منسق الشؤون الإنسانية: الميزانيات تصرف على الحروب بدل المساعدات الإنسانية وهناك تحالف بين التكنولوجيا والقتل

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

“القدس العربي”: حذّر وكيل الأمين العام، منسق الشؤون الإنسانية وإغاثة الطوارئ بالأمم المتحدة، توم فليتشر، من أن العالم يمرّ بما وصفه بـ“لحظة خطر جسيم”، في ظل تسارع الأزمات الإنسانية وتزايد الترابط بينها، خصوصاً في الشرق الأوسط. ودعا إلى خفض التصعيد فوراً ووقف الأعمال القتالية والدخول في حوار سياسي يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة.

وقال فليتشر خلال إحاطة صحافية قصيرة في مقر الأمم المتحدة إن الصراعات الحالية تتطور بسرعة وقد تخرج عواقبها عن السيطرة، مشيراً إلى أن الأزمات الإنسانية المختلفة أصبحت مترابطة بشكل متزايد. وأضاف أن الموارد العالمية تتجه بشكل متنامٍ نحو تمويل الحروب، بينما تتقلص الميزانيات المخصصة للمساعدات الإنسانية.

وأوضح أن تقارير تشير إلى إنفاق ما يقارب مليار دولار يومياً على العمليات العسكرية، في الوقت الذي يعلن فيه سياسيون عن خفض التمويل المخصص للفئات الأكثر احتياجاً. وقال إن العالم يشهد أيضاً “تحالفاً متزايد الخطورة بين التكنولوجيا والقتل دون مساءلة”، مع تزايد الهجمات على الأنظمة والقوانين الدولية التي تهدف إلى الحد من آثار الحروب.

يشهد العالم تحالفاً متزايد الخطورة بين التكنولوجيا والقتل دون مساءلة، مع تزايد الهجمات على الأنظمة والقوانين الدولية التي تهدف إلى الحد من آثار الحروب

وأشار فليتشر إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة كان قد شدد على ضرورة خفض التصعيد، مؤكداً أن ما هو مطلوب حالياً هو وقف فوري للأعمال القتالية، وحوار حقيقي، ومفاوضات سياسية. وقال إن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر لهذه الصراعات.

ارتفاع أعداد الضحايا والنزوح

ووفقاً لمسؤول الإغاثة الأممي، تتعرض منازل ومستشفيات ومدارس في عدة مناطق من الشرق الأوسط للقصف، بينما تشير تقارير وكالات الأمم المتحدة إلى نزوح مئات الآلاف من الأشخاص.

وأضاف أن أكثر من 190 طفلاً قُتلوا منذ بداية التصعيد الأخير، بينهم 119 طفلاً في إيران، و7 في لبنان، و3 في إسرائيل، و11 في الضفة الغربية. وشدد على أن حماية المدنيين يجب أن تبقى أولوية أساسية بموجب القانون الدولي.

وقال إن المجتمع الإنساني التابع للأمم المتحدة يعمل حالياً على توسيع عملياته في عدة دول في المنطقة، مع التركيز على تقديم المساعدات الأساسية مثل الغذاء والدواء والمأوى.

قُتل أكثر من 190 طفلاً منذ بداية التصعيد الأخير، بينهم 119 في إيران، و7 في لبنان، و3 في إسرائيل، و11 في الضفة الغربية

وفيما يتعلق بإيران، قال فليتشر إنه تواصل مع المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة لبحث الاحتياجات الإنسانية. ووفقاً للسلطات الإنسانية هناك، فقد قُتل أكثر من ألف شخص وتضرر أكثر من 100 موقع مدني.

كما تشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن نحو 100 ألف شخص نزحوا داخلياً خلال الأسبوع الماضي نتيجة التصعيد. وأوضح أن الأمم المتحدة تراقب الوضع عن كثب عبر فرق موجودة على الأرض، لكنها لم تتلق حتى الآن طلباً رسمياً من الحكومة الإيرانية لتقديم مساعدات إنسانية إضافية.

لبنان: مخاوف متزايدة وتزايد النزوح

وفي لبنان، قال فليتشر إن الوضع يثير “قلقاً متزايداً”. فبحسب التقارير الأولية، قُتل أكثر من 100 شخص وأصيب المئات، بينما لجأ نحو 100 ألف شخص إلى مئات مراكز الإيواء.

وأشار إلى أن الوضع الإنساني في لبنان كان هشاً بالفعل قبل التصعيد الأخير، حيث أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن نحو 874 ألف شخص كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وأوضح أن الأمم المتحدة وشركاءها يعملون على توسيع عملياتهم في البلاد، حيث جرى توزيع عشرات الآلاف من الوجبات الساخنة والبطانيات والفرشات ومياه الشرب. كما يجري العمل على تعبئة تمويل إضافي لدعم الاستجابة الإنسانية.

وأضاف أن النزوح يشمل أيضاً حركة عابرة للحدود، حيث عاد بعض اللاجئين السوريين إلى سوريا، كما عبر بعض المواطنين اللبنانيين الحدود في الاتجاه نفسه.

غزة: قيود على المساعدات ونقص في الوقود

أما في قطاع غزة، فقال فليتشر إن إسرائيل أغلقت في البداية جميع المعابر قبل أسبوع، ما أدى إلى توقف العديد من العمليات الإنسانية. وأوضح أن المخزونات الإنسانية لم تعد تُجدّد بالمستوى المطلوب، الأمر الذي أدى إلى نقص متزايد في الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وأشار إلى أنه رغم إعادة فتح معبر كرم أبو سالم، فإن معابر أخرى، بما فيها معبر رفح، ما تزال مغلقة. كما توقفت عمليات الإجلاء الطبي من القطاع.

وقال إن الأمم المتحدة تمكنت هذا الأسبوع من إدخال أقل من مليون لتر من الوقود إلى غزة، وهو رقم يقل كثيراً عن الحد الأدنى المطلوب لتشغيل الخدمات الأساسية، والذي يقدَّر بأكثر من مليوني لتر.

تمكنت الأمم المتحدة هذا الأسبوع من إدخال أقل من مليون لتر من الوقود إلى غزة، وهو رقم يقل كثيراً عن الحد الأدنى المطلوب لتشغيل الخدمات الأساسية

وأضاف أن عدداً من المنظمات غير الحكومية يواجه قيوداً على عمله داخل القطاع، بينما تستمر الضربات الجوية على المناطق السكنية.

أفغانستان: قتال ونزوح متزايد

وفي أفغانستان، قال فليتشر إن القتال على الحدود مع باكستان أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، كثير منهم من النساء والأطفال. كما تضررت بنى تحتية مدنية، بينها مستشفى ومرافق في مراكز استقبال تديرها المنظمة الدولية للهجرة.

وأشار إلى أن النزوح في البلاد كان مرتفعاً بالفعل، لكنه يزداد الآن بسرعة. كما أن إغلاق الطرق وتعليق الرحلات الجوية والقيود الأمنية تجعل من الصعب إيصال المساعدات إلى المحتاجين.

وحذر فليتشر أيضاً من ثلاث نتائج غير مباشرة قد تترتب على استمرار الحرب في الشرق الأوسط:

الأولى تتعلق بالتأثير الاقتصادي العالمي، إذ قال إن الحروب لا تبقى داخل حدود الدول، بل تؤثر في الأسواق وسلاسل التوريد وأسعار الغذاء. وأضاف أن أي اضطراب في الممرات البحرية الرئيسية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونقص في الإمدادات الأساسية.

وقال إن الأمم المتحدة تعمل على تخزين الإمدادات مسبقاً، والبحث عن طرق إمداد بديلة، والاستعداد لتفعيل آليات تمويل طارئة عبر صندوق الاستجابة المركزي لحالات الطوارئ.

الحروب لا تبقى داخل حدود الدول، بل تؤثر في الأسواق وسلاسل التوريد وأسعار الغذاء

أما النتيجة الثانية، فهي احتمال تراجع الاهتمام الدولي بأزمات إنسانية أخرى، مثل الأوضاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان وجنوب السودان وأوكرانيا. وقال إن هذه الأزمات ما تزال مستمرة لكنها تحظى باهتمام أقل مع تصاعد الصراعات الجديدة.

أما النتيجة الثالثة، فهي ما وصفه بتآكل النظام الدولي والقواعد الإنسانية. وقال إن استمرار الصراعات يقوض القوانين الدولية التي تهدف إلى حماية المدنيين ويحوّل الموارد العالمية بشكل متزايد نحو التسلح بدلاً من الجهود الإنسانية.

وفي رده على أسئلة الصحافيين، قال فليتشر إن المجتمع الإنساني يحتاج إلى موارد مالية أكبر لتلبية الاحتياجات المتزايدة. وأوضح أن الأمم المتحدة تسعى هذا العام إلى مساعدة 87 مليون شخص حول العالم بميزانية تقدر بنحو 23 مليار دولار.

وأضاف أن إنفاق جزء صغير من الأموال التي تُخصص للحروب يمكن أن يساهم في إنقاذ ملايين الأرواح.

واختتم فليتشر تصريحاته بالإشادة بالعاملين في المجال الإنساني الذين يواصلون العمل في مناطق النزاع. وقال إن هؤلاء العاملين يتوجهون إلى مناطق الخطر لمساعدة المدنيين، مؤكداً ضرورة حمايتهم وفق القانون الدولي.

وأكد أن المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة ستواصل تقديم المساعدة للمدنيين المتضررين من النزاعات، رغم التحديات المتزايدة التي تواجه عمليات الإغاثة في مناطق متعددة من العالم.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية