في ديوانه «منازل أخرى للدهشة» هناك محاولة لبناء الشعري واستنباته من العادي والبسيط والهامشي، من الأشياء التي تنبت خافية على حواف الموضوعات والتوجهات الكبرى، فالديوان احتفاء بالبسيط والهامشي، ومحاولة لتجذير الهامش وإدخاله في المتن، وهذه المحاولة لا ترتبط فقط بالأشياء البسيطة في الحياة التي يمكن أن تكون غائرة لا ينتبه إليها الكثيرون، ولكن قد تمتد لتشمل الفن الشعري، وآليات الكتابة وأشكالها، حيث يرتبط الأمر بالأنواع الشعرية، وهامشية النثري في مقابل الشعري جهير الصوت والإيقاع.
فعنوان الديوان يوجه نحو مقاربة مغايرة، تحتفي بالخافت الذي لا يمكن الإمساك به أو تكديسه في شكل بسيط، ولكن يمكن مراقبته أو الشعور بدبيبه أو وجوده في رصده وسرده من خلال عناية خاصة بالفلسفي والجوهري الذي يظهر في الوقوف أمامه طويلا من خلال النصوص الشعرية عند الكتابة الشعرية وأشكالها المؤسسة التي تتعانق مع السلطة، فيتولّد لها في إطار ذلك سلطة موازية. ففي هذا الديوان هناك احتفاء بالشاعر وصورته، واختيار لشريحة معينة من الشعراء يتماهى معها، ويعلن انتسابه إليها، فهم الهامشيون المنبوذون بسبب الاختلاف، أو بسبب تقديم رؤية مغايرة للسائد والمستقرّ.
يبدو ذلك واضحا وجليا من النص الأول «أنا خمسة» في اختياره الخاص بشريحة معينة ينتسب إليها، ويشير إلى الحلّاج /الصليب، وإلى حادثة الصلب، وحرقه وإلقاء رماده في نهر دجلة، وكأن حادثة الصلب – في منطق النص الشعري – أصبحت نكالا جاهزا لكل من يأتي بأي بادرة تخالف المؤسس. ومن ثم يجد القارئ قصائد عديدة تؤسس لمقاربة الشاعر/ الظل مقاربة خاصة بحيث تؤسس له هالة شبيهة بهالة الملائكة، ولكنها مشدودة إلى سياقها ومندمجة فيه، على نحو ما يمكن أن نرى في نصيه (تصلي الأرض من أجله)، و(خواطر ليست بريئة).
وفي هذا الديوان هناك سمة شبه أساسية تتمثل في الغنائية اللافتة التي لا تتولّد فقط من التفعيلات الموزونة التي يكسرها عامدا في بعض الأحيان لإثبات النثري في مقابل التفعيلي، وإنما تتولّد في هذا الديوان من احتفائه بالإنساني، فهناك وقوع على مناطق وجزئيات إنسانية تحتوي على مشترك إدراكي، فالغنائية في قصيدة النثر المصرية على نحو خاص يشعر بها المتلقي من خلال الاتكاء على رموز شبه جاهزة، ففي قصيدة (تعير الماء ملمسها) يطالع المتلقي رمز البحر وتأسيساته في الشعريات السابقة، وارتباطه بالعطش والظمأ، وارتباط هذا الرمز بما يشابهه في اللون مثل السماء أو الزرقة، ومن خلاله تتشكل رموز خاصة بالظمأ، وارتباط ذلك بالبحر والسماء.
الشاعر وعلاقات
التشابه والتناظر
ثمة قصائد في الديوان تحتفي بالحديث عن الشعر والشاعر والأنماط الكتابية بشكل مباشر أو بشكل عرضي، فهناك قصائد تؤسس لمنهجية المغايرة والاختلاف عن القديم، وحتمية الانتقاء من هذا التراث، والتخلص من الأشياء البالية التي لا تحمل قدرة على الاستمرار وإعادة الاندماج وفق واقع آني معاصر، لأن الإبقاء عليها يصبح عاملا من عوامل الثبات، ويشكل إعاقة للحركة. وفي هذا الديوان هناك نصّ بالغ الدلالة على هذا المنحى الإبداعي في النظر إلى الشعر خاصة، وإلى التراث بشكل عام.
يمكن للقارئ أن يراقب توجهات عديدة لإسدال المغايرة الكتابية من جانب أول، ومن جانب ثان يمكن أن نلمح نمطا أو أنماطا من الصراع بين الفن الفاني والمتفسخ والمتلاشي وبين الفن الباقي ضد الزمن. ففي نص (الحشاشون) هناك تأسيس للمغايرة والاختلاف، وفي نص (يكرهني) يأتي الصراع واضحا بين البشري والجسدي (الإنسان) والعلوي (الشاعر) للسيطرة على الحركة والتوجه، فالأول مشدود لأنساق قامعة في السلوك، والآخر لا يقيم وزنا أو يعطي قيمة لهذه الأنساق.
