مشروع تعديل «قانون الأماكن المقدسة» الخاص بـ«حائط البراق» يمهد لوضع الأقصى تحت «سلطة الحاخامية»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس-«لقدس العربي»: أقر الكنيست الإسرائيلي، مساء أمس، بالقراءة الأولى مشروع تعديل «قانون الأماكن المقدسة» حيث ينص على وضع «حائط البراق» (المبكى حسب التسمية الإسرائيلية)، تحت السلطة الحصرية للحاخامات المتشددين، في خطوة من شأنها السماح لليهود المتدينين فقط بالصلاة في الموقع.
ويقع الحائط الذي يسمى كذلك «الحائط الغربي» داخل البلدة القديمة في القدس الشرقية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967.
وعقب باحث مقدسي بالتأكيد على أن المشروع يفتح الباب موارباً نحو وضع المسجد الأقصى وسائر «الأماكن المقدسة» تحت سلطة الحاخامية الرسمية الإسرائيلية، وهو ما ينبغي النظر إليه بعين الخطر.
وقال الباحث المقدسي المتخصص في شؤون المسجد الأقصى أن المشروع يأتي في إطار تصعيد الجهود لتغيير الوضع التاريخي القائم في الأقصى، ومحاولة إخضاع إدارة الأوقاف الإسلامية لشروط الاحتلال، علاوة على تمديد ساعات الاقتحام لتوسيع التقسيم الزماني، ومحاولة السيطرة على دار الحديث المجاورة لمصلى باب الرحمة في تجديدٍ لمسعى التقسيم المكاني، ودعوة المستوطنين لإغلاق الأقصى في #رمضان مع زيادة احتمالات العدوان الأمريكي على إيران.
وحاز مشروع القانون الذي طرحه النائب اليميني المتطرف «آفي ماعوز» على أغلبية 56 صوتاً مقابل 47 صوتاً معارضاً في القراءة الأولى.
ويُسمح لليهود بالصلاة في حائط البراق، حيث يعدونه الأقدس لديهم، ويقولون إنه آخر ما تبقى من الهيكل الثاني الذي دمره الرومان عام 70 ميلادياً. علما أن المسلمين ينظرون إليه باحترام وتبجيل لكونه المكان الذي ربط فيه النبي محمد دابته البراق ليلة الإسراء والمعراج.
وعقب الباحث ابحيص لـ»القدس العربي» أن تيارات دينية غير متجانسة تقود المشروع؛ إذ تقترحه الأحزاب الدينية التقليدية لتضع «الأماكن اليهودية المقدسة» تحت سيطرة الحاخامية في مواجهة محاولة التيارات الدينية النسوية والإصلاحية تغيير ترتيبات صلاة النساء في ساحة الصلاة أمام حائط البراق ويدعمه بن غفير والصهيونية الدينية أملاً في أن يستفيد من النص الفضفاض لـ»قانون الأماكن المقدسة»، والذي لا يحدد ما هي تلك الأماكن ولا من يقدسها، وبالتالي يسمح بوضع المسجد الأقصى تحت سلطة الحاخامية دون أن يحتاج للنص على ذلك صراحة، فيشكل بالنسبة له قفزة إضافية في تهويد المسجد الأقصى وتقويض الوضع التاريخي القائم فيه، وإنهاء دور الأوقاف الإسلامية.

نص فضفاض لا يحدد الأماكن ولا من يقدسها

ورأي الباحث المقدسي أن خطورة التعديل تكمن في أنه جاء من مكانٍ بعيد نسبياً، يسمح بتمريره دون أن يبدو وكأنه هجمة مفتوحة لتغيير هوية الأقصى والهيمنة عليه، وهو يتناسب مع السلوك الصهيوني الموارب والمتدرج حين يأتي الأمر لفرض خطوات تهويد كبرى في المسجد الأقصى.
وحول قصة التعديل القانوني أوجز قائلا: «إن خلافاً تاريخياً نشأ داخل ساحة الصلاة اليهودية عند حائط البراق، حيث تطالب التيارات الدينية النسوية والإصلاحية بتمكين النساء من الصلاة الكاملة، بصوت مرتفع وباستخدام لفائف التوراة وبلبس ملابس الصلاة «الشال والقبعة» أسوة بالرجال، وأن يفعلن ذلك في المساحة المفتوحة لساحة البراق، بينما تُقابل الحاخامية الرسمية ذلك بالرفض المطلق، باعتباره تغييراً لا يمكن السماح به في تقاليد الصلاة اليهودية، التي تحصر الصلاة الجماعية في الذكور البالغين، وتحظر على النساء لمس لفائف التوراة أو ارتداء ملابس الصلاة الأساسية».
وتابع حول الخلاف: «لقد تفاقمَ الخلاف خلال العقدين الماضيين، وهو ما أدى في شهر 1-2016 للوصول إلى تسوية بين الحكومة الصهيونية وحركة «نساء الحائط» التي تقود المطالب بتغيير طريقة صلاة النساء، بتوفير ساحة صلاة فرعية لهن في الجهة الواقعة جنوب باب تلة المغاربة المهدومة».
وفي وقت لاحق دخلت منظمات الهيكل حينها على الخط في هذه التسوية لتدعم مقترحاً سمي بـ»ساحة الصلاة العلوية» التي كان من المقرر أن تُقام على مستوى باب المغاربة في سور المسجد الأقصى وأن تتسع لـ 900 مصلٍّ، بحيث تتحول هذه التسوية إلى منصة تهويد توظفها منظمات الهيكل لاقتحام الأقصى، وأُحيل تنفيذ هذه المبادرة حينها للوكالة اليهودية لكونها تمثل يهود الشتات الذين يشكلون جزءاً من المطالبة بصلاة النساء.
وتابع قائلا: «في مقابل هذه التسوية، وضعت التيارات الصهيونية التقليدية ثقلها، وبالذات حزبي «يهودوت هتوراه» و»شاس» اللذان شكلا جزءاً أصيلاً في جميع الحكومات التي شكلها نتنياهو، لمنع بناء هذه الساحة العلوية الكبيرة لأنها ستشكل تغييراً للممارسة الدينية في العلن، وهو ما يمس بسلطتها، كما أنه سيزيد من مقتحمي الأقصى، وهو الأمر الذي ترفضه الحاخامية التقليدية لأنها ترى أن وقته لم يحِن بعد، لأنه مشروط بالمعجزة الإلهية بإنزال الهيكل من السماء وبالتطهر من نجاسة الموتى برماد البقرة الحمراء، وهي معجزات لم تتحقق بعد، ما جعلها ترفض مشروع هذا الائتلاف الهجين ما بين التيارات النسوية والإصلاحية وما بين منظمات الهيكل».
وبحسب المصدر فقد انتهى الصراع حينها إلى تقويض هذا المشروع في شهر 6-2017، وإعلان الحكومة الصهيونية التراجع عنه مع التزامها بتطوير محدود لساحة الصلاة الصغيرة الجنوبية، والتي تقع على مسافة من الحائط الغربي ولا تلاصقه، وهو محل الاعتراض المستجد للتيارات الدينية النسوية والإصلاحية.
مع تأخر الحكومة الصهيونية في تأهيل هذه الساحة الصغيرة، توجه ائتلاف التيارات الدينية النسوية والإصلاحية للمحكمة الإسرائيلية العليا لتجبر الحكومة على تمكين النساء من الصلاة بالطريقة التي يطالبون بها، وعلى تأهيل الساحة الجنوبية ووصلها بحائط البراق – ما يعني مزيداً من التهويد لمنطقة القصور الأموية في طياته.
وأضاف أن التيارات الدينية التقليدية ردت على القرار بتحرك تشريعي في الكنيست لتعديل «قانون الأماكن المقدسة» الذي سُن عقب احتلال القدس عام 1967 ونص على «حق أصحاب الأديان في الوصول إلى مقدساتهم» وعلى حمايتها «من التدنيس»، ولم يُعرّف الأديان والمقدسات كما سبق القول، ولم يُعرّف «التدنيس» ومرجعيته أيضاً، فقد كُتب النص حينها بأقل ما يمكن من التفصيل ليترك مساحة فضفاضة من التطبيق للحكومة.
وخلاصة الصراع أن المتدينون التقليديون يقترحون إدخال تعديل لنص القانون باعتبار الحاخامية الرسمية هي مرجعية تحديد طبيعة «التدنيس» في الأماكن اليهودية المقدسة، دون تحديد تلك الأماكن أيضاً، بحيث يحسمون هذا الخلاف لصالحهم في مواجهة التيارات الدينية النسوية والإصلاحية. وقد تخوفت منظمات الهيكل من ذلك بداية لأنه يسمح للحاخامية بإغلاق باب اقتحامات الأقصى لكونها ترى أن وقتها لم ياتِ بعد، وأنها لا تلتزم بشرط التطهر من نجاسة الموتى برماد البقرة الحمراء، لكن هذا تغير بتدخل إيتمار بن غفير وحزبه مؤخراً لصالح التيارات الدينية التقليدية هذه المرة، بعد أن تعلموا من فشل مخطط شارانسكي.
ما قاله بن غفير عند تدخله هو أن هذا التعديل يشكل فرصة تاريخية لوضع المسجد الأقصى تحت سلطة الحاخامية مستفيداً من نصه الفضفاض، بوقف جميع أنشطة المدارس ولعب الأطفال واحتفالات تكريم الحفاظ والإفطارات التي يقوم بها المسلمون في الأقصى، باعتبار أن كل هذه الأعمال «مدنسة» من وجهة النظر التوراتية… باختصار رأى فيه بن غفير فرصة لوضع المسجد الأقصى بأكمله تحت سلطة الحاخامية الرسمية وتقويض دور الأوقاف الإسلامية في القدس بشكلٍ نهائي.
وفي القراءة الأولى دعَم بن غفير وحزبه مشروع التعديل، ما يشي بوجود تفاهم بينه وبين التيارات الدينية التقليدية على أن هذا الدعم مشروط بعدم فرض رأيها فيما يتعلق بالاقتحامات، وبالعمل على توظيف القانون بما يخدم الطرفين معاً، وما زال القانون ينتظر القراءتين الثانية والثالثة ليصبح نافذاً…
وفي ذات السياق، ما زالت سلطات الاحتلال تصر على منع إدخال المظلات إلى الأقصى، فيما حاولت الأوقاف الإسلامية تركيب «شوادر» لعلها تتيح للمصلين أن يصلوا تحتها، لكن شرطة الاحتلال منعت استكمال تركيبها اليوم.
وقال مصادر مقدسية أنه مع استمرار منع إدخال وجبات الإفطار وتجهيزات العيادة وطواقمها، الاحتلال يحرص على تغيير الوضع القائم ووضع الأقصى تحت هيمنته، بينما المصلون يتوافدون إليه رغم الحواجز والتضييق وعدم وجود وجبات للقادمين من مسافات بعيدة ولا مظلات تقي الشمس أو تساعد في تخفيف البرد.
وفي اتجاه مواز، واصلت سلطات الاحتلال إصدار قرارات المنع، حيث شمل ثمانية قرارات حديدة بالإبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس المحتلة، ضمن سياسة تضييق ممنهجة تستهدف المواطنين ومرابطي المسجد والأسرى المحررين.
وشملت قرارات الإبعاد كل من الشاب محمود أحمد عطون، والمقدسية سعاد أبو رموز، والفتى جهاد السلايمة، والأسير المحرر صهيب الأعور من بلدة سلوان، والشاب المقدسي رمزي عبيسان العباسي، والشاب بلال سرحان، والشاب حاتم جبر العباسي، وجميعهم لمدة ستة أشهر، إضافة إلى الأسير المحرر خالد البطل الذي أبعد عن البلدة القديمة لمدة أسبوعين بعد اعتقاله والاعتداء عليه بالضرب أثناء سيره في منطقة باب الخليل.
وفي سياق متصل، وثقت محافظة القدس منذ بداية شهر شباط وحتى اليوم أكثر من 100 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى، فيما سجلت منذ بداية العام 2026 أكثر من 260 قرارًا مماثلًا، في إطار سياسة الإبعاد المستمرة.
كما وأدى مستوطنون صلوات تلمودية بشكل علني وجماعي أمام قبة الصخرة في المسجد الأقصى، وذلك تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال.
ويأتي اقتحام المسجد الأقصى ضمن سلسلة اقتحامات متكررة ينفذها المستعمرون بحماية قوات الاحتلال، والتي تهدف إلى ممارسة طقوس تلمودية داخل ساحات المسجد، وكجزء من محاولات الاحتلال لفرض واقع تغييري في المسجد والمدينة المحتلة، خاصة في منطقة البلدة القديمة والمناطق المحيطة بالأقصى.
ويتعرض المواطنون في القدس شكل متكرر لمضايقات خلال الاقتحامات، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية على المصلين وفرض قيود على الوصول إلى المسجد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية