خلّف تخليد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 5 مايو/أيار الجاري، الذي يصادف مرور 200 سنة على وفاة نابليون بونابرت الجنرال وحاكم فرنسا، جدلا سياسيا وثقافيا في فرنسا، وكذلك على المستوى الدولي، حيث حضرت الإشكالية التي تطرح نفسها بقوة وهي، كيف يتم التعامل مع الزعماء التاريخيين، هل من باب الافتخار لما قاموا به لصالح الأمة، أم من باب الرفض والتجريم لما ألحقوه بشعوب وحضارات أخرى.
ولخصت جريدة «لوموند» في افتتاحيتها يوم 6 مايو الجاري، الانقسام الحاصل في فرنسا حول شخصية نابليون، وكتبت في هذا الصدد «كان محبوبا من قبل اليمين البونابارتي، بسبب قبضته والسلطة التي جسدها قبل سقوطه، وهو مكروه من قبل جزء كبير من اليسار بسبب الانقلابات التي قام بها، وإمبرياليته ولأنه زرع الموت في أوروبا».
ويمتد تأثير نابليون في فرنسا إلى الوقت الراهن، فعدد من ضباط الجيش المتقاعدين، أو الذين ما زالوا في الخدمة يرفعونه إلى مستوى الآلهة، لأنه وحد فرنسا ومنحها شخصية سياسية وعسكرية وسط الأمم وقتها، ويؤكدون على أن رؤية نابليون هي التي تحتاجها فرنسا الآن. واختيار الضباط أجواء الذكرى 200 لوفاة نابليون، لإصدار بيان عسكري يحذّر من المخاطر التي تهدد البلاد بالتفتت، ومنها ما اعتبروه «الخطر الإسلامي» يبرز التأثير الذي يمارسه نابليون في شريحة مهمة من الفرنسيين، ومنها المؤسسة العسكرية. ويعد ماكرون من المعجبين بنابليون، ولهذا يعد من الرؤساء القلائل في تاريخ فرنسا، الذين يخلدون وفاته، في حين تجنب آخرون هذه الذكرى بمن فيهم الجنرال شارل ديغول. ويمتد الانقسام الفرنسي إلى باقي العالم، وإن غلبت الرؤية السلبية في تقييم عمل هذا الجنرال، الذي أعاد ترتيب خريطة أوروبا، وتستمر تأثيرات حروبه قائمة إلى وقتنا الراهن. ولا يقتصر الاختلاف في تقييم الشخصيات على نابليون، بل يشمل شخصيات تاريخية أخرى، وهذا يدخل ضمن إعادة كتابة التاريخ، وفق رؤى جديدة قد تكون موضوعية، تخضع للتأريخ العلمي، أو ذاتية مرتبطة بما هو شخصي أو وطني. والتقييم يجر إلى عملية أشمل وهي تفكيك المركزية الغربية، وأساسا الأوروبية في كتابة تاريخ العالم.
تاريخ العالم المهيمن كتبه الأوروبيون، وشعوب العالم ترى معظم تاريخها عبر العين الأوروبية، وهذا نتاج عاملين، الأول وهو الريادة العملية التي حققها الأوروبيون بفضل النهضة الأوروبية، ابتداء من القرن 15، ثم التوسع الاستعماري الذي حاول فرض الحضارة الغربية على الباقي، وكانت النتيجة، الثقافة الغربية هي المركز، بينما باقي ثقافات العالم في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية هي الهامش، المطالب بالتطور لكي يلتحق بالمركز. ويوجد تمرد على ثقافة المركز، وهي ظاهرة تتنامى، وذلك من خلال كتابات رزينة وتدخل في إطار ردود الفعل، لإجبار الآخر – الغرب- على تصحيح رؤيته، ولعل العلامة الثقافية البارزة بشأن العالم العربي – الإسلامي هنا هو كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد سنة 1978، في نقده للدراسات الاستشراقية، وقبله بحوالي 90 سنة ما طرحه الشاعر الكوبي الكبير خوسي مارتي في «أمريكا التي نريدها» وهي محاولة البحث عن بلورة شخصية لأمريكا اللاتينية، في مواجهة القوى الكبرى تبدأ بما هو ثقافي. ولعل الفارق في الوعي بضرورة إصلاح رؤية الآخر بين أمريكا اللاتينية والعالم العربين هو تحرر الأولى بداية القرن التاسع، باستثناء بعض الدول مثل كوبا حتى نهاية القرن نفسه، بينما تحررت الدول العربية ما بين الأربعينيات والستينيات. ولهذا، أسست أمريكا اللاتينية مدرسة ثقافية تحررت نسبيا من تبعات المركزية الأوروبية، في حين ما زال العالم العربي ضمن ردود الفعل المحتشمة والتجارب الفردية لتأسيس مدرسة حقيقية ليس في مواجهة «ما بعد الكولونيالية» بل ما هو أوسع، أي التحرر من المركزية الأوروبية في الثقافة، وما الأولى سوى جزء من الثانية التي هي أشمل.
تخليد ذكرى نابليون تعيد النقاش التاريخي حول مكانة شخصيات سياسية، وكلما كانت المسافة أبعد تكون الرؤية أكثر موضوعية
ومقابل الاختلاف حول نابليون بونابرت في فرنسا، لا يوجد اختلاف حول شخصية شارل ديغول، الذي يحظى باحترام اليسار واليمين، وجميع أطياف الألوان الثقافية والسياسية في فرنسا، بل حتى أوروبا. لكن ديغول بطل التحرير في فرنسا هو على ضوء معايير أخرى بالنسبة للقارة الافريقية ومنها، دول الشمال مثل المغرب والجزائر يعد مجرما نظرا لتورطه في جرائم ضد الحركة الوطنية التي طالبت بالتحرير. ويمكن رؤية شخصية عالمية أخرى بالمنظار نفسه، وهو البريطاني ونستون تشرشل، الذي وقف في وجه النازية، ولعب دورا مركزيا في تحرير أوروبا من قبضة هتلر، لكن هل يمكن نسيان الجرائم الخطيرة التي أشرفت عليها هذه الشخصية التاريخية في مواجهة حركات التحرير في الهند، والمواجهات التي وقعت في شرق افريقيا.
تخليد ذكرى نابليون تعيد النقاش التاريخي حول المكانة التي تحتلها شخصيات تاريخية، إذ كلما كانت المسافة التاريخية أبعد تكون الرؤية أكثر موضوعية، وكلما ابتعدت الشعوب التي يطلق عليها «المحيط» أو «الهامش» من تأثير المركزية الأوروبية، كانت منصفة في رؤية تاريخ أوطانها. في غضون ذلك، لا يمكن تخليص التاريخ من الرؤية الثنائية، وهو ما نعيشه الآن مع ذكرى 200 سنة على وفاة نابليون، أي نابليون البطل بالنسبة للبعض ونابليون المجرم بالنسبة للبعض الآخر.
*كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»