مملكتان عائمتان

لا تكمن قيمة دي سوسير فقط في أنه وضع لبنات أوّل علم موضوعي وغير معياري للغة، ما تزال مبادئه تعتمد عليها إلى اليوم، بل إنّ الناظر في « دروسه» التي ألقاها على تلامذته ونشروها بعد وفاته، يجد فيها روح معلّم فذّ يعتمد التشبيه لتقريب المعاني الجديدة والموغلة في التجريد مثل، الترابط بين الدال والمدلول والعلاقة بين المحمول الفكري والحامل الصوتي. سوف أركز في هذا المقال على صورتين اعتمدهما دي سوسير في سياقين متقاربين هما، صورة الورقة التي لا يمكن فصل الوجه فيها عن القفا وصورة المملكتين العائمتين.
تتألّف العلامة اللغوية من نوع (شجرة، تفاحة، فيل) من طرفين هما الدال، وهو التمثيل الصوتي عند النطق بهذه العلامات، أو الخطي عند كتابتها. والمدلول وهو الصورة الذهنية التي نتمثلها عندما نسمع هذه الكلمات، أو حين نلمح خطها ونفهمه. والدال والمدلول لا ينفصلان فهما مترابطان متلاحمان تلاحُم وجه الورقة وقفاها. من الممكن أن نمزّق الورقة ونقسّمها إلى قطع، ورغم ذلك تظلّ كل قطعة محافظة على وجهها وقفاها معا؛ فالوجه والقفا يمزّقان معا ويقسمان معا. هذا التصوّر يعني أمرين مرتبطين في نظرية دي سوسير حول العلامة أوّلهما، أنّه لا يمكن تصوّر تمثيل صوتي من غير أن يكون مرتبطا بتمثيل دلالي. وثانيهما أنّ الكلام، بقطع النظر عن طوله أو قصره، يتلاحم فيه طرفا الدلالة تلاحما لا انفصال فيه. فمن الوهم أن نعتقد ونحن نكتب عبارة (فيل) أنّنا ننجز عملا خطيا لا تثار فيه الدلالة، كما أنّه من العبث وفي نظام علاميّ آخر غير النظام اللغوي، أن نعتقد أنّ صُورة الفيل هي رسم مفرد مقصًى عن دلالته؛ فيكفي أن ترى الصورة مرسومة حتى يذهب ذهنك إلى المعنى الذي هو مخزّن فيه عن صاحب تلك الصورة. غير أنّ الترابط بين كلمة فيل في العلامة اللغوية، وصورة الفيل في الرسم يختلف بين الاعتباط والتحفيز. فمن المعلوم أنّ الفاء والكسرة الطويلة واللام، التي تمثل دالّ الفيل في اللغة العربية لا يحيل أيّ جزء صوتي فيها أو خطّي على أيّ جزء من المفهوم الذي يعينه: فلا يمكن أن نقول مثلا إنّ الفاء هي خرطوم الفيل والضمّة هي أذنه مثلا، إذ لا توجد علاقة معلّلة بين أيّ جزء من الدال، وأيّ جزء من المدلول، ولا علاقة معلّلة أيضا بين كلّ الدال وكل المدلول هذا هو معنى الاعتباطية.
العلاقة غير محفّزة، ولا معلّلة ولكنّها ضرورية مثلما ذهب إلى ذلك العلاّمة اللساني الفرنسي إيميل بانفينيست، لكنّ رسم الفيل باعتباره دالاّ خطيا يشبه في شكله وهيأته الفيل في الواقع؛ فالعلامة يحيل فيها ممثِّل الرسم على ما يمثله فهما يرتبطان بعلاقة تشابه وذلك هو شأن العلامات التي تسمّى إيقونات كالرسوم والأمثلة في مخططات الهندسة المعمارية والخرائط وغيرها من الأشكال التي ترتبط فيها الدال ارتباط مشابهة مع مدلوله أو ما يمثّله.
أمر آخر يتعلق بمثال الورقة وتقطيعها في حديث دي سوسّير عن ترابط وجه الورقة بقفاها وهو أنّ كلامنا (يسمّى بالعبارة اللسانية تقطيعا) يكون فيه فعل الكلام جامعا بين أمرين متزامنين: الصوت الدال والمعنى المدلول. وهنا تتدخّل استعارة المملكتين العائمتين لبيان فكرة أكثر تجريدا في ارتباط الدال والمدلول ارتباطا متلازما.
للتبسيط نستعمل على غرار دي سوسير واللسانيين الذين شرحوا فكرته من بعده من أمثال رولان بارت عبارتين أبسط من دال ومدلول هما، الأفكار والأصوات قبل فعل التقطيع أي قبل أن ننطق بأيّ كلمة. يكون هذان الكيانان أي الفكرة والصوت مستقلّين وباستعارة دي سوسّير يكوّنا مثل «مملكتين عائمتين». قد يثير هذا المثال الاستغرابَ لأنّه يربط بين كتلة تربة وأرضيّتها المائية. لكن كيف يمكن لقطعة التربة، التي وسمت وسما سياسيا قديما (مملكة) بأن تكون لها حدودها وقوانينها وعسكرها وحارسها الأكبر الذي هو ملكها؟ وراء الملك وملكه تتخفى فكرة الوراثة الضاربة في القدم والمسترسلة إلى وقت الوصف الراهن. اللغة مَلكَة مورّثة كالمملكة تماما، ولكنّ هذا لا يعني كثيرا عند سوسير لأنّ ما يعنيه هو اللسان بما هو مؤسّسة اجتماعية على ملك البشر وقوانينه مشتركة بينهم، والعيش في كنف اللسان هو عيش في مملكة هادئة.
المملكتان العائمتان في نظرية دي سوسير هي هيئة الفكرة الخامّ والصوت قبل أن ينجز، لكنّهما وهما في هذه المرحلة يمثلان حالة لا واقعية لأنّ الفكرة لا يمكن أن تكون مملكة مستقلة طافحة، بل تحتاج صوتا يقطّعها وينطق بها؛ وكذا الأمر بالنسبة إلى الصوت فلا قيمة للأصوات إلاّ في تلبّس الفكرة لها؛ لهذا اشترط دي سوسير أن تكون المملكتان متصلتين مرنتين عديمتي الشكل وافترض أنّ سيفا يمكن أن يقطعهما معا دفعة واحدة وعندها يتدخّل المعنى لأنّ ما سيقطّع من أجزاء المملكتين يحمل في الآن نفسه قطعة صوتية وأخرى فكرية تكونان مترابطتين دالتين على معنى. القطعة الصوتية في التقسيم هي التي تؤلف الدالّ، والقطعة الفكرية في التقسيم هي التي تؤلف المدلول. قبل التقطيع لا توجد إلاّ الفوضى وبعد التقطيع يدخل النظام فالتقسيم هو الذي يعطي قطع المملكتين هويتها المنتظمة.
يدرك النظام من خلال تقابل الأجزاء المقسَّمة الجامعة بين الصوت والفكرة مع الأجزاء الأخرى المقسَّمة؛ هذا التقابل هو الذي يمنح للوحدات اللغوية هويتها ويخرجها من فوضاها وإبهامها. والتقابل هو ما يصنع بالقيمة: ذلك أنّ قيمة أيّ وحدة من وحدات اللغة تكمن في علاقتها مع بقية الوحدات التي تنتمي إلى النظام. فعلى سبيل المثال لا قيمة للمذكَّر في النظام الصرفي العربيّ إلاّ في تقابله مع المؤنّث، ولا قيمة للفاعل في النظام الإعرابي إلاّ في علاقته التقابلية مع المفعول، ولا قيمة لعبارة (قطّ) في المعجم العربي إلا في علاقته التقابلية مع، فأر وفريسة وغيرها من الوحدات المعجمية المتعاملة معها.
لننظر الآن في دور الاستعارتين وقيمتهما في تبسيط الأفكار اللسانية، التي كانت تقْطَع مع الأفكار السائدة في ذلك الوقت. الحقّ أنّ التمثيل الاستعاري في الدرس النحوي قديم، ونحن نجد أمثلة منه في التراث العربي؛ فعند حديث ابن يعيش يمثّل لإعراب المتبوعات (مثل المنعوت والمؤكَّد والمعطوف عليه) وإعراب توابعها (النعت والتوكيد والمعطوف) وكيف أنّ الإعراب في المتبوع هو إعراب أصليّ وأنّ الذي في التوابع إعراب فرعي بصورة السّيد وعبده، وكيف أنّ العبد يمكن أن يُكرم لإكرام سيّده. فاستعارة السيد والعبد هي استعارة مناسبة ثقافيا للإطار الذي تطرح فيه وأنّ فكرة الورقة والمملكة تستجيب بدورها للإطار الثقافي، الذي طرحت فيه أفكار اللسانيّ. لكنّ الأمثلة وإن اعتمدت في السياقين اللغويّين المختلفين قد قامت بالأدوار نفسها، وهي التفسير والتمثيل باعتماد تجربة ملموسة وهي بالأساس واقعية، أو خيالية لتبسيط فكرة مجرّدة تنتمي إلى النظرية اللغوية بقطع النظر عن كونها قديمة أو حديثة نحوية أو لسانية.
لكن ينبغي أن نشير إلى أنّ صورة الورقة في كلام دي سوسّير، وكذلك صورة السيد وعبيده في كلام ابن يعيش، كانتا بسيطتين ويمكن أن يشعر المتابع لهما بضرب من الملاءمة قابل لأن يطابق الفكرة المجرّدة ويبسطها، ولكنّ صورة المملكتين العائمتين كانت على درجة من التعقيد تتطلب لفهمها جهدا إدراكيا كبيرا، للمناسبة بين الفكرة والصورة التي استعيرت لها. ففي الاستعارة المعتمدة جوانب قد تخرج من حيزها الخيالي إلى الرمزي: إذ ما قيمة أن تتحدث عن مملكة طافية؟ وما قيمة الماء في هذا المحيط الترابي؟ ولذلك سوف يلغى دورهما في تفسير النظرية، لأنّنا نحتاج في هذه الاستعارات إلى أن نحذف العناصر الثانوية، أو غير المهمّة لفهم العناصر الأصلية في النظرية، لكلّ ذلك نقول إنّ الاستعارة في النصوص العلمية ومنها اللسانيات والنحو، هي مغامرة يكون فيها النحويّ أو اللساني على إحدى المملكتين العائمتين يريد أن يربط بينهما بجسر قد يصلح بعضه، أو كله، وقد يهترئان من قلة الفهم والاستعمال.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية