مشاورات معمقة مع «الخبرة القطرية»… الأردن و«عضوية» مجلس السلام: فرصة «تأثير» أم «مأزق استراتيجي»؟

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: الصيغة التي استخدمها الناطق باسم الخارجية الأردنية تعليقاً على الدعوة التي تلقاها العاهل الملك عبد الله الثاني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام شخصياً وسياسياً إلى ما يسمى بمجلس السلام العالمي الخاص بملف غزة، صيغة توحي ضمناً بمستويات متقدمة من التحفظ الأردني الدقيق في دراسة هذه الدعوة ودلالاتها الرمزية والسياسية.
قالت الخارجية الأردنية في بيانها المقتضب أنها تلقت الدعوة وأنها ستبحث في ضوء القوانين الداخلية.
وتصادف الإعلان عن توجيه الدعوة مع وجود شريك مهم في معادلة ملف غزة ولديه خبرة واسعة وتفصيلية، وهو رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الذي وصل عمان مبكراً لقيادة وفد بلاده في اجتماعات اللجنة العليا المشتركة مع الحكومة الأردنية.
وجود لاعب مشارك في غالبية تفاصيل ملف غزة من وزن الشيخ آل ثاني، فرصة للتشاور الثنائي والجماعي عندما يتعلق الأمر بحسابات المزايا والمخاطر في الدعوة الأمريكية.
والضيف القطري عرض تصور بلاده على الأرجح، وعقد مباحثات معمقة مع رئيس وزراء الأردن جعفر حسان الذي عاد للتو من بيروت بدوره ومع نظيره وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي قبل عقد جلسة مباحثات مباشرة مع القيادة الأردنية خلال استقبال القصر الملكي لرئيس الوزراء القطري.
يعني ذلك ضمناً أن المشاورات في إطار شراكة تتقدم بوضوح بين عمان والدوحة، وناقشت السيناريوهات والاحتمالات فيما يخص الدعوة التي وجهها ترامب لكي يصبح الأردن طرفاً في هيئة مجلس السلام العالمي، بالرغم من أن عمان غير مرتاحة إطلاقاً لمجمل الاجتهادات والتصورات الرئاسية الأمريكية فيما يخص الملف الفلسطيني عموماً هذا أولاً، وثانياً مستوى الغطاء الذي توفره إدارة ترامب لحكومة اليمين الإسرائيلي القائمة، التي يصفها الخبير السياسي البارز الدكتور جواد العناني في نقاش حديث مع «القدس العربي» بـ «فاقدة للأهلية وإمكانات الثقة في الحسابات الأردنية».
واضح تماماً لعمان الرسمية والسياسية أن طاقم الرئيس ترامب يدير مجمل ملف مجلس السلام والهيئات الناتجة عنه بعيداً عن رغبات نتنياهو، لكن التجربة الأردنية في الماضي عموماً معقدة جداً ولا يمكن إقامة حساب دقيق بناء عليها مع وجود أطراف محددة في مجلس السلام المشار إليه تصنف أردنياً بأنها غير موثوقة أيضاً، أو متلاعبة.
ثمة قائمة في ذهن المؤسسة الأردنية تشمل المستشار جاريد كوشنر صاحب أعلى معدلات ضغط على الأردن أيام صفقة القرن الأولى التي رفضتها عمان. وتشمل أيضاً البريطاني توني بلير، الذي زار عمان قبل أسابيع والتقى فيها بنائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ دون ترتيب أي لقاءات مع مسؤولين أردنيين.
يقر العناني بأن الأردن يؤسس خطوات عميقة في شراكة موثوقة مع الأوروبيين، وبأن ذلك ينتج عنه تعقيدات يعلمها الخبراء السياسيون.
الانطباع متقدم ومبدئي بأن الأردن لا يرتاح بالعمل مع الثنائي كوشنر وتوني بلير، حيث كان رئيس الوزراء الأسبق الراحل الآن علي أبو الراغب، قد وصف في حديث نشرته «القدس العربي» توني بلير بـ «سمسار لعوب» لا تثق به المؤسسة.
المشاورات مع الوفد القطري الرفيع الذي وصل إلى عمان، الأحد، قد تخدم مسار العصف الذهني الأردني سياسياً.
