعمار. ولم تُتح لها الفرصة للقيام بذلك، مع استمرار الهجمات الإسرائيلية على المنطقة. وقال مسؤولون ومحللون إسرائيليون إن حكومة نتنياهو، وإن كانت تنظر إلى نهاية العام كموعد محتمل للعمل العسكري، إلا أن المهلة قابلة للتمديد. وأعرب البيت الأبيض عن قلقه إزاء اندلاع حرب كبرى أخرى في الشرق الأوسط في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي يُصوّر نفسه كوسيط سلام، وفقا لمسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية