لولا عدد الضحايا الهائل في غزة، ومشاهد الدمار القيامية في مختلف مدن القطاع، لقلنا إن غزة بالذات هي الأمل، هي الدليل على أن فلسطين لن تموت، وإن مئة عام من الظلم لن تتمكن من دفعها إلى النسيان. كل شيء حول غزة ظل يثبت، يوماً إثر يوم، طوال عامين، أن من الممكن ذبح شعب، والتنكيل به جيئة وذهاباً، مع يأس كامل من أي تحرك جدي يسعف الضحايا.. من تبقّى منهم.
لولا عدد الضحايا الهائل في غزة، ومشاهد الدمار القيامية في مختلف مدن القطاع، لقلنا إن غزة بالذات هي الأمل، هي الدليل على أن فلسطين لن تموت
في الوقت نفسه، كان جَنينٌ قد بدأ ينبض بالغضب، انتفاضة الجامعات الأمريكية التي امتدت نحو مدن أوروبية أثبتت أن جيلاً جديداً رائعاً يولد في العالم لا يرضى الظلم، ليست الجامعات وحدها، اُنظر مجموعة «بالستاين أكشن» المستمرة رغم حظرها بقرار قضائي ظالم، وكيف يتحدى بريطانيون ذلك الحظر غير مكترثين بالاعتقال وأحكام السجن.
ردود الفعل أكثر من أن تحصى، من بينها لدى نجوم هوليوود، الذين خرجوا عن الخطابات المعلبة والترتيبات المعدة سلفاً في المهرجانات ليظهروا رموزاً ويهتفوا بشعارات تتضامن مع فلسطين.. أين يمكن إدراج تلك الروعة؟ أليست في عداد الأمل؟ وبفضل غزة؟
23 دقيقة متواصلة من التصفيق إثر عرض فيلم «صوت هند رجب» في مهرجان البندقية السينمائي الأخير شكّلت هي أيضاً حدثاً سينمائياً مدوياً، جاءت بمثابة تصويت لصالح الحق، وفي الأساس، وبحسب الأخبار التي كانت تتدفق من فينيسيا، لم تغب غزة عن فعاليات المهرجان، وفي محيطه.
كانت هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي قُتلت مع عائلتها في غزة، حاضرة في النقاش السينمائي حتى قبل الوصول إلى السجادة الحمراء، منذ إدراج الفيلم ضمن برنامج المهرجان، إن لم نقل من اللحظة التي وصل فيها خبر نيّة المخرجة التونسية المبدعة كوثر بن هنية إنجاز فيلمها بناء على صوت هند رجب، كما عرفناه في تلك المكالمات المؤلمة مع «الهلال الأحمر الفلسطيني»، وحيدة في سيارة مقصوفة يحيطها عددٌ من أفراد عائلتها الشهيدة.
حاز الفيلم أخيراً جائزة «الأسد الفضي»، ثاني أكبر جائزة في مهرجان البندقية السينمائي، وهذا إنجاز كبير بالطبع، للفيلم، وللمخرجة، ولغزة. فيما حاز «الأسد الذهبي»، فيلمٌ أمريكي مستقل لجيم جارموش بعنوان «فاذر ماذر سيستر براذر». ولم يصدق كثيرون أن فيلماً حاز هذا القدر الاستثنائي من التصفيق والصدى الإعلامي يمكن أن يسبقه فيلم في العالم. على الفور انهالت احتجاجات نقاد وبعض المتحمسين، ولم يتورع ناقد سينمائي على شاشة عربية عن القول إن الموقف السياسي هو ما منع فيلم «صوت هند رجب» من الوصول إلى «الأسد الذهبي»، معتبراً أن «الانحياز السياسي لأصحاب القرار في الغرب يضيق، للمرة المليون، على موضوع فلسطيني».
23 دقيقة من التصفيق إثر عرض فيلم “صوت هند رجب” في “مهرجان البندقية” شكّلت هي أيضاً حدثاً سينمائياً مدوياً، جاءت بمثابة تصويت لصالح الحق
وهكذا، في الوقت الذي نجده إنجازاً أن يصل فيلم عن غزة إلى هذا المستوى من التلقي والجدل وتبوؤ نشرات الأخبار، سيجد ناقدٌ أن السياسة منعت الفيلم من الوصول. كانت مخرجة الفيلم نفسها قد علّقت، إثر إعلان الجوائز، إن مخرج الفيلم الفائز جيم جارموش هو قدوتها في صناعة الأفلام. بل إن جارموش كان قد أدلى بتصريح، منذ أيام فقط، يعبّر عن خيبة أمل لقبول منصة عرض الأفلام «موبي» تمويلا من صندوق استثماري على صلة بإسرائيل. وكانت المنصة قد تلقت تمويلا قدره 100 مليون دولار من «سيكويا كابيتا»، ومقرها في الولايات المتحدة، وهي تضم في محفظتها الاستثمارية شركة «كيلا» الإسرائيلية العاملة في المجال الدفاعي. ما دفع جارموش وفنانين آخرين إلى توقيع عريضة احتجاج.
على ضفة أخرى، جُوبه الفيلم، ومخرجته بالذات، بهجمة أكثر انحطاطاً، تَصور مقالاً يفتتح بالقول: «لو كان للفيلم الانتهازي وطنٌ، لكان «صوت هند رجب» عاصمته». فحسب الناقد، الناجي من الإبادة الأرمينية: «بعد الاغتصاب في «على كفّ عفريت»، واللجوء السوري في «الرجل الذي باع ظهره»، والجهادية السلفية في «بنات ألفة»، تمضي المخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي تُجيد اصطياد المواضيع «الرائجة»، إلى مستنقع جديد: العدوان الإسرائيلي على غزة. هكذا تواصل تنقّلها بين القضايا المضمونة، تلك التي تفرش لها المهرجانات الكبرى السجّادة الحمراء».
من حق الناقد، وأي ناقد أن يفكك الفيلم ويصل إلى الاستنتاج الذي يريد، لكن من الواضح هنا أنه يضع النتيجة أولاً، وهي أقرب إلى شتيمة. استنتاج معاكس تماماً لمعركة بطولية خاضتها المخرجة التونسية، فمن قال إن فلسطين، وغزة بالذات، قضية مضمونة في مهرجانات العالم! يعتقل الناس في الغرب على مجرد رموز لم تكن تثير الانتباه حتى الأمس القريب. اُنظر الملاحقات في ألمانيا. تَذكّرْ البرليناله – مهرجان برلين السينمائي، تذكر الروائية عدنية شبلي، وكيف ألغى معرض فرانكفورت للكتاب تكريم الكاتبة الفلسطينية في ضوء الحرب الإسرائيلية على غزة، تذكّرْ نجوم هوليوود أنفسهم وكيف تخلت عنهم شركات إنتاج بسبب مواقفهم من غزة، وأحسب أن قائمة المنع والملاحقة طويلة، المخفي منها أعظم من الظاهر. بل إن المحكمة الجنائية الدولية نفسها لم تنجُ من عقوبات أمريكية بسبب ملاحقتها لجرائم الإبادة الإسرائيلية، ومن اتهامات ومطاردات استخباراتية إسرائيلية لمدعيها العام كريم خان.
ثم، أرجوك، أعطني «ليستة» بالقضايا المسموح تناولها حتى ترضى، قضايا لا ترضي وتستثمر السجاجيد الحمراء. إن هذا القول ذاته ممجوج، إنْ لم تجد شيئاً تقوله في انتقاد فيلم راجَ في الغرب فقل إنه قُبِل بفضل انصياعه لأجندات غربية، لطالما سمعناها: هذا بسبب مغازلة النسوية، وذاك بسبب اقترابه من موضوع الهولوكوست، وهذه المرة بسبب غزة!
من قال إن فلسطين، وغزة بالذات، قضية مضمونة في مهرجانات العالم! يعتقل الناس في الغرب على مجرد رموز لم تكن تثير الانتباه حتى الأمس القريب
أما أن المخرجة تتناول في كل مرة موضوعاً حاراً وطازجاً (الربيع العربي، سوريا، الجهادية، غزة.. )، فما عَمَلُ المبدع غير أن يكون جزءاً مؤثراً من نقاش راهن يهمّ الجميع، ولطالما وُصفت الموضوعات خارج اللحظة الراهنة بأنها تتهرب من المواجهة، ولطالما كان هروب الأعمال الإبداعية إلى الماضي نوعاً من الحطّ من قيمته. نريد شكسبير لأنه معاصر، يجهد المخرجون في استنباط لحظة منه تتقاطع مع الحاضر وينبني عليها كل عملهم، ولعل أول سؤال نقدي يجب أن يطرحه الناقد: لماذا الآن؟ ما الذي يعنيه هذا الفيلم، أو تلك المسرحية، الآن وهنا؟
لا يتوقف الناقد عند المخرجة التونسية، بل يذهب أيضاً لاتهام الجمهور برمته، عندما يصف الـ 23 دقيقة التي أذهلت المتابعين ووسائل الإعلام بالقول: «خلف التصفيق الحار والعيون المبلّلة والفساتين البراقة، ودعم المجتمع الليبرالي، يكمن سؤال ملحّ: إلى أي مدى يمكن استثمار مأساة غزة من دون الوقوع في فخّ المتاجرة بها؟»، ويجيب: «الفيلم يستثمر في عجز الإنسان العربي، وحاجة الغرب إلى «غسل عاره» عبر شاشة السينما».
سيكون النقد مقبولاً وقابلاً للجدل فقط لو تحاشى الاتهام الجاهز بالانتهازية، وقد طُرحت مسائل عديدة حوله؛ لماذا لم يبق الفيلم وثائقياً وحسب، وهل يخفت تأثير صوت الطفلة الواقعي عندما يعاد توظيفه في فيلم روائي، إلى تفاصيل تتعلق بالحوار وشخصيات الفيلم. وكلها مسائل تأتي في إطار الهم السينمائي، ولا شك أنها تغني النقاش والتجربة، وتجعل صوت هند رجب، طفلة غزة الشهيدة، أكثر تأثيراً وقبولاً.
لن يقلع عين الناقد إلا أن يرى بن هنية غداً متهمة بمعاداة السامية، وملاحقة بافتراءات هنا وهناك، وقد لا يلقي بالاً حين تُحرم من تمويل هذه المؤسسة أو تلك، فغالباً قد تجد نفسها مبعدة من دون أن يضطر أحدٌ لشرح ذلك.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»