عكار هي إحدى محافظات لبنان السبع، تمتد من مجرى نهر البارد، حتى مجرى النهر الكبير بمحاذاة الحدود مع سوريا في الشمال، بمساحة تزيد على 776 كيلومترا مربعا. وتبعد عن العاصمة اللبنانية بيروت حوالي 110 كلم.
وتكتنز منطقة عكار بكامل رقعتها الجغرافية تراثا غنيا لحضارات وشعوب عبرت أو استقرت فيها منذ أكثر من 6 آلاف سنة مخلدة حضورها بعشرات المواقع الأثرية والتراثية التي ما زالت في قسم أساسي منها ظاهرة للعيان، من حصون وقلاع ولوحات ونقوش محفورة على الصخر، ومعابد قديمة وكنائس ومساجد وتكايا وسرايات وبيوت ومعاصر ومطاحن وأدوات منزلية، إلى العديد من الخانات والطرقات والجسور الحجرية المقنطرة، وكهوف ومغاور ومدافن لكل منها في تاريخ هذه المنطقة قصص وروايات. منذ العصور الحجرية القديمة إلى العصور الحديثة وما بينها من عصور متعاقبة كان لكل منها في محافظة عكار موقع وأثر.
أطلال بيزنطية
ومن أبرز مواقعها الأثرية: قلعة عكار العتيقة، وقلعة القليعات، ومغاور الشيخ زناد التي تعود للحقبة الفينيقية وفي محيطها آثار لأبنية تراثية قديمة تعاند رياح البحر وأمواجه العاتية.
وقلعة البرج في جرمانيا في وادي خالد وان الاسم الصليبي للقلعة بحسب العالم الأثري ديسو هو الـ»ميليشين». وفي بلدة الهيشة وادي خالد تنتشر عشرات المدافن المحفورة في الصخر، إضافة إلى عدد من الآبار الارتوازية، وفي مدينة جرمنايا العريقة تاريخيا في عكار لا تزال أطلال منازل وبقايا المدينة البيزنطية المعروفة ظاهرة بالقسم الأكبر من معالمها وتقدر مساحتها الاجمالية نحو 200 ألف متر مربع. وجرمنايا كانت مدينة بيزنطية ومركز أسقفية.
أما في قرى حنيدر وحرب عارة وخربة القصر وخربة السنديان والدعيتر والتلة وقرحة في وادي خالد أيضا، فتوجد أطلال لمنازل قديمة حجارتها بازلتية سوداء. ومغارة رجم خلف التي تم اكتشافها في العام 2000 تعود إلى العصر البرونزي نظرا للآثار التي عثر عليها في داخلها. وفي عكار العتيقة وبالقرب من قلعة آل سيفا ما زال محراب الجامع المملوكي الذي بناه السلطان قلاوون قائما وفي حي زبود في البلدة عينها كهوف صخرية منحوتة وفي داخلها عشرات النواويس يعود تاريخ بنائها إلى العصر البابلي.
وتعتبر قلعة حلبا التي كانت مسكنا لعشيرة السينيين الكنعانية، من أهم القلاع في المحافظة.
وقلعة عروبة في أعالي جبال عكار تقع على جبل يرتفع 2400م عن سطح البحر، ويروي المستشرق اليسوعي الأب مارتين أن القلعة بنيت في القرن التاسع قبل الميلاد لكن لم يبق منها الآن سوى أطلال حجارة وفي محيطها مدافن محفورة في الصخر، بالإضافة إلى قلاع السلاسل والسن وفيليكس.
محمية طبيعية
تعتبر محافظة عكار شمالي لبنان واحدة من أكثر مناطق التنوع البيولوجي أهمية، ليس في لبنان فحسب انما على مستوى الشرق الأوسط، كما أنها فائقة الإخضرار والغنى الطبيعي والأثري، وكيفما توجهت يقع نظرك على الأنهر والشلالات، وتمتد فيها الغابات المختلفة الأنواع والأحجام والتي تحتوي على شتى أصناف النباتات والزهور والفطريات النادرة، وتعتبر ملجأً للحيوانات ومنها السناجب والأرانب والضباع.
يشكل السهل الساحلي الغربي للمحافظة ثاني أكبر منطقة زراعية في لبنان بعد وادي البقاع بينما يتميز الشرق بجبال تعتبر محمية طبيعية وطنية. وقدرت الأمم المتحدة عدد سكان المحافظة بـ 389.899 بمن فيهم 106.935 نازح سورى و19.404 لاجئ فلسطيني، يعيش 80 في المئة من سكان المحافظة في المناطق الريفية.
السياحة البيئية من القطاعات الوحيدة التي تشهد نمواً ملحوظاً في عكار ويعود الفضل بذلك إلى مبادرات فردية مثل مجموعة «درب عكار» أو «مجلس البيئة في القبيات» وبفضل هذه الجهود الجبارة أصبحت عكار مقصداً لهواة رياضة المشي والتخييم، في محاولات لخلق هوية جديدة لعكار: المناظر الطبيعية ودروب المشي، عكار وغاباتها الفريدة وأشجارها المعمرة. وكان هذا الباب، فرصة أيضاً لإتاحة فرص عمل ولو قليلة لعدد من شباب عكار، كأدلاء جبليين يرافقون المجموعات السياحية واللبنانيين الفارين من زحمة المدن وغابات الاسمنت إلى دروبها.
وأصبحت أسماء قرى مثل فنيدق، والقبيات، ومشمش، وعكار العتيقة معروفة ويشار إليها على أنها الأجمل في لبنان من حيث الطبيعة والغابات وازدهرت فيها بيوت الضيافة.
وتعتبر قرية بينو في عكار من أهم المعالم الأثرية والسياحية التي يقصدها الكثيرون، حيث أنها تتمتع بمناخ معتدل صيفاً وبارد شتاءً، وتشتهر بينو بزراعة الزيتون واللوز والحبوب. وأيضا القرية معروفة بصناعة عصير الرّمان وماء الورد وماء الزّهر وبوجود مطرانية الروم الأورثوذكس المبنية من الحجر القديم ومعامل لصناعة الصابون والشمع والخشب وغيرها. ويعمل أهالي القرية في تربية المواشي والدواجن في مزارع خاصة لهم.
وشدد الدكتور عمر مطيلب أستاذ الجغرافيا في معهد الدراسات البيئية، على أهمية سوق عكار التجاري لتنمية الحركة السياحية والتجارية في شمال لبنان، وأكد لـ«القدس العربي» أن السوق التجاري يعتبر السوق المركزي لأهالي المنطقة وزوارها، لافتا إلى أن السوق عكّار يقع في بلدة قبة شمرا بالقرب من بلدة ببنين بعد مستديرة العبدة على بعد 20 كلم شمال مدينة طرابلس ومينائها. كما يبعد السوق 3 كلم عن مطار القليعات الذي تُخطّط الحكومة لاستعماله كمطار لنقل البضائع.
نباتات وأزهار نادرة
ولغرض الاستمتاع بجمال الطبيعة والمعالم الأثرية تنظم «مجموعة درب عكار» رحلات لمجموعات سياحية تعنى بالبيئة وبجمال الطبيعة بين الوديان، انطلاقا من بلدة القمامين في عمق وادي جهنم على مجرى النهر البارد، عبر جزء من مسلك القسم الثاني لدرب الجبل اللبناني، ثم صعودا إلى عمق وادي حقل الخربة – مشمش عكار، حتى عين المشلة والعودة على المسلك الموازي له، الوادي الفائق الروعة.
وقال أحد الناشطين البيئيين المهتمين في المجموعة بأرشفة الزهور البرية في عكار علي طالب: «أتت كل الأزمات المتلاحقة لتذكرنا بضرورة إعادة اصلاح الرابط الذي كاد ينقطع بين الإنسان والأرض وبيئته».
وأشار إلى ان «هذه الدرب التي قصدناها في رحلة هذا الأسبوع غنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ففضلا عن كونها خزانا طبيعيا للينابيع والمياه، فهي خزان هائل لمنظومة مهمة جدا من النباتات والأزهار النادرة».
أضاف: «نحن في فريق درب عكار نستمر في توثيق ثروة عكار الطبيعية التي تتقلص يوما بعد يوم لأسباب متنوعة، ووادي جهنم وتفرعاته يضم أهم الأشجار والنباتات البرية، لدرجة أننا السنة الماضية اكتشفنا نوعا جديدا من السحلبيات يوثق للمرة الأولى في لبنان، وخلال رحلتنا هذه صادفنا أكثر من 14 نوعا منتشرا في الوادي منها، السفلنتيرة طويلة الاوراق، وسحلب الأناضول وسحلب ايطاليا والسحلب ثلاثي الأسنان، واستطعنا توثيق وجود السحلب المنقط لاول مرة في بلدة مشمش، كل هذا يضعنا أمام مسؤوليات كبيرة لجهة حماية هذه المنظومة الطبيعية والحفاظ عليها من التعديات مهما كانت».
كما نظمت شركة «33 North» رحلة سير على الأقدام في ربوع منطقة عكار، استمرت أربعة أيام متتالية، وشارك فيها ناشطون بيئيون وسياح من جنسيات مختلفة، اطلعوا خلالها على طبيعة عكار وغاباتها ومعالمها الأثرية والتراثية، وتعرفوا إلى التقاليد العكارية وكرم ضيافة أبناء عكار وميزة المطبخ العكاري العريق.
وأوضح مدير الشركة المنظمة الدليل الجبلي جيلبير مخيبر أن هذه الجولة والزيارة التي استمرت أربعة أيام سيرا على الأقدام، تقع تحت مظلة تشجيع سياحة المغامرة والسياحة البيئية والسياحة التضامنية، دعما للمجتمعات المحلية لتمكينها من الصمود في مواجهة التحديات القاسية بفعل الأزمة الاقتصادية الصعبة، وبهذا المعنى إثبات أن القطاع السياحي هو الأسرع بالنهوض في حال أحسنا إدارته بالاطر العامة كافة، وبخاصة لجهة تقديم أسعار تشجيعية محفزة للسائحين لزيارة هذه المناطق الريفية الجميلة والغنية بطبيعتها وبمواقعها التراثية والأثرية، وبمنتجاتها الزراعية المتنوعة والغنية جدا» حيث أن الوفود الزائرة بإمكانها الإفادة من تقديمات بيوت الضيافة والتمتع بالأطباق القروية، كما بامكانهم شراء منتجات زراعية طبيعية متنوعة.
رغم الطبيعة الخلابة، والقلاع والمعالم الأثرية، والثروات الزراعية في محافظة عكار شمال لبنان، تعاني المحافظة تاريخيا من التهميش والإهمال وتعتبر من المناطق الأكثر فقراً في لبنان ولديها أعلى نسبة من الأمية في البلاد وتعاني من نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية. وأدى التدفق الأخير للنازحين السوريين إلى تفاقم هذه المشاكل حيث وصل معدل البطالة في المحافظة إلى ما يقرب من 60 في المئة وارتفع المعدل إلى حد خطير بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان وانتشار فيروس كورونا.