نواكشوط – «القدس العربي»:
في زاوية منسية من العالم الإسلامي، حيث يلتقي المحيط بالرمال، ويتمازج الشعر الحساني بالحكمة الصوفية، يبدو أن الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979 وصلت بصداها إلى البيوت والأسواق وحتى سجلات المواليد في موريتانيا، رغم آلاف الكيلومترات، واختلاف المذهب، وتضاريس الهوية.
في واحد من أغرب التحولات المزاجية في بلاد المنارة والرباط، بدأ بعض الموريتانيين السُّنّة يُبدون ميلاً غير مسبوق لـ”حب آل العمامة”، لا عن طريق اجتهاد في كتب الأصول، بل إعجابًا صادقًا – وربما مفرطًا – بصواريخ “سجيل” و”هرمز” التي تطلقها إيران على إسرائيل.
بعضهم بات يُقسم بـ”رعد” و”ذو الفقار”، ويُشارك خرائط الضربات بدلاً من الأدعية، ويختم منشوراته بـ”اللهم سلّم خامنئي كما سلّمت إبراهيم من النار!”، هكذا تتحول القلوب لا بالموعظة، بل بـ”المدى المجنّح”.
ويستحضر الدكتور الشيخ معاذ، الباحث الاجتماعي الموريتاني، هذا الفصل الطريف من الذاكرة الموريتانية الجماعية قائلاً: “كان اسم الخميني متداولاً على الألسنة بشكل مذهل، قبل أن تعصف رياح الحرب العراقية الإيرانية بالمشهد العربي”.
ويتابع: “أتذكر أن الناس سمّوا أبناءهم باسمه، وحتى التجار أطلقوه على البضائع: من (نعل الخميني) إلى (قماش الخميني)، وكان ذلك تعبيراً بسيطًا لكنه صادق عن التعاطف الشعبي مع ثورة رفعت شعار العدل الإسلامي، في وجه نظام ملكي اعتُبر حينها حارسًا لمصالح الغرب والصهيونية في المنطقة”.
لكن الطرافة لا تقف هنا؛ ففي إحدى مفارقات الثمانينيات، كان على رفوف المحالّ الموريتانية منتج آخر هو القماش الفاخر الذي يحمل اسمًا أكثر إثارة للدهشة: “النجم الإسرائيلي”! نعم، تمامًا كما يبدو.
إنه منتج تجاري يحمل رمزية تتعارض تمامًا مع المزاج السياسي والديني السائد لاحقًا، لكنه في تلك اللحظة لم يُثر حفيظة أحد.
“ربما، يقول الدكتور معاذ، لأن الناس لم يكونوا قد ربطوا بعد بين نجمة داود ودلالاتها السياسية، بل رأوا فيها مجرد زخرفة بريئة”، يقول معاذ متسائلًا: “لماذا لم تكن تلك التسمية مثار استنكار في حينها؟”.
مع مرور الزمن، تلاشت “ماركة” النجم الإسرائيلي من الأسواق والذاكرة، لكنها تركت وراءها سؤالاً عالقًا حول طبيعة التلقي الشعبي للرموز، ومدى تطور الوعي الجمعي.
ظل اسم الخميني حاضرًا في بعض الأوساط حتى اليوم، لا في السياسة فقط، بل في النعوت اليومية، وربما – بطريقة أو بأخرى – في نظرة قطاع من الناس لما يجري حاليًا
فبينما ظل اسم الخميني حاضرًا في بعض الأوساط حتى اليوم، لا في السياسة فقط، بل في النعوت اليومية، وربما – بطريقة أو بأخرى – في نظرة قطاع من الناس لما يجري حاليًا من تصعيد إيراني في مواجهة إسرائيل.
واليوم، ومع ظهور اسم خامنئي مقرونًا بصواريخ تطير فوق الجغرافيا المحتلة، يعود في موريتانيا ذلك الحنين إلى “الخميني الأول”، لا كمذهب أو دولة، بل كرمز شعبوي للمقاومة، ولو في الخيال.
فالتفاعل الشعبي مع قصف إسرائيل، خصوصًا بعد قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، يعكس استمرار حالة وجدانية شعبية ترى في كل صاروخ يسقط على “تل أبيب” نُصرة للحق، بغضّ النظر عن الجهة التي أطلقته.
بعيدًا عن التحليلات السياسية، فإن موريتانيا – هذه الدولة الهادئة في أقصى الساحل الإفريقي، تملك حساسية عالية تجاه قضايا فلسطين، وغالبًا ما تُترجم عاطفتها في أشكال غير متوقعة، قد تبدأ من تسمية منتج شعبي، وقد لا تنتهي عند مظاهرة غاضبة يقودها طلاب وطلبة في نواكشوط.
وعلى ذكر المنتجات، يختم الباحث معاذ تدوينته بابتسامة لا تخلو من الغمز قائلا: “تسميات البضائع والأماكن في موريتانيا تحتاج إلى دراسة عميقة.. ففيها من الحكمة ما يكفي، ومن الطرافة ما يُضحكك ويبكيك معًا”.