أثارت الخارجية الروسية على لسان المتحدثة الرسمية باسمها ماريا زاخاروفا، واحدة من قضايا منطقة الشرق الحساسة، التي تطال المصالح الأمنية لدول منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما الدول العربية، والكلام يدور عن جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، فضلا عن قضية القدرات العسكرية النووية الإسرائيلية، والتستر عليها بدعم من الغرب. وطرحت زاخاروفا تساؤلات بصدد إصرار إسرائيل على معارضة جعل المنطقة خالية من أسلحة الإبادة الشاملة، إلى جانب تنصلها المتواصل من التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية ووضع برنامجها النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أسوة بدول المنطقة الأخرى. كما ترفض بتحدٍ، المشاركة في المؤتمر الدولي السنوي لمراجعة تنفيذ معاهدة حظر الانتشار النووي.
واللافت أن إسرائيل نصبت نفسها شرطيا يقرر من يحق له من دول المنطقة امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وسولت لنفسها تدمير المشاريع العربية كافة، في هذا المجال، والآن تضع بوقاحة الشروط غير المقبولة على إحدى دول المنطقة التي تخطط للانخراط في بناء مشروع للطاقة النووية السلمية حصرا، وبهذا تمس استقلالها وسيادتها الوطنية.
وأعادت زخاروفا في إحاطتها الصحافية، إلى الاذهان أن الولايات المتحدة، إلى جانب روسيا وبريطانيا، كانت من بين المشاركين في صياغة قرار إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، ووسائل إيصالها في الشرق الأوسط، الذي اعتُمد في مؤتمر مراجعة وتمديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1995. مشيرة إلى «أن الولايات المتحدة تقوم بالترويج لفرضية وجوب عدم امتلاك إيران، تحديدا، أسلحة نووية، متناسية أن القانون الدولي يحظر أيضا على إسرائيل حيازة هذه الأسلحة». وأضافت: إن الضربات الأخيرة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على منشآت نووية مدنية وسلمية في إيران، «والتي ُنفذت بذرائع مختلقة، تُعيد حتما لجدول الأعمال الدولي مسألة القدرات النووية الإسرائيلية، وتجعل موضوع إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط أكثر إلحاحا. لقد دارت على مدى سنوات طويلة مناقشات صعبة، بشأن هذه القضية حيث لعبت وتلعب دول منطقة الشرق الأوسط فيها الدور الرئيس».
إسرائيل نصبت نفسها شرطيا يقرر من يحق له من دول المنطقة امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وسولت لنفسها تدمير المشاريع العربية كافة، في هذا المجال
ولاحظت أيضا «أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تُصرّ على التنصل من هذه الجهود، وتبرر كل شيء بتهديداتٍ مُفترضةٍ صادرةٍ عن إيران (أو غيرها)، رافضةً بوضوحٍ أيَّ التزاماتٍ تتعلق بعدم الانتشار: فهي لم تُوقّع على معاهدة حظر الانتشار النووي، ولم تُخضع برنامجها النووي بأكمله لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والولايات المتحدة تغض النظر عن هذا السلوك».
والمعروف ان إسرائيل تتخذ موقفا مراوغا، إذ لا تُؤكّد ولا تنفي امتلاكها لأسلحتها النووية. واتبعت سياسة «الغموض النووي» منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، والتي تتضمن تعمد إخفاء ما إذا كانت تمتلك أسلحة نووية، أو عددها. ولا تتحدث الدول الغربية أيضا عن الترسانة الإسرائيلية. وتؤكد مجلة «ذا أتلانتيك»، على وجه الخصوص، وجود اتفاق سياسي حول هذا الموضوع بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ ستينيات القرن الماضي. ووفقا للمؤرخ الأمريكي الإسرائيلي أفنير كوهين، فقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق في اجتماع بين الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، عُقد عام 1969 في البيت الأبيض. ووفقا لكوهين، اتفق زعيما البلدين آنذاك على أن إسرائيل لن تُجري تجارب على أسلحة نووية، أو تُبلّغ عن وجودها، وأن الولايات المتحدة لن تُجبر إسرائيل على التخلي عنها، أو تُجبرها على توقيع معاهدة حظر الانتشار النووي، أو تُوقف عمليات التفتيش السنوية في ديمونا. وتوضح «ذا أتلانتيك» أن هدف واشنطن هو مساعدة حليفتها في الحفاظ على تفوقها العسكري في الشرق الأوسط، مع تجنب التدقيق والاستنكار من القوى النووية الثماني الأخرى. وتلمح المجلة إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية لـ»ردع الأعداء عن شن هجوم كبير، ومن دون السماح للآخرين تطوير ترساناتهم الخاصة».