يتمثل التوجه الأول فيما يمكن أن يعدّ هجوما مبطّنا ضد تقليدية الكتابة والمقاربة الشعرية، ففي قصيدة (لا تبالغ) هناك إشارات لسمات الشعرية الخاصة بالشاعر، واختلافها عن الشعرية المنضدة المملوءة بالطنين الإيقاعي، من خلال رؤية مقابلة للتقليدية من خلال صفات محددة، يسدلها النص الشعري على الحداثية الخائبة غير القادرة على النفاذ إلى المتن، وابتعادها عن (عروض الطنين)، وفي نص (فراغات كثيرة) يتوجه النص الشعري نحو تعرية المؤسس في مفهوم الشعر وماهيته، ليحيلنا إلى جزئية مهمة ترتبط بصعوبة تفسيره أو الوصول إلى كنهه، ولكن يمكن الشعور بدبيبه أو الإحساس به، لأنه ليس ثابتا، وإنما متحرك، فالشعر يتعاظم على التنميط والثبات في مكان، يقول الشاعر( كل ما أعرف عن الشعر- عندما يعود أبي من العمل-يربت على كتف أمي- تظل تتمتم بحروف مبهمة- وتبتسم).
في مثل هذه القصائد تتولّد محاولة لاصطياد الشعر، محاولة نابعة من الانتساب إلى الهامش، أو إلى الخافت الذي يشعرك بالمغايرة، فالشعر هنا رهين الجزئيات البسيطة التي يحسّ بها بمفرده، وبتكونها الداخلي دون جلبة زاعقة. وفي ظل هذه البساطة يمكن تفسير عناوين قصائده التي تعطي مدلولا للوهلة الأولى لا يقرّبها من مناحيها الفكرية التي يمكن أن تتولّد بعد عملية قراءة النص كاملا، وهي عناوين لا تعبر عن الاحتشاد، وتكتفي أن تقف عند إشارة بسيطة تحيلك إلى دلالة ما بعد تفكير طويل.
يأتي التوجه الثاني في مقاربته للشعر والشاعر متمثلا في وقوفه من خلال بعض النصوص الشعرية عند تصوير الشاعر، ذلك الكائن الذي لا يمكن تجسيده في إطار محسوس، ففي نصه (لا ظل له)، سوف يقف المتلقي طويلا أمام التحديدات التي تغيّب بدلا من أن تكشف وتحدد كيانا جسديا كاملا، وسوف يتساءل القارئ عن الصديق الذي لا يموت، ولا ينتبه الموت له، ولا تلتقط المرآة صورته أو حدود جسده، وليس له ظل يرافقه. من خلال معاينة هذه الصفات يدرك القارئ أنه أمام كيان ليس من لحم ودم، وإنما أمام كيان متخيل، نعرفه لكننا لا نلمسه، نحس بدبيب حضوره وأفعاله المخالفة والمغايرة لنسق التواصل المؤسس والمعروف.
فالقارئ يعاين كيانا خاصا ذا قداسة، لكنه موجّه الخطوات نحو سياقه ومنطلق منه، فليس هناك غناء للغناء، وإنما غناء متجذّر في تراث جماجم التتار، وفي مجمل الأحداث التاريخية التي شكلّت سياقا مرّ بها المنتمون إليه عبر التاريخ. ويتجاوب مع النص السابق نص (خواطر ليست بريئة)، حيث يولّد التلقي حركة نحو الشاعرية أو الشاعر المملوء بالوهج الملائكي، ولكنه وهج الاختلاف الذي ليس لديه ترف التخلص من السياق الحضاري الممتد عبر الأزمنة، بداية من المحن الخاصة بالموريسكيين واليهود، من خلال انشغاله بقراءة كف أميرة أندلسية، عندما يشير إلى المنحى الملائكي الذي يحمل بشارة الاختيار والاختلاف من خلال البجعة التي تطير فوق رأسه (لتسترد فرخيها/ بينما أنت مشغول بقراءة كف أميرة أندلسية/ تجلس على طرف مضيق جبل طارق/ تنتظر بحّارا/ كانت ترسمه على رمل الشاطئ/ وتتركه للمدّ/ وفي النهاية سوف تسمّيك/ باسمه الذي لن يعود/ وتعرف يهوديات أسبانيا الجميلات/ أن الشاعر يطير فوق الماء/ هكذا…).
يؤسس النص الشعري في هذا الديوان فرادته من خلال القدرة على إدراك علاقات التناظر أو التشابه بين أشياء، لا يتمّ الجمع بينها إلا في إطار شعري بعيدا عن المستوى الظاهري النمطي. ففي نص (عناوينهم السرية) يقيم الشاعر تناظرات وعلاقات بين مرتكزات ومنطلقات منفصلة على المستوى الظاهري، ولكن الشاعر وحده يستطيع أن ينفذ إلى هذا التشابه، ويخلقه دلاليا، ويتولّد نتيجة لذلك إطار للمشابهة والجمع بينها بحيث يضعها في نسق واحد. فعلى المستوى الظاهري ليس هناك تشابه بين رئيس التحرير العجوز/ ورقيع القرية/ والناسك، ولكن بناء النص يؤسس لذلك التشابه من خلال الصفات المسدلة على الأول (رئيس التحرير العجوز)، وعلى الأخير( الناسك)، ويبقى الثاني (رقيع القرية) خاليا من الصفات المسدلة.
تذويب الأسطوري بالواقعي
يؤسس النص الشعري في هذا الديوان تفرده من خلال آليات عديدة، منها ارتباطه بالخافت المهمش، ووضعه في الصدارة وفقا لزاوية الرصد التي تبتعد عن الواضح الظاهر للآخرين، ومنها أيضا ما يمكن أن نطلق عليه تذويب المؤسس الأسطوري، وخلخلة دلالته المستمرة من خلال التحوير، وإدخالها في شبكة علاقات وبناءات جديدة، وهذا يشير إلى أن الأساطير في الأساس أحداث عادية تمت أسطرتها، لكنها منطلقة من الواقعي، وتمثل رصدا لقوى موجودة داخلنا، ويكشف الواقع عن ديمومة وجودها وخلقها، من خلال تتمددها مع الإنسان في تشكلات جديدة، ولكنها تظل مشيرة إلى جذورها وانبثاقاتها الأولى.
في الديوان أيضا هناك مساحة من الاشتغال على الأساطير اليونانية القديمة، فالقارئ لن يستطيع الوصول إلى قيمة التشكيل الشعري في نص (منازل أخرى للدهشة) إلا من خلال استحضار أسطورة ليدا والبجعة، حيث تشكّل( زيوس) كبير الألهة في شكل بجعة ليضاجع (ليدا) التي تنجب من جماعه توأما إلهيا (بولوكس) والجميلة (هيلين)، وتنجب في الوقت ذاته توأما بشريا (كاستور) و(كلايتيمنيسترا) من زوجها (تنديروس) في اتصال بشري، ولهذا يعدّ بولوكس وفقا للإله زيوس خالدا مثله، وقد اشترط بولوكس على أبيه زيوس تقاسم الخلود مع أخيه كاستور (ابن تنديروس البشري)، وقد لبى زيوس طلبه، فتقاسم الأخوان عالمي الحياة والموت.
وليست القيمة هنا في استدعاء الأسطورة اليونانية، ولكن القيمة تتمثل في تذويب الأسطورة، وإعادة تفعيلها وتخصيبها داخل أفق معاصر، يستند إلى واقع حياتي معيش في توليد مسوح متعالية متأبية عن التحقق للفاني البسيط والمتحلل. يتجلى ذلك في معاينة الصور البسيطة التي تؤكد حضور النسق الأسطوري، بداية من قوله (في البدء كان باب السماء/ بين نهدي امرأة/ كان العارف بالمعراج/ يمرّ بين قوسين/ ويهمس كمجذوب)، ومرورا بقوله (بينما البجعات تحدف بياضها/ لمن يوقظ الرعشة/ في عصب الغياب)، وانتهاء بالصور والجزئيات التي تحرّف وتحوّر في الأسطورة، وتصبح مشدودة إلى واقع معيش.
وفي ظلّ العناية بالكلمة وارتباطاتها الشعرية وسرديتها الحاضرة، سوف يجد القارئ أن هناك نصوصا تستدعي أسئلة لها ما يبررها، على نحو ما يمكن أن نرى في نص (الحشاشون)، وسوف يلحّ السؤال عنهم، وعن طبيعتهم، فهل هم أصحاب المذهب المعروف؟ أم أن الدلالة تنحو منحى يرتبط بالشعراء؟ وفي الفقرة الثانية تتجلى صفاتهم في إطار متجاوب، من خلال اللطف والروائح التي يخلفونها التي تنتج الخدر اللذيذ، وتستدعي الصفات السابقة نوعا من المشروعية للسؤال من الفتاة (من هؤلاء يا أبي). فانطلاقا من المغايرة في التعامل والرحمة التي يقدمونها لقطة الجارة، يتشكل لهم إطار وثيق الصلة بالشعر والإبداع، فالحشاشون- في ظل أو منطق النص الشعري – يشيرون إلى الشعراء في مرورهم الهش والبسيط، ووجودهم المرتبط بدفق الحياة وحتمية استمرارها.ال
عبد الله راغب أبو حسيبة: «منازل أخرى للدهشة»
دار الأدهم، القاهرة 2021
96 صفحة.