برلين- “القدس العربي”: في تحول لافت على مستوى الخطاب السياسي الألماني، أعلن المستشار فريدريش ميرتس أن بلاده “تتعرض منذ الآن لهجمات روسية”، رغم عدم وجود مواجهة عسكرية مباشرة على الأرض.
هذا التصريح، الذي أطلقه ميرتس عقب قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي، يعكس تحولًا أعمق في رؤية الحكومة الألمانية لطبيعة التهديدات الأمنية الحالية، ويترافق مع تعديل واضح في لهجة التواصل الرسمي تجاه موسكو.
كاهل: في موسكو، هناك من بات يشكك في أن الناتو سيتدخل إذا تم اختبار التزامه. الردع الجماعي في خطر، ما لم نكن مستعدين للرد
وبحسب مجلة “شبيغل“ الألمانية، قال ميرتس: “ما معنى أن نكون في حالة حرب؟ ألمانيا اليوم تتعرض لهجمات، وإن لم تكن بالدبابات”. وأشار إلى حوادث اعتبرها أدلة على هذا التصعيد، منها تخريب كابلات بحرية في بحر البلطيق، والتجسس على منشآت عسكرية ألمانية باستخدام طائرات مسيّرة، فضلًا عن حملات تضليل إعلامي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هذا التصريح، الذي استند إلى معلومات سرية قدمها جهاز المخابرات الخارجية الألماني (BND)، يعكس تحولًا جذريًا في نظرة برلين إلى التهديدات الروسية.
المستشار أكد أن الفاصل بين الحرب والسلام أصبح “ضبابيًا”، وأضاف: “نحن نتعرض لهجوم من روسيا، وفق هذا المفهوم الجديد للحرب”.
مصادر مطلعة كشفت لـ “شبيغل“أن هذا التحول في الخطاب السياسي جاء في أعقاب اجتماع مغلق عقد في مايو/أيار الماضي، جمع ميرتس وعددًا من وزرائه بكبار المسؤولين في جهاز الاستخبارات الخارجية (BND). خلال الاجتماع، عرضت الاستخبارات ما وصفته بـ”تقديرات محدثة” حول مدى الاستعداد الروسي، مشيرة إلى أن موسكو باتت تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات هجينة أو سيبرانية تمس دول الناتو، دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
القلق الأكبر، كما أشار مسؤولو الناتو والمخابرات الألمانية، يكمن في أن التركيز على عام 2029 قد يُوهم الأوروبيين بأن أمامهم “أربع سنوات من الراحة” قبل مواجهة محتملة. وقد حذر جنرال بارز في الناتو من أن هذا التاريخ قد يُضعف الإحساس بالإلحاح في تعزيز القدرات الدفاعية، خاصة في ظل تسارع وتيرة التسلح الروسي.
من جهته، كان الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني، قد دعا، العام الماضي، إلى جعل ألمانيا “جاهزة للحرب”، وهو المطلب الذي ردده وزير الدفاع بوريس بيستوريوس بقوة.
التقديرات الاستخباراتية المحدثة وصفت ما تقوم به موسكو بـ “هجمات منخفضة الشدة”، تهدف إلى اختبار صلابة الناتو ومتانة تعهده بالدفاع الجماعي. وخير مثال على ذلك ما حدث مؤخرًا في بحر البلطيق، حين حاولت القوات الإستونية تفتيش ناقلة نفط روسية تابعة لـ”أسطول الظل” الذي يستخدمه الكرملين للالتفاف على العقوبات. تدخلت مقاتلة روسية بشكل مفاجئ، ما دفع المروحية الإستونية إلى الانسحاب. وقد سمح ذلك للناقلة بعبور المياه دون تفتيش، وسط صمت لافت من قيادة الناتو.
المفارقة، كما تشير التحليلات، أن هذا النوع من “الاستفزازات المحدودة” قد يُفقد المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على الرد الجماعي، قوتها الردعية، إذا ما مرّت هذه الأحداث دون رد واضح.
في الوقت الذي يشهد فيه الناتو نقاشات موسعة حول حجم الإنفاق والتجهيزات، تُواصل روسيا تعزيز قدراتها العسكرية. ووفق معطيات استخبارية ألمانية، تنتج موسكو سنويًا ما يقارب 1500 دبابة، كما باتت تُصنع أكثر من 2000 طائرة مسيّرة قتالية محليًا كل شهر، بعد أن كانت تعتمد على استيرادها من إيران.
هذا التوسع في التصنيع الدفاعي، وفقًا لتقارير BND، يُظهر أن الكرملين يستعد لمرحلة طويلة من المواجهة مع الغرب، سواء بشكل مباشر، أو عبر أدوات هجينة وغير تقليدية.
تحت تأثير هذه التقديرات الأمنية، بدأ المسؤولون الألمان تعديل خطابهم، وتجنّبوا تكرار الحديث عن أن “الخطر الروسي مؤجل إلى عام 2029”. بدلاً من ذلك، بات التركيز ينصب على التحذير من تهديدات حاضرة وفعلية.
في موازاة ذلك، أعلنت الحكومة الألمانية أنها سترفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وهو رقم يتجاوز السقف الذي تطالب به الناتو. ويأتي هذا القرار استجابة لتوصيات الأجهزة الأمنية، التي شددت على ضرورة تسريع وتيرة الجاهزية العسكرية.
العدوان لم يعد يبدأ بدبابات، بل قد يبدأ بطائرة مسيّرة، أو بكذبة مصممة بالذكاء الاصطناعي
رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية المنتهية ولايته، برونو كاهل، لخص الموقف بالقول: “في موسكو، هناك من بات يشكك في أن الناتو سيتدخل إذا تم اختبار التزامه. الردع الجماعي في خطر، ما لم نكن مستعدين للرد، ولو على استفزاز محدود”.
تتجه السياسة الألمانية حاليًا، ومعها شركاؤها في الناتو، نحو إعادة تعريف مفهوم “الهجوم” و”الرد” في القرن الحادي والعشرين، حيث لا تبدأ الحروب بالضرورة بدبابات، بل قد تبدأ بطائرة مسيّرة، أو بكذبة مصممة بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب خبراء ألمان، فإن القراءة الألمانية الجديدة لم تعد تحصر العدوان في تحركات الجيوش على الأرض، بل باتت تشمل أيضًا الهجمات السيبرانية، التخريب تحت سطح البحر، التضليل الإعلامي، والاستفزازات الجوية والبحرية. كل ذلك، وفق التوصيف الأمني الجديد، يدخل ضمن “المنطقة الرمادية” التي تفصل بين السلم والحرب.
في ظل هذه التطورات، بدأت ألمانيا تشهد تغيرات ملموسة في سلوك مواطنيها وسياساتها. فالبعض بدأ بتخزين المؤن وإعداد حقائب طوارئ، بينما يلجأ آخرون إلى بناء ملاجئ في أقبية منازلهم. في الوقت ذاته، تخصص الحكومة مليارات اليوروهات لتعزيز القدرات الدفاعية، في محاولة لمواجهة التحديات الجديدة.