مصر: اللاجئون بين خطاب الكراهية والموت في السجون

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: يواجه اللاجئون في مصر خطابات كراهية واتهامات تستند الى «أخبار غير دقيقة» توازياً مع حملات أمنية تشنها السلطات ضدهم لـ« تدقيق أوضاعهم» وهو ما أسفر عن اعتقالات ووفاة اثنين داخل مراكز الاحتجاز، خلال الأسابيع الماضية.
وتحدثت مبادرة «مدد» لدعم اللاجئين والمهاجرين عن «انتشار ملحوظ لبعض خطابات الكراهية والتحريض على منصات التواصل الاجتماعي ضد المهاجرين واللاجئين المقيمين في مصر، وبشكل خاص أبناء الجاليتين السودانية والسورية».

«أخبار غير دقيقة»

كما لفتت في بيان إلى «انتشار عدد كبير من الأخبار غير الدقيقة والمعلومات المغلوطة المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين، والتي مهما كانت نوايا تداولها تسهم في زيادة الاحتقان المجتمعي، وتغذي مشاعر الخوف والرفض، وتؤدي إلى توترات نحن في غنى عنها جميعاً».
وأكدت أن «استخدام لغة التحريض أو التعميم، أو تحميل الأفراد مسؤولية أزمات أوسع، لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وزيادة التوتر، ويؤثر سلبًا على السلم الاجتماعي الذي نحرص جميعًا على استقراره».
وبعيدا عن «أي اعتبارات أو صراعات سياسية أو سياقات أمنية» دعت إلى خطاب عام قائم على القيم الإنسانية والأخلاقية التي عُرفت بها المجتمعات المصرية عبر تاريخها، بمكوناتها العربية والإفريقية والإقليمية» مشيرا إلى أن «المهاجر أو اللاجئ، هو إنسان اضطرته ظروف قاسية، من حروب ونزاعات وانتهاكات، إلى البحث عن الأمان والحياة الكريمة».
وزادت: «سواء كانوا قد فقدوا أوطانهم وجاؤوا هربًا من النزاعات، أو اختاروا الإقامة في مصر بإرادتهم، فإن وجودهم بيننا يمثل إضافة حقيقية. فقد أسهم كثير منهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصبحوا جزءًا من نسيج المجتمع، يشاركون في العمل والإنتاج والإبداع. إن التنوع ليس عبئًا، بل قيمة إنسانية ومجتمعية تثري المجتمعات وتعزز قدرتها على التطور».
وحثت على «تجنب نشر أو إعادة تداول أي محتوى يحض على الكراهية أو التمييز، وتبني خطاب مسؤول يراعي حساسية السياق الإنساني، ودعم التعايش المجتمعي القائم على الاحترام المتبادل، ومواجهة مروجي خطابات الكراهية والتحريض والإبلاغ عنهم». وفي موازاة حملات التحريض التي تحدثت عنها «مدد» تشن أجهزة الأمن المصرية منذ أسابيع حملة لتدقيق أوضاع اللاجئين وقد استهدفت بشكل خاص السودانيين والسوريين، حيث اعتقل بعضهم، فيما توفي اثنان في مراكز الاحتجاز، أحدهما المراهق السوداني النذير الصادق الذي كان يقف برفقة أصدقائه أمام محل سكنه في القاهرة، حاملا مستندات تُثبت وضعه القانوني في مصر وبطاقة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه في 18 يناير/ كانون الثاني الماضي.
وحسب أسرته، جرى احتجاز الصادق لمدة 25 يوماً داخل قسم شرطة مدينة بدر، انتهت بوفاته.
وكان النذير في الصف الثالث المتوسط في العاصمة السودانية الخرطوم، حين دفعت أهوال الحرب العائلة إلى الفرار في عام 2023، بحثًا عن الأمان، تاركة الأهل والأصدقاء، معتبرة أن مصر كانت محطة النجاة التي لجأوا إليها.
وحسب ما أُبلغت به العائلة، لم يُحتجز النذير داخل غرفة مغلقة، بل في مكان مكشوف، في «حوش مكشوف» خارج المباني، يواجه برد الشتاء القاسي بلا ملابس ثقيلة تقيه الصقيع، ولا بطاطين، ولا فراش مناسب. ولم يكن يحصل على طعام أو شراب كافٍ، في ظروف تصفها بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
وتضيف العائلة أن الصدمة لم تتوقف عند قسوة المكان، بل امتدت إلى طبيعة الاحتجاز نفسه. فقد أُبلغوا بأنه كان محتجزًا مع بالغين، من بينهم متهمون في قضايا جنائية. «مراهق يُحتجز بجوار متهمين كبار» هكذا تصف الأسرة المشهد، متسائلة عن وضع ابنهم الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة في بيئة لا تشبه عمره ولا وضعه القانوني.
وبعد 25 يوماً من الاحتجاز، وقبل وفاته بيوم واحد، زارته والدته في قسم شرطة بدر، حيث كان مسموحًا لها برؤيته كل يوم جمعة. في تلك الزيارة، بدا عليه الإعياء، أخبرها بأنه يشعر بالمرض، وأن صدره يؤلمه من شدة البرد، وطلب منها أن تحضر له مضادًا حيويًا في المرة المقبلة.

مطالبات حقوقية بالتحقيق في أوضاع المعتقلين منهم

لقد أُصيب، وفق الأسرة، بالتهاب صدري نتيجة البرد وسوء ظروف الاحتجاز. وبالفعل، أحضرت له والدته الدواء في زيارتها التالية، والتي كانت الأخيرة.
بعد نحو يوم من تلك الزيارة، وبينما كانت الأم تظن أن الدواء قد يخفف آلامه، تلقت اتصالاً من قسم الشرطة يُبلغها بوفاة ابنها، وطُلب منها التوجه إلى النيابة لاستكمال إجراءات الدفن واستلام الجثمان، الذي نُقل إلى مستشفى بدر، ثم إلى مشرحة زينهم، يوم 12 فبراير/ شباط الجاري.
وفي الخامس من فبراير/ شباط الجاري، توفي أيضاً مسن سوداني يُدعى مبارك قمر الدين مجذوب عبد الله، داخل قسم شرطة الشروق في محافظة القاهرة، بعد تسعة أيام من احتجازه، ما دفع «منصة اللاجئين في مصر» للمطالبة بفتح تحقيق.

انتهاك جسيم

وقالت المنصة، وهي منظمة حقوقية مهتمة بشؤون اللاجئين في بيان، إن وفاة شخص مسنّ، يحمل صفة ملتمس لجوء ومسجّل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، داخل مكان احتجاز رسمي، تمثّل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والسلامة الجسدية، وخرقًا لالتزامات مصر الدستورية في المادة 55 التي نصت على أنه «كل من يُقبض عليه، أو يُحبس، أو تُقيَّد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًّا أو معنويًّا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًّا وصحيًّا».
ووفق المنصة، الواقعة «تمثِّل خرقًا لالتزامات مصر الدولية في معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم، ما يجعلها واقعة تحفل بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة لالتزامات مصر الدستورية والقانونية والدولية، وفي ضوء المعطيات الراهنة، وأن ما حدث يستوجب فتح تحقيق عاجل وشفاف، يُراعَى فيه إعلان الحقائق والنتائج للرأي العام ومجتمعات اللاجئين».
ومبارك كان من مواليد الخرطوم في يناير/كانون الثاني 1959، ويحمل بطاقة ملتمس لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 وصالحة حتى إبريل/نيسان 2027، الأمر الذي يقرّر له صفة قانونية واضحة وهي ملتمس لجوء، خاضع لحماية دولية، ويحظر تعريضه للتوقيف أو الاحتجاز التعسفي لمجرّد وضعه كمهاجر أو لاجئ، وفقًا لقواعد قانون لجوء الأجانب 164 لسنة 2024 مبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التمييز، تبعا للمنصة.
وقد أوقف في 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، أثناء قيامه بشراء احتياجات المنزل، وكان يحمل ما يثبت تقدّمه بطلب لاستخراج تصريح إقامة، متضمنًا رقم تسجيل مرجعي لدى وزارة الخارجية، وموعدًا محددًا لاستخراج التصريح في 2 سبتمبر/أيلول 2027، الأمر الذي ينفي توافر أي مبرر قانوني للتعامل معه كـ»شخص مخالف لشروط الإقامة» أو استهدافه بسبب وضعيته الإدارية.
ولفتت المنصة إلى أن الشهادات التي وثقتها بينت أن احتجاز مبارك قمر الدين في حجز قسم شرطة الشروق في ظروف غير إنسانية من حيث الاكتظاظ الشديد، وغياب أماكن ملائمة للنوم، وضعف التهوية، وسط حرمانه والمحتجزين الآخرين من الرعاية الطبية الفورية والمنتظمة.
وزادت: الأسرة لم تُخطر فوراً بتدهور حالته الصحية، ولم تُمنح فرصة فعلية لمتابعة حالته أو نقله في الوقت المناسب إلى مستشفى مناسب، ما يؤكد حصول إهمال جسيم، في انتهاك صريح للمادتين 7 و10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتين تحظران المعاملة القاسية واللاإنسانية وتُلزمان الدولة بمعاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم.
ووفق المنصة، لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة باعتبارها حادثًا فرديًّا معزولًا، إذ تأتي في سياق سياسة أوسع تنتهجها الحكومة المصرية ضد اللاجئين وثقت في تقرير «لا ملاذ آمن» حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين في مصر، الذي رصد حملة توقيفات واحتجازات واسعة بحق اللاجئين ملتمسي اللجوء.
وحذرت المنصّة من تكرار حالات وفاة المعتقلين من اللاجئين داخل مقرات وأماكن احتجاز مصرية «في ظل ظروف احتجاز قاسية وإهمال طبي جسيم» واستمرار السلطات المصرية في «اتباع السياسات غير القانونية نفسها».

دعوة للتحقيق

ودعت المنصة النيابة العامة لفتح تحقيق جنائي جاد ومستقل وشفاف في واقعة وفاة مبارك، تحديداً حول مشروعية استمرار احتجازه طوال هذه المدة، ومدى توافر شروط وضوابط الحبس الاحتياطي أو أي شكل آخر من أشكال تقييد الحرية، وحقيقة ما تعرض له من إهمال طبي، وتقييم ظروف الاحتجاز المادية والصحية، وتحديد المسؤولية الجنائية والإدارية عن أي تقصير أو انتهاك، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية والجنائية اللازمة بحق كل من يثبت تورطه في الإهمال أو سوء المعاملة أو تعطيل تقديم الرعاية الطبية، أو إخفاء المعلومات عن الأسرة.
كما طالبت النيابةَ بفتح تحقيقٍ مستقل وعاجل في الانتهاكات المنسوبة إلى وزارة الداخلية، على خلفية حملات احتجاز تعسفي وعمليات قبض عشوائية استهدفت مهاجرين ولاجئين.
وشددت على أن دور النيابة العامة لا يقتصر على التحقيق في واقعة الوفاة، بل يمتد بحكم القانون إلى مراقبة تنفيذ قرارات الإفراج الصادرة بحق اللاجئين وملتمسي اللجوء المحتجزين تعسفيًّا، وضمان الإفراج الفوري عن كل من صدرت بحقهم قرارات إخلاء سبيل، بما في ذلك مراجعة أوضاع جميع اللاجئين وملتمسي اللجوء المحتجزين حاليًّا داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز غير المخصصة، والتأكد من وجود سند قانوني واضح ومحدد لمدة احتجازهم، واتساق هذا السند مع ضوابط الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في الدستور وقانون الإجراءات الجنائية.

حالات أخرى

وفيما النذير ومبارك توفيا في مراكز الاحتجاز خلال الأسابيع الماضية، فقد سجلت في أغسطس/آب 2025 واقعة وفاة المواطن السوداني مجاهد عادل محمد أحمد داخل قسم شرطة ثالث أكتوبر (قسم الأهرام) في محافظة الجيزة، بعد احتجازه لمدة 21 يوماً «في ظروف غير إنسانية وحرمانه من الرعاية الطبية اللازمة رغم معاناته من مضاعفات مرض السكري، فضلًا عن توثيق حالة وفاة أخرى في مقرات احتجاز في مدينة أسوان» تبعا للمنصة، التي دعت النيابة الى إصدار أمر بالإفراج الفوري عن كل من ثبت احتجازه لمجرد وضعه كلاجئ أو ملتمس لجوء أو بسبب أوضاع إقامته الإدارية، دون اتهام جنائي جدي أو حكم قضائي واجب التنفيذ، اتساقًا مع القاعدة الدستورية القائلة بأن الحرية الشخصية هي الأصل وأي قيد عليها هو استثناء يجب تبريره قضائيًّا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية