مع السعودية ضد إسرائيل

خلال الأسبوع الماضي حاول بعض الإعلام الإسرائيلي والإعلام الغربي الموالي له شنَّ حملة ضغط على المملكة العربية السعودية بذريعة أنها تقود حملة إقليمية ضد السفير الأمريكي في إسرائيل، مايكل هاكابي.
هاكابي من أقطاب المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة. والاحتجاج السعودي عليه أعقب قوله في مقابلة مع المذيع الأمريكي اليميني، تاكر كارلسون، إن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط بموجب معتقدات تلمودية، “ستكون أمرا جيدا”.
أغلب ما كُتب في مهاجمة السعودية ورد في صيغة الجزم، على عكس المألوف في الصحافة الغربية الملتزمة إلى حد الملل بقرينة الحذر، التي تحتّم عليها استعمال عبارات من قبيل “يُعتقد أن”، و”يُزعم أن” وغيرها. موقع “جويش إنسايدر”، مثلا، وضع هذا العنوان الحاسم: “السعودية تقود حملة إقليمية ضد السفير هاكابي بناءً على ملاحظات مجتزأة”. ثم راح يجتزئ الأمر بشكل يُظهر السفير هاكابي منزّها كأنه نبي.
في العمل اليومي للصحافة الغربية، التي أزعم أنني أعرفها، وبالحد الأدنى من الحرص المهني، يكون العنوان هكذا: “السعودية متهمة بقيادة حملة إقليمية ضد هاكابي بناءً على ملاحظات يُزعم أنها مجتزأة”. والفرق بين العنوانين واضح.
في العموم، إذا صحت هذه “التهمة” فالسعودية في المسار الصح، وأتمنى لو أن العالم العربي والإسلامي، رسميا وشعبيا، وفي هذه الواقعة بالذات، يدعم السعودية ويعبر عن تضامنه معها بصراحة وقوة.
يزعم مَن يتهمون السعودية بالإساءة لهاكابي بأنها استغلت مقابلته مع كارلسون وأخرجت كلامه عن سياقه.
لا تحتاج السعودية أو غيرها إلى بتر كلام هاكابي للتأكد من أنه يتمنى لو أن إسرائيل تستولي على العالم كله وليس الشرق الأوسط فقط، ومن أنه مستعد بعد ذلك للدفاع عنها أكثر من دفاعه عن الولايات المتحدة.
المذيع كارلسون ذاته قال صراحة في تقديمه للمقابلة التاريخية (وهي فعلا كذلك بسبب الظروف التي جرت فيها) إن هاكابي يتصرف كموظف في دولة إسرائيل أكثر منه كسفير للولايات المتحدة في إسرائيل. الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي قال هو الآخر في مقال بصحيفة هاآرتس يوم الأحد إن هاكابي نذر نفسه لخدمة إسرائيل أكثر من خدمة بلاده، وإن حماسه لإسرائيل يوفر لمحة عن أمريكا جديدة قيد التشكّل.
لكن كل هذا نقاش شكلي على هامش الموضوع. الموضوع الأصلي هو أن الحملة على السعودية، من إسرائيل والداعمين لها في الولايات المتحدة، يتقدمهم السيناتور الجمهوري عاشق الحروب في الشرق الأوسط، ليندسي غراهام، بدأت قبل شهرين ولم تنتظر موقف الرياض من السفير هاكابي.
والسؤال لماذا يستهدف إعلام موال لإسرائيل السعودية بسبب موقف سلبي من سفير أمريكي؟ علما أن عدة دول عربية وإسلامية احتجت على كلام السفير مثلما احتجت السعودية.

 كانت أزمة نهاية 2025 بين السعودية والإمارات لتشكّل ضربة قاضية لحديث التطبيع، لأن التحالفات الإقليمية تغيّرت

فتّش عن التطبيع! هل توحي لك عبارة “صفقة القرن” بشيء؟ الجواب هو أن السعودية نجت، حتى الآن، بسبب السابع من أكتوبر 2023 وتفاصيل أخرى، من أن تكون الجائزة (الفرسية) الكبرى في مسار التطبيع العربي الإسرائيلي.
كانت السعودية موعودة لإسرائيل كعروس موعودة لعريس أرادها أكثر من غيرها وانتظرها دونا عن كل البنات منذ طفولته. يكفي أن نجاح إسرائيل في التطبيع معها كان يُسمى صفقة القرن.
السيناتور غراهم، وبعد كلام ينم عن غطرسة وتكبر باتجاه الرياض وأبوظبي، سافر إلى العاصمتين والتقى قادتهما. وبالتأكيد لم يفعل إلا خوفا من تأثير الأزمة بينهما على مصالح إسرائيل ومسار التطبيع.
هناك انطباع في الأوساط الدبلوماسية الغربية والإسرائيلية بأن التطبيع مع السعودية، وبدعم إماراتي، كان سيحدث أبكر مما يتخيّل المتشائمون.
وقد كان الأمر يبدو كذلك فعلا لولا السابع من أكتوبر 2023 والأزمة السعودية الإماراتية في نهاية 2025.
بعد 7 أكتوبر ارتكبت إسرائيل في غزة والضفة الغربية من جرائم الإبادة ما يستحق عزلها ومعاقبتها دوليا وإقليميا، وليس فقط إرجاء التطبيع معها، فتنفست السعودية من الضغوط التي كانت تمارسها عليها إسرائيل عبر وكيلها الحصري، واشنطن.
ثم كانت أزمة نهاية 2025 بين السعودية والإمارات لتشكّل ضربة قاضية لحديث التطبيع، لأن التحالفات الإقليمية تغيّرت في اتجاه يمنع دولة الإمارات من مواصلة جهود إلحاق السعودية بقطار التطبيع. والأهم أن اللوبيات الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة انحازت في هذه الأزمة للإمارات واستغلت منشورات مغردين ومقالات كتاب وصحافيين سعوديين لتتهم الرياض (هناك من يقول بتشجيع إماراتي) بنشر معاداة السامية وكراهية إسرائيل.
بغض النظر عن صحة هذا الاتهام من عدمها، يجب النظر إلى الخلفية لرؤية المحرك الحقيقي للاتهام: رفض السعودية أن تكون الجائزة الكبرى!
لو تحقق التطبيع السعودي في الظروف الحالية، بعد حروب غزة ولبنان وإيران وسوريا واليمن، كان طعمه سيكون مختلفا عند إسرائيل وعند العرب والمسلمين، كلٌّ من منظوره. وكان سيُصنّف نصرا ربانيا تحتفي به إسرائيل سنويا إلى يوم القيامة.
من الواضح أن نجاة السعودية من فخ التطبيع سيبقى غصة في حلق إسرائيل وقادتها الذين راهنوا بثقة على التحاق السعودية بقطار المطبعين.
ومن الواضح كذلك أن الذين يتولون هذا الملف في تل أبيب وواشنطن لن يهدأ لهم بال حتى يتحقق لهم ما خططوا له. نفسهم طويل ولن يتركوا السعودية في حالها. أما “الربكة” الحالية فهي مجرد عثرة في طريق طويل.

*كاتب صحافي جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية