بغداد ـ «القدس العربي»: يخشى القادة السياسيون الشيعة على وجه الخصوص، في العراق من ارتدادات الوضع في إيران على الداخل، خصوصاً مع إصرار الفصائل الشيعية المسلحة على الانخراط «ميدانياً» مع أيّ تطورات عسكرية مرتقبة في هذه البلاد التي تمثل عمّقاً دينياً واستراتيجياً لها، الأمر الذي يضع قادتها السياسيين المؤتلفين ضمن «الإطار التنسيقي» في حرجٍ، في ظل ورود تقارير تتحدث عن مشاركة فعلية للفصائل في قمّع الاحتجاجات الدائرة في الجمهورية الإسلامية منذ أسابيع.
5000 مقاتل
شبكة «سي أن أن» الأمريكية أفادت في تقرير استقت معلوماته من «مصادر أمنية وعسكرية» لم تسمّها، بـ«تسلل مقاتلين عراقيين إلى الأراضي الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، بهدف مساندة السلطات الإيرانية في مواجهة الاحتجاجات المستمرة هناك».
وينقل عن مصدر أمني عراقي قوله إن «نحو 5000 مقاتل من جماعات عراقية عبروا الحدود في اتجاه إيران عبر منفذين حدوديين في جنوب البلاد، وهما:= معبر الشيب في محافظة ميسان، ومعبر الزرباطية في محافظة واسط».
أما مصدر عسكري أوروبي فيؤكد أن «ما يقارب 800 مقاتل عبروا الحدود انطلاقاً من محافظات ديالى وميسان والبصرة»، مشيراً إلى أن «عملية العبور تمت تحت غطاء أداء مناسك دينية لتبرير وجودهم، قبل انخراطهم في حملات القمع».
ورُصد أيضاً حسب التقرير «وجود هؤلاء المقاتلين في عدة مناطق إيرانية حساسة، ومن بينها مدينة همدان»، حيث أشار إلى «مشاركتهم المباشرة في عمليات التصدي للمحتجين».
التقرير نقل معلومات عن تقييم عسكري أوروبي قال إن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى «جماعات مسلحة موالية لطهران، مثل (كتائب حزب الله) وحركة (حزب الله النجباء) و(كتائب سيد الشهداء) ومنظمة (بدر)».
ما ورد في التقرير الأمريكي جاء بعد نحو أسبوع من كشف «المرصد العراقي للحقوق والحريات» عن «تدفّق مقاتلين عراقيين إلى إيران واستخدامهم في قمع الاحتجاجات».
حينها ذكر المرصد أنه يمتلك «معلومات موثّقة» تفيد بـ«دخول وجبة جديدة من المقاتلين العراقيين (143 عنصراً) إلى الأراضي الإيرانية عبر منفذ الشلامجة (صباح يوم الجمعة الموافق 9 كانون الثاني/يناير 2026) وذلك ضمن تحركات منظمة تشرف عليها أجهزة أمنية إيرانية، وعلى رأسها استخبارات الحرس الثوري».
وبين أن هؤلاء المقاتلين «يُستخدمون في عمليات قمع داخلي ضد المتظاهرين الإيرانيين، في تطور بالغ الخطورة يمثل تدويلاللقمع وانتهاكًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان».
وطبقاً للمرصد فإن المقاتلين الذين دخلوا «متفرقين بسيارات متعددة»، نُقلوا إلى «بناية معسكر سابق في مدينة خرمشهر، جرت تهيئتها كموقع استقبال وفرز أمني»، وبعد إخضاعهم لإجراءات «تدقيق وتوجيه»، يتم نقلهم تباعًا إلى «معسكرات تابعة للحرس الثوري داخل العمق الإيراني، تمهيدًا لإشراكهم في عمليات خاصة مرتبطة بالتعامل العنيف مع الاحتجاجات الشعبية الجارية في عدد من المدن الإيرانية».
تظاهرات داعمة للجمهورية الإسلامية… وتهديدات باستهداف القواعد الأمريكية
وحسب ما نقله مصدر للمرصد فإن «القيادة الأمنية الإيرانية باتت تعتبر المقاتلين العراقيين أشد قسوة في التعامل مع المتظاهرين وأعلى ولاءً أيديولوجيًا للجمهورية الإسلامية وأقل تأثرًا بالروابط المجتمعية أو الضغوط الشعبية داخل إيران، وذلك مقارنة ببعض عناصر الأمن الإيرانيين، الذين أظهرت تقارير متعددة حالات تهاون أو امتناع عن استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، ما دفع السلطات إلى الاستعانة بعناصر أجنبية لا تربطها أي صلة اجتماعية بالمجتمع الإيراني».
واعتبر المرصد أن هذه التحركات لا تقتصر على «وجبة واحدة، إذ تفيد معلومات المرصد بوجود وجبات مستمرة ومتلاحقة من المقاتلين المتجهين إلى إيران، بعضها بأعداد غير معلومة بدقة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الأعداد التراكمية تجاوزت بضعة آلاف من العناصر المسلحة خلال الفترة الماضية».
ويرتبط أغلب الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، بشكلٍ وثيق بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وتعتبره المرجع الديني الأعلى، وفق نظرية ولاية الفقيه الشيعية، بعكس الجزء الآخر من الفصائل ممن يتبع رجل الدين الشيعي البارز، علي السيستاني، زعيم مرجعية النجف.
ويمثّل هذا الامتداد الديني والعقائدي للفصائل دافعاً للوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران، وعلى مختلف المستويات والأحداث.
وتجسيداً لذلك، خرج المئات من أنصار الفصائل في تظاهرات مندّدة بالتلويح الأمريكي لاستهداف إيران، وللتعبير عن موقفٍ داعم للقيادة والشعب الإيراني أمام التصعيد العسكري المرتقب.
ووقف فيديوهات وصور تناقلتها مواقع إخبارية محلية ومنصات اجتماعية، فإن جموعاً من المتظاهرين تجمّهروا أمام مبنى السفارة الإيرانية في منطقة كرادة مريم في العاصمة الاتحادية بغداد.
وحمّل المتظاهرون لافتات خطّ عليها «نحن معكم» باللغتين العربية والإيرانية، فضلاً عن رفع الأعلام العراقية والإيرانية، وأعلام أخرى تحمل شعارات «كتائب حزب الله» و«كتائب سيد الشهداء».
في موازاة ذلك، نظّم المئات من أنصار الفصائل وقفة جماهيرية في مدينة النجف دعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، رافعين شعارات «كلا كلا أمريكا» و«كلا كلا إسرائيل»، إلى جانب العلمين الإيراني والعراقي.
المحتجون الذين تجمّعوا في ساحة ثورة العشرين، وسط النجف، أعلنوا «دعمهم وتضامنهم مع حكومة وشعب الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، معربين عن «إدانتهم الشديدة للتدخل الأمريكي والكيان الصهيوني في الشؤون الداخلية لإيران».
وأكد المشاركون في هذه الوقفة أن «أمن إيران يُعد جزءاً لا يتجزأ من أمن العراق»، واصفين «استقرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنه عامل أساسي لاستقرار وأمن المنطقة».
ورغم أن الفصائل العراقية لم تتبن أي إجراء تصعيدي على الأرض، غير أنها لم تتردد في إعلان وقوفها إلى جانب إيران في حال تعرضها لأي استهداف.
وفي إعلان مباشر، قال المتحدث باسم كتائب «سيد الشهداء»، كاظم الفرطوسي، إنه «إذا اندلعت الحرب، فإن الرد على أمريكا سيشمل استهداف قواعدهم في العراق»، حسب موقع «رووداو».
وأضاف: «نحن نرى أن تلك القواعد الأمريكية تُستخدم ضد إيران، وهذا سيجعل العراق ينخرط مباشرة في أتون الحرب، رغم أن القادة السياسيين لا يرغبون في ذلك».
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، كان الأمين العام لكتائب «حزب الله»، أبو حسين الحميداوي قد اعتبر أن «الواجب الشرعي والاخلاقي» يحتم على الفصائل الوقوف إلى جانب إيران.
«واجب شرعي وأخلاقي»
وأفاد في بيان صحافي بأنه «نشهد اليوم صفحة جديدة من الصراع بين جبهتي الحق والباطل، فجبهة الحق واضحة المعالم، مشخّصة الهوية بفضل الله تعالى، كما أن جبهة الباطل قد عرفها العالم أجمع، وشخص سلوكها الإجرامي ونهجها العدائي تجاه الشعوب الحرّ الرافضة للعنجهية الإمبريالية، فلم يسلم من بطشها وجورها إلّا من ارتضته أداة لتحقيق أهدافها الشيطانية الخبيثة»، معتبراً أن «رأس جبهة الباطل يمضي في إعداد العدّة لاستهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، حصن الإسلام المحمدي، ومصدر عزّة الأمّة ودرع شرفها وقضاياها».
وأمس الجمعة، رأى إمام وخطيب جمعة النجف صدر الدين القبانجي، بأن العراقيين معنيون بالحرب بين أمريكا وإيران في حال اندلاعها.
وقال في خطبة الجمعة إن «ما يجري بين أمريكا وإيران ليس حرب اقتصاد ولا نفط وإنما هي حرب عقيدة»، مشيراً إلى أن «الغرب يعيش حالة هزيمة حقيقية، تتمثل بهزيمة الفكر المادي وانهيار حضارة الشيطان».
وأشار إلى أن «الشعب العراقي يقف مع الحق في هذه المعركة»، مردفا بالقول: «نحن معنيون بهذه الحرب كما هو الشعب الإيراني، فهي ليست حربًا ضد إيران فحسب بل حرب ضدنا جميعًا».
الموقف المُعلن للفصائل يتناقض إلى حدٍّ كبير مع موقف الحكومة والقادة السياسيين الشيعة، إذ جددت الحكومة دعوتها إلى جميع الأطراف المعنية إلى «ضبط النفس، وتغليب لغة الحوار، وتجنّب التصعيد، والعمل الجاد على حل الخلافات بالوسائل السلمية والدبلوماسية، وبما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويجنّب المنطقة مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار».
كما أعلن «الإطار التنسيقي» الشيعي، رفضه القاطع لاستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على أي دولة لا سيما إيران.
وجاء في بيان «للإطار» أنه «يقف مع الحلول الدبلوماسية والسياسية»، مشيرا الى انه يرى «فيها المسار الأمثل لمعالجة الأزمات، بما يحفظ سيادة الدول ويجنّب شعوب المنطقة ويلات الحروب».
كذلك يتفق سياسيون سنّة بأن اندلاع الحرب في إيران ستكون له عواقب في الداخلي العراقي.
ويرى السياسي العراقي مشعان الجبوري أن أي قصف من الولايات المتحدة أو إسرائيل لإيران لن يؤدي إلى إسقاط نظامها أو تحرير العراق من نفوذها، بل سيضاعف معاناة الشعب الإيراني ويدفع المنطقة نحو فوضى أوسع.
وقال في «تدوينة» له، «نتطلع لتخليص العراق من قبضة إيران ومن أذرعها التي غيبت آلاف الشباب السنّة وقتلت أبطال انتفاضة تشرين وجعلت من العراق ساحة خلفية لعبثها وخدمة اقتصادها».
وتابع: «لا نعتقد أن قصف أمريكا أو إسرائيل لإيران سيسقط نظامها أو يحرر العراق من سطوتها، بل سيضاعف معاناة شعبها ويزج المنطقة في فوضى أوسع».
أزمات جديدة
في حين حذر محافظ نينوى الأسبق، أثيل النجيفي، من أزمات جديدة قد تشهدها محافظات جنوب العراق نتيجة ضعف النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن بعض الفصائل قد تتحول إلى مافيات تسعى للحفاظ على مكاسبها ونفوذها السياسي والمالي.
وقال في «تدوينة» له، إن «جنوب العراق سيجد، مع الأسف الشديد، أزمات جديدة بعد ضعف أو تراجع النفوذ الإيراني داخل البلاد، تتمثل في تحول بعض الفصائل إلى مافيات لن تتنازل عن مكاسبها ونفوذها بسهولة، وتتمكن بإمكانياتها المادية من الحصول على تأثير سياسي على السلطة».
وأضاف أن «إيران تشجع هذه الفصائل من خلال حاجة تحتاجها لمزيد من الأزمات خارج أراضيها، وعندها سيعض الرافضون لحصر السلاح بيد الدولة على أصابع الندم».