أصبح مؤكداً أن مصر تتصدر الدول المستهدفة، فيما يطلق عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تغيير خريطة الشرق الأوسط، كما تأتي في طليعة أطماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما يطلق عليه، الحقوق الأمريكية نظير الحماية، كما تندرج مصر في سلم اهتمامات الدول المنتجة للسلاح في الوقت الحالي تحديداً، ومن بينها دول الغرب، إضافة إلى كل من الصين وروسيا، ناهيك من المورد التقليدي، ممثلاً في الولايات المتحدة، بما يجعلها محوراً مهماً للأحداث خلال السنوات، وربما الشهور القليلة المقبلة، وهو الشعور السائد في الشارع المصري الآن، وفقاً لتلاحق الأحداث.
في البداية كانت الأنظار تتجه إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، باعتباره المستهدف من حملة إعلامية غربية، خصوصاً بعد أن استخدمت صحيفة (الغارديان) البريطانية تعبير (الرئيس المؤقت) في خبر تعزيته في وفاة بابا الفاتيكان فرانسيس الثاني، بينما بثت وكالة (أسوشيتد برس) الأمريكية – دون أي مناسبة- فيديو يتضمن كواليس اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1981، في الوقت الذي رفضت فيه الإدارة الأمريكية وإسرائيل، المبادرة المصرية، حول وقف القتال في قطاع غزة، التي جاءت في إطار محاولة إنقاذ الموقف، بعد رفض السيسي طلب الرئيس الأمريكي، ترحيل المواطنين الفلسطينيين من القطاع إلى مصر، ما أثار غضباً، تتوالى تبعاته السياسية والإعلامية.
بيد أن الطلب الأمريكي، الذي أعلن عنه ترامب أخيراً، والذي يتعلق بإعفاء السفن الأمريكية -التجارية والعسكرية- من رسوم المرور من قناة السويس، جاء ليكشف مكنونات أخرى تتعلق بمصر بشكل عام، لا تقتصر فقط على الإعفاء من المرور، إنما الحصول على نسبة من الدخل السنوي للقناة، البالغ 10.2 مليار دولار عام 2023، قبل أن ينخفض إلى النصف العام الماضي، مع أحداث حرب غزة، وما واكبها من تصعيد بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، من خلال حركة أنصار الله (الحوثية) باليمن، التي ربطت فيه الحركة وقف التصعيد تجاه السفن الإسرائيلية، بوقف حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني. مطالب إدارة ترامب الأمريكية من مصر في حقيقتها كثيرة، خصوصاً ما يتعلق منها بالسماح بإنشاء قاعدتين عسكريتين، إحداهما على البحر الأحمر في جزيرة، رأس بناس، والأخرى على البحر المتوسط، في سيدي براني، بمحافظة مطروح، بالقرب من الحدود الليبية، وهما المطلبان اللذان رفضهما من قبل كلاً من الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، إضافة إلى مطلب جديد، ترفضه مصر أيضاً، يتعلق بإقامة قاعدة عسكرية على جزيرتي تيران وصنافير، بالبحر الأحمر، على تخوم مدينة شرم الشيخ، بعدما تنازل عنهما الرئيس السيسي للمملكة العربية السعودية، رغم الأحكام القضائية لمجلس الدولة بمصر في هذا الشأن، (محكمتا القضاء الإداري والإدارية العليا اللتان قضتا بمصرية الجزيرتين، انطلاقاً من الوثائق التاريخية الداعمة).
المواجهة المصرية، مع أمريكا على خلفية الأطماع في قناة السويس وغيرها، ومع إسرائيل على خلفية الأطماع في سيناء وتغيير خريطة المنطقة، تصطدم بتساؤلات مهمة حول (الظهير) المصري
الصمت المصري الرسمي، تجاه مطالب ترامب، خصوصاً ما أعلنه عن قناة السويس، يطرح أسئلة استنكار عديدة في الشارع المصري، خصوصاً إذا علمنا أن تكلفة حفر القناة كانت باهظة على كل المستويات، المادية والبشرية، في الفترة من عام (1859- 1869) حيث فقدت مصر نحو 120 ألفاً من العمال الذين شاركوا في عمليات الحفر، نتيجة الجوع والعطش والأوبئة، في الوقت الذي كان فيه عدد السكان لا يتجاوز مليوني نسمة، وظلت القناة تحت سلطة الاحتلال الإنكليزي حتى قرار التأميم عام 1956، الذي تم الرد عليه بعدوان ثلاثي، من إنكلترا وفرنسا وإسرائيل، بما يعني أن القناة رويت بدماء المصريين فقط، على خلاف قناة بنما، التي شاركت الولايات المتحدة في حفرها وإدارتها. غير أن المتابع للشأن المصري، سيكتشف أن هناك الآن من المؤشرات الكثير، مما يمكن اعتباره تعبئةً عامة، ربما تأتي في إطار عمليات الخداع والتمويه، استعداداً لمواجهة المتغيرات، التي يمكن أن تفرض نفسها بين لحظة وأخرى، كان آخرها يوم الجمعة الماضي، من خلال خطبة الجمعة الرسمية، التي تحدد وزارة الأوقاف موضوعها لخطباء المنابر، والتي تناولت -على غير العادة- الحديث عن أهمية شبه جزيرة سيناء، استراتيجياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وسياحياً، وتاريخياً، ودينياً، وأهمية الذود عنها وحمايتها وتقديسها، في مواجهة التحديات الراهنة، مع الإشارة -على غير العادة أيضا- لإسرائيل كعدو لدود، لا يتورع عن العدوان والتوسع، والدعاء في الوقت نفسه على الجبروت الأمريكي. وكان الرئيس المصري بالتزامن، يشارك في حفل تخريج الدورة الثانية لتأهيل أئمة وزارة الأوقاف من (الأكاديمية العسكرية)، التي استهدفت كما هو معلن: ترسيخ الوعي والمعرفة والإدراك لدى الأئمة في ما يتعلق بالقضايا الفكرية والتحديات الراهنة، وهي الدورات التي تم استحداثها في السنوات الأخيرة، لشباب الخريجين، والعاملين بالمواقع المختلفة، القضائية والتعليمية والعلمية والطبية والعمالية وغيرها، من خلال الأكاديمية العسكرية، بالكلية الحربية، في الوقت الذي كان قد دعا فيه السيسي شخصياً، إلى إعادة الإنتاج الدرامي للدولة، وإعادة النظر في محتواه، وهي الدعوة التي لاقت استجابة سريعة من رئيس الحكومة، وكل الأجهزة والمؤسسات المعنية. وإذا وضعنا في الاعتبار، المساعي المصرية، خلال السنوات الأخيرة، لتنويع مصادر السلاح، التي تتجه بشكل خاص، إلى كل من روسيا والصين وإيطاليا وفرنسا وكوريا الجنوبية، وتم تتويجها بمناورات جوية حالية مع الصين، هي الأولى من نوعها، وتستمر حتى منتصف شهر مايو الجاري، يمكننا أن نرصد التوجه المصري للخروج من العباءة الأمريكية، التي ظلت جاثمة على الشأن العسكري، منذ اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، برعاية واشنطن عام 1978، ناهيك من الانضمام للتجمع الاقتصادي (بريكس) الذي يضم كلاً من الصين وروسيا، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، وهو ما لا يروق للسياسة الأمريكية.
إلا أن المواجهة المصرية، بشكلها الحالي مع كل من الولايات المتحدة على خلفية الأطماع في قناة السويس وغيرها، ومع إسرائيل على خلفية الأطماع في سيناء وتغيير خريطة المنطقة، تصطدم بتساؤلات مهمة حول (الظهير) المصري في هذه وتلك، مع الوضع في الاعتبار، أن حرب 1973 مع إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة، شهدت تضامناً عربياً غير مسبوق مع مصر، سواء بدعم المال والعتاد، أو بإرسال قوات لأرض المعركة، أو بدعم سياسي واقتصادي، تمخض في نهاية الأمر عن وقف تصدير النفط كسلاح، في مواجهة الموقف الغربي، إضافة إلى دعم الاتحاد السوفييتي، وما كان يعرف بالكتلة الشرقية عموما، ودول عدم الانحياز، وغير ذلك، على خلاف الوضع الراهن المثير للشفقة، حتى على المستوى الداخلي، الذي تتنازعه الانقسامات. وتكفي الإشارة في هذا الصدد، إلى ذلك التسريب المتعمد في الوقت الراهن، للاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، والعقيد الليبي معمر القذافي، عام 1970 والذي بدا فيه عبدالناصر مستسلماً يرفض القتال، مُقراً بقوة العدو، والذي فسر المراقبون بثه في الوقت الحالي، على أنه تمهيد لتنازلات واتفاقيات قد تسبق، أو حتى تتزامن، مع زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة هذا الشهر، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة، لمدينة العريش المصرية على الحدود مع إسرائيل، بحضور الملك عبدالله ملك الأردن، والتي أعقبها قرار أردني بحظر جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال نائب المراقب العام للجماعة، ثم قرار فلسطيني بتعيين نائب لرئيس السلطة، مثير للجدل، لا يلقى قبولاً داخلياً.
في كل الأحوال، يمكن تأكيد أن المطالب الأمريكية من مصر جميعها مرفوضة رسمياً وشعبياً، بدءاً من ترحيل مواطني قطاع غزة إلى مصر، مروراً بالامتيازات في قناة السويس، أو إقامة قواعد عسكرية على التراب المصري، وانتهاء بالوجود العسكري على جزيرتي تيران وصنافير، رغم خروجهما عن السيادة المصرية، بما يفسر القرار المثير للجدل للرئيس المصري، بعدم تلبية دعوة الرئيس الأمريكي لزيارة واشنطن في فبراير الماضي، ما يطرح العديد من التساؤلات، حول مدى إمكانية صمود القاهرة في هذه المواجهات، في غياب الظهير الإقليمي والدولي، في الوقت الذي تمثل فيه الضغوط الداخلية حائلاً أمام التفكير في أية تنازلات، لما تراه استعمارا من نوع جديد.
*كاتب مصري