وخطوة من طراز قبول دعوة ترامب والتورط في التفاصيل والحيثيات، من الصعب لعمان اتخاذها أو رفضها بدون مشاورات بغطاء سياسي مع محور عربي آخر مهم، يشمل قطر ومصر، وإلى حد ما السعودية، مع بقاء الأردن في كل خطواته في أقرب مسافة ممكنة من الشرعية الفلسطينية وموقف السلطة والرئيس محمود عباس.
يعني الأمر -وهذا ما يلمح له العناني- أن خطوات المطبخ الأردني لا تؤخذ في اتجاهات فردية، لكن في سياق تشاوري أعرض يقيس كل الاعتبارات مع توفر قيد دائم عنوانه الثوابت الأردنية.
لم تعلق الحكومة الأردنية رسمياً بصورة تفصيلية على الدعوة التي وجهها ترامب للملك.
وما قالته الخارجية بعد الإشادة بدور الرئيس ترامب عموماً ضمناً، أن المسألة إجرائياً تحتاج إلى مشاورات ذات طابع قانوني.
وهو إيحاء بأن الاعتبار السياسي في انضمام الأردن رسمياً إلى مجلس السلام الجديد برئاسة ترامب سيؤخذ بالحسابات الدقيقة ودون تسرع أو انفعال، وطبعاً بعد إجراء مشاورات مع شركاء وفي إطار تفكير تفصيلي للحسابات الواقعية، خصوصاً أن الأردن في الخطاب الرسمي يدعم جهود وقف الحرب على غزة، وسبق له أن أرسل مندوباً عسكرياً ضمن طاقم المركز الأمريكي العملياتي الذي كلف بمراقبة وقف إطلاق النار بمرحلته الأولى.
الباحث السياسي الأردني وائل المنسي، نشر يقول: دعوة ترامب اختبار استراتيجي معقد، وتؤسس أردنياً لمفترق طرق، وصولاً إلى مجسات تقرأ المخاطر والاحتمالات والسيناريوهات، إضافة إلى خلاصة فكرتها.. «انضمام الأردن لمجلس السلام العالمي قد يمثل عملية بقاء داخل التأثير بدون التفريط بالثوابت».
عمان رفضت مبكراً الانضمام إلى جهود الوساطة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، في موقف تمكن عبره الأردنيون من التركيز على تلبية الاحتياجات الإنسانية لأهل قطاع غزة، والتأسيس لمساحة مناورة وحراك نشط في المجتمع الدولي يعري -برأي السياسي والبرلماني محمد الحجوج- منطق الجريمة الإسرائيلية وجذرها.
لذلك، المقياس المتعلق بالابتعاد عن محور الوساطة لأسباب متعددة أغلبها داخلي قد لا يصلح لمقاربة في مسألة التمثيل الملكي في مؤسسة مجلس السلام العالمية التي تبدأ في غزة، لكن إشكاليتها الأساسية أنها مرتبطة بشخص الرئيس ترامب حصراً.
ما تهتم به عمان بشكل كبير دوماً هو الحرص الشديد على ألا تفصل غزة عن الضفة الغربية، والحرص الأشد على أن تمثل محطة مجلس السلام في غزة بعد التمكن من عزل الحرب والإبادة تماماً جزءاً من مسار أبعد وأكبر يقود إلى عملية سلام يقول كل الفرقاء إنها ماتت.
عمان في خيار التأثير تجري حساباتها بدقة، والأرجح أنها ستتريث قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن تلبية دعوة الرئيس ترامب، فيما وجهات النظر المتعددة تستقر أو تتلامس وتتفاعل على المستوى النخبوي داخل تقديرات المؤسسات.
التيار المؤمن بمسارات التكيف وبتجنب تكرار خطأ صفقة القرن الأولى وبطرح سؤال المصالح الوطنية بالدرجة الأولى، قد يدعم بقاء الأردن في عمق معادلة مجلس السلام.
لكن التحفظات السياسية والبيروقراطية وأحياناً الأمنية ومزاج الشارع، كلها عناصر قد تدفع باتجاه الاحتفاظ بسياسة النأي بالنفس عن الغوص في التفاصيل، والتركيز حصراً على لوجستيات المساعدة والإغاثة، ودعم خطط إعادة الإعمار دون توفر ضمانات بأن يسمح الأمريكيون بذلك، ودون توفر ضمانات بتجنب الأضرار الناتجة عن ممارسة الابتعاد ورفض الدعوة الترامبية، خصوصاً أن الشرعية الفلسطينية بشقيها الرسمي والفصائلي المقاوم، أعلنت دعم خطة الرئيس ترامب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية