في أربعةِ أيام، حصل في لبنان حدثان مثّل كل منهما نوعاً من الصدمة: الإيجابيةِ في شعورِ فريقٍ من اللبنانيين (يرجح أنه الكثرةُ منهم) والسلبيةِ في شعورِ فريقٍ آخرَ منهم (يرجح أنه القلة). الحَدَثان هما انتخابُ قائد الجيش جوزيف عون لرئاسةِ الجمهورية بأكثريةٍ نيابيةٍ مرموقةٍ، وتكليفُ رئيس محكمة العدل الدولية نواف سلام تأليفَ حكومةٍ أولى في العهد الجديد، بعدَ استشاراتٍ نيابيةٍ ملزمة.
بقيَ الانتخابُ الأول متعذر الحصول أياماً وشهرينِ وسنتَين، إلى أن أعلنَ رئيس مجلسِ النواب تعيين جلسةٍ جديدةٍ له قبلَ أسابيعَ ستةٍ من الموعد الذي حدده لها. لم تكن هذه هي الجلسة الأولى: كانت الثالثة عشرة وكان انتظارُها قد طال كثيراً بعد سابقتها الأخيرة: طالَ إلى حد الاتِساعِ لحربٍ ضروسٍ اجتازتها البلاد بلا رئيسٍ وبحكومةٍ مستقيلةٍ، ضامرةِ الصلاحيات. وما ميز هذا الموعد أن رئيس المجلس التزم باسم كتلتي الحلف الشيعي، الذي يتصدره بالامتناع عن نسف النصاب بالانسحاب ورفعِ الجلسة بعد دورة اقتراعٍ أولى لا يحصلُ فيها أي من المتنافسين على ثلثَي أعضاء المجلس، وهي النسبةُ المطلوبةُ للفوز في هذه الدورة، فيما جعل الدستور الأكثريةَ المطلقة (أي نصفَ عدد الأعضاء وعضواً واحداً) وافيةً بالغرض في الدورة الثانية فصاعداً. كان الانسحاب قد حصلَ بانتظامٍ في الجلسات السابقة وعده المنسحبون وسيلتَهم لمنع الانتخاب ما دام لا يُضْمن لهم فوزُ مرشحهم.
احتاج لبنان إلى زلزلة، إذن، بما أورثته من تردداتٍ متنوعةٍ، لتحصيل «معجزة» الإفراج عن انتخاب رئيسٍ لجمهوريته المتهالكة
احتُسبَ هذا الالتزام الشيعي، وقد جاء مصحوباً بتمني التوافق الجامع على مرشحٍ ولكن من غير ضمانٍ، أياً يكن، لحصول هذا التوافق، إفراجاً عن الانتخاب وانفراجاً كان يبدو، إلى حينِهِ، بعيدَ المنال في أفق العودة إلى دولةٍ تامة الأركان الدستورية كان اللبنانيون قد أخذوا يألفون فراقَها أُلْفتَهم لغرائبَ من هذا القبيل تكاد لا تفارقهم، من عهدٍ طالَ، هذه أو تلك منها. على أن هذه الصدمة الأولى لم تكن بنت الغيب: وإنما كانت بنتَ الحرب المدمرة، التي هز عنفها البلاد من أركانها وانتهت إلى مخرجٍ رعت الولايات المتحدة تحصيله بإدارتَيها: الآفلة والبازغة وتجددت مع التوصل إليه مساعي «الخُماسية» (التي تتصدرها الولاياتُ المتحدةُ أيضاً وتضُم إليها فرنسا ومصر والمملكة السعودية ودولة قطَر). تجددت المساعي بهمةٍ، تجددت أيضاً من بَعْدِ سابقِ إخفاقٍ تكررَ في التقريب بين المذاهب المجلسية، إلى الحد الذي يستبعد نسفَ النصاب ويُتيحُ انتخابَ رئيسٍ جديدٍ للجمهورية. حدد رئيس المجلس موعداً لجلسةِ الحسم تلك غداةَ دخول اتفاق وقف القتال حيز التنفيذ، مانحاً مهلةَ أسابيعَ ستةٍ كما ذكرنا، للمداولاتِ التمهيدية، فبَدا جلياً أن قراره هذا إنما فرضهُ الاتفاقُ المشارُ إليه نفسُه وشروط تنفيذه، بل فرضته الحربُ بأسرِها حصائلَ وعواقب. فالحرب التي ضربت، بالدرجة الأولى، مَواطنَ الجماعة الشيعية، أسفرت عن دمارٍ مهولٍ وفواجعَ مزلزلةٍ وإضعافٍ للقوة الشيعية المقاتلة، لا يستغنى في مداراتها كلها عن «مجتمعٍ دولي» تتصدره، في هذا المضمار، دول «الخماسية» المشارِ إليها، بما لها من مواردَ ومن نفوذ. هذا المجتمع كانت له شروطٌ معلومةٌ بعضُها سياسي انطوت عليه صيغة الخروج من الحرب نفسها، وبعضها مؤسسي-دستوري لا بد من تلبيته تأهيلاً للدولة اللبنانية، لتنفيذ ما يقع على عاتقها تنفيذه من الاتفاق، وللتصرف على النحو المفترض بما تتيحه الجهات الممولة. وقد زاد من إلحاح الظرف، بحركته العسيرة هذه، على شيعة لبنان وقيادتهم، اتساعُ الخرق الذي خلفته الحربُ على الراقع الإيراني، فضلاً عن جسامة الخسارة المتعددة الأوجه، الحائقة بالطرف المحارب منهم: وذاك كله إلى حد فاق كثيراً ما كانوا قد خبروه في أعقاب حرب 2006 فراحَ يتطرق إلى الولاء المعهود للقيادة الشيعية، خللٌ بدا منذوراً للتنامي، مقتضياً لسرعة التدارك. ذاك ما حَمَلَ هذه القيادة على تقبل ما كانت قد أبت تقبله من قَبْل: المخاطرة بالمضي قدُماً في استعادة القوام المؤسسي للدولةِ ولو من غير ضمانٍ لموافقة الساكن الجديد لقصر الرئاسة، ابتداءً، صورةً تشتهيها له. هذه المخاطرة لم يكن حمَلَها عليها تخبط البلاد كلها في خضم أزماتٍ متفاقمةٍ احتدمت كثيراً في السنوات الخمس الأخيرة. أما ظرف الحربِ (وكانت هي، أي القيادةُ الشيعيةُ، صاحبةَ المبادرة إلى الحرب والحاملةَ الأولى، مع جملةِ الطائفةِ، لأوزارها) فكان له عليها حُكمٌ آخر.
احتاج لبنان إلى هذه الزلزلة كلها، إذن، بما أورثته من تردداتٍ متنوعةٍ، لتحصيل «معجزة» الإفراج عن انتخاب رئيسٍ لجمهوريته المتهالكة. على أن «المعجزة» الأخرى، الباقيةَ الأثر، تمثلت في شخص الرئيس الذي انتهى النواب إلى انتخابه، بما عُرف عنه في موقعه العسكري من هويةٍ سياسيةٍ لم تثلم استقلاله عن التشكيلات السياسية النافذة، وبشبكة علاقاته الدولية التي حملت الجيش اللبناني على الأكف بعد أن استوت الأزمة المالية الضاربةُ أطنابها في البلاد، حائلاً دون «إعالة» الدولة المتهاويةِ قواتِها المسلحةَ إعالةً مقبولة. كان في هذا المرشح، على الرغم مما تردد من تبني دول «الخماسية» ترشيحه (وهي التي تتولى أربعٌ منها مساندة الجيش)، ما يفصله عن «مزاج» كل من الكتل الكبرى في مجلس النواب منفردةً وعن «المزاج» الذي قد يصح اعتباره جامعاً بينها. فإن إباء الرجل، على التخصيص، أن يُثابر على الانصياع للقيادة العونية التي ولاه رئيسها قيادة الجيش، في إبان عهدِه على رأسِ الدولة، ومعه حذر القيادة الشيعية من «عصبية» الجيش النافرة من السلاح الشيعي ومن حركة قائده في مجالٍ دولي يناوئ الجناح المقاتل منها، كانا يستبعدان بشدةٍ تحصيل هذا المرشح «توافقاً» نيابياً على شخصه. وهذا إلى إيثار الكتل الأخرى مرشحين منها أو من ضفافِها تُحسِن إلزامهم بمسالكَ تألَفها.
كيف ـ والحالة هذه ـ جازَ أن ينتهي هذا المجلس، بأكثريتِه الكاثرة، إلى انتخاب هذا الرئيس؟
ذاك ما نلم به وبما تلاه في عجالةٍ لاحقة.
كاتب لبناني