مَن وراء القناع؟

حجم الخط
0

بعد أن كتبت الروائية البريطانية إيما بلير 29 رواية رومانسية، كانت من بين الأكثر مبيعا في بريطانيا، ترشحت روايتها «شرائط قرمزية» لجائزة الرواية الرومانسية، فكان لا بد من حضورها في الحفل، ليتبين أنّ «إيما لم تكن من النوع الهادئ المنطوي، بل كانت رجلاً من غلاسكو يبلغ طوله 6 أقدام و3 بوصات يُدعى إيان بلير، ويستمتع بشرب البيرة والتدخين»، كما علّقت زوجته كاشفة سرّا بقي مستترا أحد عشر عاما، وكان الدافع وراء هذا الاختباء خلف اسم نسائي حسب بلير -الرجل لا المرأة – أن الروايات الرومانسية «تحقق مبيعات أفضل إذا نُشرت باسم امرأة». ولم يكن الأمر كذلك دائما، بل العكس هو الأقرب إلى الواقع. فالأسماء الأدبية المستعارة ظاهرة قديمة لجأت إليها الكاتبات أكثر من الكتاب (مع الأخذ بعين الاعتبار النسبة العددية المختلة بينهما لصالح الرجال)، حرصا منهن على إخفاء هويّتهن الجندرية أساسا، مع أسباب أخرى تدفعنا إلى التساؤل لماذا يكتبن «مِن» وراء القناع، ويُثِرْن فضولنا لنتساءل «مَن» وراء القناع؟

وقد نتفاجأ إذا اكتشفنا أن كثيرا من النجوم الذين تملأ أسماؤهم سماء الأدب، لا يكتبون بأسمائهم الأصلية بل بأسماء مستعارة ولكلٍّ سببه، فهناك بلير آخر هو إريك آرثر بلير أخفى اسمه الحقيقي وكتب لنا روايتين شهيرتين «مزرعة الحيوان» و»1984» باسم جورج أورويل، ومارك توين الذي رافقناه في «مغامرات توم سوير» ليس سوى صمويل كليمنس، في حين أن الروائي الفرنسي ستاندال صاحب رائعة «الأحمر والأسود» استخدم ما لا يقل عن 170 اسما مستعارا، ومنها اسم ستاندال نفسه وهو في أصله اسم مكان في ألمانيا، ولكنه أخفى بإتقان ماري هنري بايب اسمه الحقيقي.
ونجد مهووسين آخرين بالأسماء المستعارة الأدبية كالشاعر والفيلسوف البرتغالي فرناندو بيسوا، الذي استخدم خمسة وسبعين اسما مختلفا. كما أن عالمنا العربي ليس استثناء، وقد شاعت هذه الظاهرة عند شعرائه أكثر من روائيِّيه، كبدوي الجبل والشاعر القروي والأخطل الصغير، ويكفي أن نذكر أن أشهر شاعر عربي حداثي لا يكاد يذكر أحد أن اسمه علي أحمد سعيد إسبر، بعد أن التصق به اسم أدونيس، منذ كتاباته الشعرية الأولى. أما الروائيون فنذكر أكثرهم شهرة الروائي الجزائري الذي يكتب باللغة الفرنسية محمد مولسهول الذي نشر رواياته باسم زوجته ياسمينة خضرا، وكان مضطرا لهذا التنكر لطبيعة وظيفته كضابط في الجيش الجزائري، وحين انتقل إلى فرنسا بعد تقاعده حافظ على الاسم الذي اشتهر به، رغم إفصاحه عن اسمه الحقيقي. ولاستفحال هذه الظاهرة صنفت معاجم مخصصة لها باللغات الأجنبية وباللغة العربية أيضا، نذكر منها للتمثيل «معجم الأسماء المستعارة وأصحابها» ليوسف أسعد داغر، أو «معجم الألقاب والأسماء المستعارة» لفؤاد صالح السيد، والعنوان الثاني أدق فالاسم المستعار pseudonym هو اسم يستخدمه الشخص بديلا عن اسمه الحقيقي، أما اللقب فقد يُطلق على الشخص ولا يكون راضيا عنه مثل الجاحظ لجحوظ عينيه، أو المتنبي لزعمهم أنه ادعى النبوة، وما يهمنا في موضوعنا هو الأسماء المستعارة الأدبية pen name وخاصة النسوية منها.

قبل أن ينشر محمد حسين هيكل روايته «زينب» في بداية القرن العشرين باسم فلاح مصري، نُشرت رواية بعنوان «غادة الزاهرة» أو «حسن العواقب» باسم «فتاة مصريّة»، ولكاتبتها العذر في هذا الاختفاء، فلم يكن فن الرواية قد ظهر في العالم العربي، وخطوة الريادة دائما محفوفة بمخاطر الاعتراض عليها من الرجعيين في الأدب وسدنة الهيكل، ولكن عندما لاقت «غادة الزاهرة» القبول الحسن، استخدمت الروائية اسمها الحقيقي في الطبعة الثانية، ولم تكن سوى زينب فواز الأديبة اللبنانية التي استوطنت مصر. مع أن نسبة الرواية إلى امرأة يحوي بدوره مخاطر كثيرة تحول دون رواجها، فالنظرة الذكورية لم تتغير من قبلِ جملة الفرزدق الذكورية حينما قيل له إن فلانة تقول الشعر، فأجابهم: «إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها»، إلى ما بعد عباس محمود العقاد، الذي كان يرى «قصور المرأة في الملكة الفنية والملكات الذهنية على تنوعها»، وهي نظرة نجدها حتى عند كبار الأدباء الغربيين فالشاعر الأمريكي الحائز على جائزة نوبل تي أس إليوت كتب في إحدى رسائله إلى عزرا باوند: «لا يوجد سوى نصف دزينة من رجال الأدب، ولا توجد نساء، يستحقون النشر»، وأبشع من ذلك ما كتبه مواطنه الروائي نورمان ميلر «أشك في وجود كاتبة مثيرة حقًا حتى تصبح أول بائعة هوى وتروي حكايتها»، لذلك لم يكن مستغربا أن تقول سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر بعد أن عاينت هذا التحيز الذكوري بأنّ «كل ما كُتب عن المرأة من قِبَل الرجال يجب أن يثير الشبهات لأنهم خصوم وحكام في الوقت ذاته».

ولو عدنا إلى القرنين 18 و19 لوجدنا أمثلة كثيرة عن كاتبات اتخذن أسماء ذكورية للتمكن من إيصال أصواتهن، وهناك مثال صارخ، فالأخوات برونتي الثلاث اللواتي كتبن روايات أصبحت من كلاسيكيات الأدب الإنكليزي مثل رواية «جين آير»، التي كتبتها شارلوت، أو رواية «مرتفعات ويذرينغ» التي كتبتها إيميلي، كن يكتبن بأسماء رجالية مستعارة هي كورير، وإليس، وأكتون بيل ليحظين بفرصة النشر، وقد ذكرت شارلوت سبب هذا اللجوء إلى التخفي وراء قناع الرجل بصراحة فكتبت: «لم نكن نحب أن نعلن أننا نساء، لأننا كنا نحمل انطباعا غامضا بأن الكاتبات معرضات للنظر إليهن بتحامل». فالكاتبات لم يكنّ يُحملن على محمل الجد في تلك الفترة، ولا أعتقد أن الوضع تغير كثيرا الآن فما زال هناك من يغمز إبداع بعض الكاتبات أو الشواعر المتميزات، بأن «وراء كلّ أديبة عظيمة رجل يكتب لها». وقد تولّد من هذا التحامل الذكوري بعض الظواهر الغريبة، فامرأة موهوبة مثل أمانتين أورور لوسيل، تكتب الرواية والمسرح والنقد، أدركت أنها لا تفتك الاعتراف بموهبتها من الغيتو الرجالي المغلق، إلا إذا كانت حاضرة فيه، فاستعارت اسما رجاليا لنشر قصصها، وذهبت أبعد من ذلك حيث لبست أزياء الرجال ودخنت السيجار، وهكذا كتب التاريخ الأدبي عن الروائية/الروائي الفرنسي جورج ساند، وبنظرتها الاستشرافية كتبت «في يوم ما سيفهمني العالم أكثر، إن لم يأت هذا اليوم سأكون قد فتحت الطريق لامرأة أخرى».

وليس الخوف من عدم ارتياح المجتمع الذكوري لإنتاج المرأة الإبداعي، أو الفكري هو السبب الوحيد، فالجانب التجاري التسويقي له كلمته أيضا، فقد طلب ناشر سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة من مؤلفتها أن تستخدم الأحرف الأولى من اسمها J. K. Rowling لإبقاء هويتها مبهمة، فحسب تقدير الناشر أن الأولاد -وهم الجمهور المستهدف من رواياتها – قد لا يهتمون بقراءة رواية خيالية لو علموا أنها من تأليف امرأة. وحين عُرفت في العالم كله وباعت ملايين النسخ بمختلف لغات العالم، دفع الفضول المؤلفة إلى تجربة مغايرة منطلقة من سؤال مضمر حول إمكانية نجاح رواية أخرى لها، من دون الاتكاء على شهرتها ككاتبة هاري بوتر، فنشرت باسم مستعار رجالي «روبرت جالبريث» رواية بعنوان «نداء الكوكو»، وكانت النتيجة صادمة، إذ لم تحقق الرواية نجاحا تجاريا، ولكن ما أن عَرفت الصحافة كاتبتها الحقيقية حتى قفزت مبيعات الرواية من 1500 نسخة إلى 140000 نسخة في فترة قصيرة. وما فعلته رولينغ شبيه بتجربة قامت بها أغاثا كريستي، أكثر الروائيات مبيعا في التاريخ، فحتى لا تنتقص من سمعتها ككاتبة روايات الجريمة، فضلت أن تنشر ستا من رواياتها ذات الطابع الرومانسي باسم «ماري ويستماكوت» وقد خدم الاسمُ الحقيقي الاسمَ المستعار هذه المرة أيضا فلاقت رواياتها الرومانسية بدورها رواجا.

في عالمنا العربي لجأت مبدعات كثيرات إلى أسماء مستعارة، وليس بالضرورة أن تكون رجالية، فقد كتبت مي زيادة تحت اسم إيزيس كوبيا وعائدة، ففُتحت لها أبواب جريدة «الأهرام»، حيث كانت أول امرأة تقتحم هذه القلعة الذكورية، ولكن ما لفت نظري لجوء باحثات جادات إلى اجتراح أسماء مستعارة لهن مثل الكاتبة عائشة عبد الرحمن، التي اتخذت من «بنت الشاطئ» اسما مستعارا لها، تجنبا لرفض العائلة اشتغالها بالصحافة والأدب، أو الناقدة والأكاديمية يمنى العيد هروبا من اسمها ذي الوقع الرجالي حكمت صباغ الخطيب. ومهما تعددت أسباب لجوء الكاتبات إلى الأسماء المستعارة وبعضها ضروري، يبقى النص هو السيد، بغض النظر عن كاتبه، وما نظرية موت المؤلف البارتية، ونظريات التلقي الحديثة سوى تأكيد أن الأبداع الجيد يفرض نفسه، رغم كل الحواجز الجندرية والعنصرية واللغوية، أما الأسماء، مستعارة كانت أم حقيقية، فقد كفانا نزار قباني – نحن الكاتبات- عناء الإجابة: «اِسمي أنا؟ دعنا من الأسماء/ رانية أم زينب/ أم هند أم هيفاء/ أسخف ما نحمله – يا سيّدي- الأسماء»

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية