القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «مبدعون خالدون» يستمر غاليري (ضي) في التأكيد على استحضار هوية وذاكرة الفن التشكيلي المصري، من خلال رواده، سواء المعروف منهم، أو الذي واراه النسيان. وفي نسخته الخامسة تتواتر هذه الرؤية عبْر العديد من الأجيال التي أثرَت وأثّرت بشكل مباشر أو غير مباشر في الأجيال الجديدة من الفنانين، حتى لو بمفهوم المخالفة عند الأجيال الجديدة التي حاولت الابتعاد عن التراث الفني المصري، ففي هذا الابتعاد يوجد نموذج راسخ حاولوا تجاوزه، وإن كانت حالات التجاوز نفسها عبارة عن تجارب قليلة لا تشكّل بدورها طفرة أو تيارا أو حركة فنية.
من ناحية أخرى نلمح الكثير من الثيمات في لوحات فناني المعرض، معظمها جاء في حالة ارتباط بقضايا اجتماعية وسياسية، وكأنها أعمال تقترب من الأدب، تكشف بدورها أفكار وصراعات هذه الفترة أو تلك. ولا يخفى الاحتفاء بالحِس الشعبي والوعي الشعبي القادر على صياغة الحكايات، وهو بشكل أو بآخر حالة من حالات الحفاظ على الهوية، وتأصيل الوجود. كذلك يمكن الكشف بسهولة عن وعي الفنان نفسه، من حيث كونه وعياً ثورياً حقيقياً، أو وعياً مشوهاً دعائياً في المقام الأول.
الاحتفاء بالموروث
على تنوع الأعمال من تصوير ونحت يأتي الاحتفاء بالموروث الشعبي المصري، وقد ابتعد الفنان عن تصوير وتجسيد سيدات الصالونات والطبقة المترفة ـ بعض الأجيال الجديدة من الفنانين والفنانات يعبّرون عن مترفين ومترفات عصرنا السعيد، فمنهم مَن ينتمي لهذه الفئة ويُعبّر عنها، ومنهم مَن يحاول التعلق بها، وهو ما يتطلب دراسة خاصة لأعمال هؤلاء ـ نعود إلى الفنانين الذين حاولوا استحضار شخصيات تعبّر عن البيئات المصرية المختلفة، سواء الجنوب أو الريف، أو مجتمع الصحراء، كما في أعمال كل من إيهاب لطفي، حسن راشد، شعبان فوزي، مصطفى عبد الفتاح، سيد عبد الرسول، ليلى السنديوني، زكريا الزيني، محمد الطحان وعايدة عبد الكريم. ففي كل هذه الأعمال على اختلاف أساليبها، نجد المكان والشخوص بملابسها وأكسسواراتها تكشف عن البيئة التي تحتويهم وتعبّر عنهم، وهم بدورهم يعبّرون عنها، كمشهد من مشاهد حياتهم، فلاحات وجرارهن، حقول المزارعين وحيواناتهم الأليفة. حياة متناغمة يسودها الهدوء والبساطة، رغم اختلاف التكوين والمنظور والخامة، التي يعمل من خلالها الفنان.
أما حالة الاحتفاء بالمكان، الذي يعد بدوره شخصية وحيدة في اللوحة، فتمت معالجته في لوحات كل من مصطفى مشعل وسلمى عبد العزيز فمجموعة البنايات ذات الطراز الخاص، والمترامية على مساحة تبدو شاسعة، كما في لوحات عبد العزيز، تقابلها بيوت وبنايات مشعل المتراصة، التي تتساند وكأنها تحتمي ببعضها بعضا رغم خطوطها المائلة، في تكوين قوي يتوازن والأخضر الذي يحيط أرضه، أو الأزرق التي يُشكّل السماء.
الاحتفاء بالجسد
ويحتل الجسد الأنثوي مساحته من المعرض، كما عند مصطفى مشعل وصبري عبد الغني، فبينما الأول يحاول تحديث الجسد الفرعوني في لوحاته، بالكثير من الخطوط المنحنية، وتصويرهن أقرب للفلاحات، إضافة إلى اللون الأخضر الذي يحيطهن، وكذلك نجد في عمق اللوحة عدة قباب أو ما شابه، تشارك بتكوينها بعض من خطوط الجسد المنحنية، كحالة تأنيث يعرفها تماماً زوّار أضرحة وليّات الله الصالحات. أما صبري عبد الغني فيحتفي بالجسد الأنثوي على غرار الفنان الغربي، وإن كانت نِسب هذه الأجساد تنتمي أكثر إلى المصريات.
التعبيرية وتنويعاتها
وتتجلى الحالة التعبيرية في لوحات محسن شعلان، وإن كانت تمتزج بشيء من السريالية ـ ليست سريالية صريحة ـ فهناك دائماً المزج ما بين التعبيري وما فوق الواقعي. وكذلك لوحات الفنان حسن محمد يوسف، التي تمتثل تماماً للأسلوب التعبيري، إضافة إلى أعمال الفنان حسن سليمان، وطبيعته الصامتة، وكذا تجليات الخط العربي، كما عبّر عنه الفنان خالد بجاتو.
ولعل من أشهر الأعمال المألوفة لوحات الفنان جمال قطب، ربما لشهرته في رسم أغلفة العديد من الروايات، على رأسها روايات نجيب محفوظ، وهو أفضل مَن عبّر عن هذه الأعمال في رسوماته.