وتتوخى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الحذر بشأن الإمكانات النووية لإسرائيل. ولأن إسرائيل ليست طرفا في معاهدة حظر الانتشار النووي، فليس لدى الوكالة اتفاقية ضمانات معها، كما هو الحال مع دولتين أخريين غير طرفين، هما الهند وباكستان، بشأن منشآت محددة (تتحقق الوكالة بموجبها من عدم استخدام «المواد النووية والمنشآت والمواد الأخرى» المحددة في الوثائق لإنتاج أسلحة نووية).
إن الغالبية العظمى من الخبراء في المجتمع الدولي واثقون من امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية، وهناك تقديرات مختلفة للخبراء لكمية البلوتونيوم الصالح للاستخدام في الأسلحة المنتجة في إسرائيل. من بين هذه التقديرات، فإن أكثرها موثوقية هي تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، التي تفيد بأنه اعتبارا من عام 2011، كان بإمكان إسرائيل إنتاج 690-950 كجم من البلوتونيوم الصالح للاستخدام في الأسلحة. علاوة على ذلك، ووفقا لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، لا يزال إنتاج البلوتونيوم الصالح للاستخدام في الأسلحة في إسرائيل مستمرا، ما قد يشير بشكل غير مباشر إلى نية تل أبيب زيادة إمكانات إسرائيل النووية. ويعتقد الخبراء أنه لو تم استخدام جميع مخزونات إسرائيل الحالية من البلوتونيوم الصالح للاستخدام في الأسلحة في عام 2011، لكان من الممكن إنتاج 138-190 سلاحا نوويا. مع الأخذ في الاعتبار مخزون البلوتونيوم الصالح للاستخدام في صنع الأسلحة، قد تكون ترسانة إسرائيل منذ بداية عام 2012 من 100 إلى 140 ذخيرة. وقد أظهر تحليل أجراه معهد روساتوم للأبحاث النووية، أن إسرائيل تمتلك ثالوثا نوويا. ومن بين الطائرات العاملة في سلاح الجو الإسرائيلي، يمكن استخدام الطائرات التالية كحاملات للقنابل الذرية: المقاتلات التكتيكية F-4 وF-15 وF-16 الأمريكية الصنع، المزودة بصواريخ كروز نووية من طراز «بوبي» من فئة «جو-أرض» بمدى يزيد عن 1000 كيلومتر. كما توجد صواريخ باليستية متنقلة تعمل بالوقود الصلب من طرازي «جيريكو 1» و»جيريكو 2»، بمدى إطلاق يصل إلى 500 كيلومتر، ويبلغ وزن رأسها الحربي حوالي 1000 كيلوغرام. كما يجري العمل على البحث والتطوير لإنشاء صاروخ ثلاثي المراحل يعمل بالوقود الصلب، وهو صاروخ أريحا، بمدى يزيد عن 4000 كيلومتر ووزن رأس حربي يتراوح بين 1000 و1300 كغم، وكان من المتوقع أن يدخل الخدمة في الفترة 2015-2016. وتمتلك البحرية الإسرائيلية ثلاث غواصات تعمل بالديزل والكهرباء من فئة دولفين مزودة بصواريخ كروز بمدى يصل إلى 1500 كيلومتر. الاستراتيجية النووية لإسرائيل، هي عدم تأكيد وجود أسلحة نووية رسميا، ولم يتم الإعلان عن العقيدة النووية مطلقا.
كاتب عراقي