معجزاتٌ لبنانية (2)

حجم الخط
0

في أواخر الأسابيع الستة التي فصلت بين تعيين تاريخٍ لجلسةِ انتخاب رئيسٍ للجمهورية اللبنانية وانعقادها فعلاً، راح يُشاعُ أن حظ قائد الجيش آخذٌ في التضاؤل وقد تضاءل معه حظ سليمان فرنجية، المرشح الراسخ للحلف الشيعي، بعدَ أن فقد هذا المرشح الأخير سنده الأبرز في المحيط بسقوط النظام الأسدي المباغت. فكان أن تشاغلت الكتل النيابية والإعلام بتداول أسماء لا تستفز أبرزُها اسم جهاد أزعور، وزير المال الأسبق، والمدير في صندوق النقد الدولي، وكانت كتل «المعارضة» النيابية قد تبنت ترشيحه من قَبْلُ، ثم بدا أن غلبة خبرته المالية، في المجال الدولي، على هويته السياسية، تقربه من الاستواء موضوعاً للتوافق المنشود. ولم تَبْدُ حائلةً دون هذا الاحتمال مجاهرةُ قائد «القوات اللبنانية» بترشيح نفسه ولا ممالأة رئيس التيار العوني، في ما يَتَعدى الخصومةَ، للترشيح المذكور. فهذا ترشيحٌ، كبا، في النطاق الخارجي، دون استقطاب المساندة الأمريكية السعودية المأمولة، من جانب صاحبه، وكان اسم هذا الأخير لا يزال، في نطاق الداخل، بين أبعد الأسماء عن المناخ التوافقي.

احتمال التوافق النيابي على استبعاد قائد الجيش وتبني أزعور، أو شخصيةٍ أخرى من القماشةِ نفسها هشمته حدة الهجمة «الخماسية» المضادة أيما تهشيم

احتمال التوافق النيابي على استبعاد قائد الجيش وتبني أزعور، أو شخصيةٍ أخرى من القماشةِ نفسها هشمته حدة الهجمة «الخماسية» المضادة أيما تهشيم. ففي اليومين اللذين سبقا الجلسة شاعت أخبارٌ عن «إملاءٍ» أمريكي ثم سعودي وفرنسي تولى موفدو هذه الدول إلى بيروت إبلاغه بالصوت العالي، والعبارة المشربة بالوعيد أحياناً. وكانت العصا الدولية المُشهرة (وهي نفسها الجزرة!) غليظةً حقاً: من الكف عن مسعى لجم العدوانِ الإسرائيلي إلى حجب التمويل اللازم لمعالجة أضرار الحرب إلى الإعراض عن ذاك الضروري لإطلاق جهود التعافي من الأزمة المالية الطاحنة، إلخ. لم يكن للنواب ولا لسائر اللبنانيين (وهم في الحضيض المتعدد الأوصاف الذي سيقوا إليه) قِبَلٌ بمواجهة هذا كله. فكان أن تم انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية: تم بأكثريةٍ فاقت الثلثين كثيراً إذ ضمت، في دورة التصويت الثانية، كتلتي الحلف الشيعي فلم يخرج عنها، من الكتل الكبرى، سوى الكتلة العونية. هذا التضافر أو «التوافق» النيابي المظهر كان، في واقع أمره، تنحيةً صريحةً لمجلسٍ نيابي لم تكن أي من كتله الكبرى (وقد تستثنى الكتلة الجنبلاطية التي بكرت إلى تحسس الوجهة المواتية للريح) ترغبُ في استواء هذا الرجل رئيساً.
على أن هذه التنحية، وهي خارجية الموئل، صادفت هوىً واضحاً في صفوف الكثرة غير المنظمة من اللبنانيين. صادف هوىً مؤكداً أيضاً (أصدَت له شبكاتُ التواصل مثالاً لا حصراً) تكليف نواف سلام تأليف حكومة العهد الأولى. وهو تكليف بدا «معجزةً» أخرى، إذ لبث اسم القاضي الدولي، حتى اليوم الأخير، أضأل الأسماء حظاً في ميزان الترجيحات النيابية. وعلى حين غَرةٍ، تسارعَ استقطابه أصواتَ كثرةٍ من النواب (في مواجهة رئيس الحكومة السابقة الذي انهارت جبهتُه شر انهيارٍ بغتةً أيضاً). استجاب النواب العونيون لهذا الاستقطاب، ولكن بقيت بمعزلٍ منه كتلتا التنظيمين الشيعيين اللتين عبرتا عن حدةِ رفْضِهما هذا الاسمَ بالامتناع عن التسمية.
لم يحضر موفدون أجانب، في حالةِ رئاسةِ الحكومة، ولا شاعت أخبارٌ عن إملاءٍ خارجي، بل شاع خبرٌ عن رفضٍ سعودي لتدخلٍ طلبه الحلف الشيعي. وكان مرجحاً أن واشنطن لا تحفظ كثيراً من الود لرئيس محكمة العدل الدولية ورئيس مجلس الأمن الدولي الأسبق، لما كان له من بصمات مشهودة في خدمة فلسطين: من قبولها دولةً مراقبةً في الأمم المتحدة إلى قبولِها عضواً تام العضوية في منظمة اليونسكو إلى حكم المحكمة بلا شرعية الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين في أراضي الدولة الفلسطينية ومطالبتِها إسرائيل بوضع حد لهما، مع ذلك أمكن استقطاب النواب حول اسم الرجل، وهو ما قد يجد تعليلاً راجحاً له في رغبة رئيس الجمهورية التي بات على النواب أن يفردوا لها مكاناً في حسبانهم. استقطاب النواب هذا، وقد استوى معجزةً لبنانيةً أخرى (سماها بعضُهم انقلاباً!) جاءَ، في واقع الحال تنحيةً أخرى لمجلسٍ نيابي متهالكٍ أتى به نظامٌ سياسي خَرِب.
على أن الحاجة ماسةٌ الآن إلى معجزةٍ ثالثةٍ: تشكيلِ الحكومة الجديدة. فلا «الخماسية» المتربصة، ولا ذيول الحرب والمتقلبون في عواقبها، ولا البلادُ الممعنة بأسْرِها في التهافت عادَ يسعُها التسامح في ما جرت العادة على احتماله في العقدين الأخيرين: استعصاء التأليف مدةَ شهورٍ أو سنتين، مثلاً، يظهر في خلالها المكلفُ وكأنه نسيَ أن يؤلف أو تنفد فيها حيلةُ مكلفٍ فيخلفُه آخَر، إلخ. لا بد إذن من سرعةٍ في التأليف تجانسُ سرعةَ التكليف والآمالَ المعقودة عليه وعلى العهد. لا بد من معجزةٍ ثالثة. ولكن لِمَ يبدُ في قيافة المعجزة، في لبنان اليوم، ما يُعَد، في سائر الدول على اختلاف الأنظمة (ما خلا النادرَ من أحوالها) أمراً داخلاً في صلب دورانها المعتاد؟ قلنا: «في لبنان اليوم» لأن الحال لم تكن على هذا المنوال من الاستعصاء الممض، قبل هذين العقدين الأخيرين. لم يشهد لبنان المعاصر نظيراً لهذا الاستعصاء حتى في عقدٍ ونصفِ العقد استغرقتهما الحرب المعلومة. فما الذي عدا مما كان قد بدا من سيرة النظام اللبناني؟
هذه مسألةٌ نُلِم بها في عجالةٍ لاحقة.
كاتب لبناني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية