مخرج الوثائقيات المصري طارق الزرقاني.. وزارة الثقافة غير متحمسة للسينما وللثقافة بوجه عام

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: دائماً ما يرتبط الفيلم الوثائقي الإبداعي بمناقشة قضايا جادة، محاولاً اكتشاف أسبابها العميقة، ومعبّراً بذلك عن اللحظة الراهنة التي يمر بها المجتمع، من دون صخب وجعجعة جوفاء وشعارات تبعده عن كونه عملاً دعائياً، ولو حتى بمفهوم المخالفة أو المعارضة الساذجة. وتأتي أعمال المخرج المصري طارق الزرقاني، لتكشف عن قضايا ومشكلات غالباً ما تغض عنها الطرف عمداً وسائل الإعلام، مكتفية فقط بالتهليل لانتصارات باهتة لا هم لها سوى تجميل وجه هذا النظام أو ذاك.
ومن أعمال الزرقاني التي نالت الاستحسان والجوائز خارج مصر قبل داخلها نذكر منها «رغيف العيش والحرية»، «أطفال العصافير»، ومؤخراً «أربع ستات في سوق الخميس». ومصادفة يتماس اسم الفيلم ووثائقي آخر بعنوان «أربع ستات من مصر» إنتاج مصري كندي عام 1997 ومن إخراج تهاني راشد. وما بين سوق الخميس ومصر، تتباين العوالم والشخصيات، ليبدو السؤال البدهي.. عن أي مصر وأي نساء (عن فيلم تهاني راشد راجع «القدس العربي» 5 يوليو/تموز 2024)، فعمل راشد يتناول نضال الشوكة والسكين، وما بين سجنهن والتضييق عليهن، إلا أن نساء الصفوة حققن مكاسبهن، فكانت سنوات السجن استثماراً لاستمرارهن وصخبهن. أما نساء الزرقاني (بتوع سوق الخميس) فهن في سجن أبدي من الميلاد حتى الموت، رحلة شقاء لا تنتهي.. أمهات وجدات، يقطعن مسافات طويلة لبيع ما تيسر من خضراوات وفواكه، وكذا بعض الأطعمة التي يتم تجهيزها في بيوتهن، فنضالهن المستمر يتمثل في إعالة أسرهن بصورة كاملة، لفقد الزوج أو مرض أقعده عن العمل، نضال خافت، لا يعرف عنه أحد ولا يريد.


عن الفيلم وطبيعة ودور الوثائقي، وكذا دور وزارة الثقافة المصرية في إنتاج مثل هذه الأعمال، كان الحوار مع مخرجه..
*لماذا اختيار هذه الفئة والتعبير عنها؟
ـ أنا مهتم بالطبقات المهمشة في المجتمع، لأنها تشكّل نسبة كبيرة في البلد وتتسع عاماً بعد آخر. هؤلاء الناس ليس لديهم صوت يعبر عنهم أو يشعر بهم، فهُم ضحايا لاختيارات سياسية واقتصادية، لم يكن لهم أي يد فيها، فقط يدفعون ثمنها فقراً وجهلاً ومرضاً. وأتذكر البيان التأسيسي للتسجيليين المصريين، أن أحد أهم أدوارهم هو الاهتمام بهذه الطبقات أو الفئات.
*وكيف ترى التعبير من خلال فن السينما؟
ـ أرى أن الفنان والمثقف يجب أن يكون على يسار السلطة، فالفن ليس تقديم الواقع، بل الدعوة إلى واقع أفضل، وكما قيل.. الفن مطرقة تكسر الواقع لتعيد تشكيله على نحو أفضل.
*وما الفارق بين التجارب الوثائقية الفنية والدعاية لنظام سياسي أو ما شابه؟
ـ هناك فارق شاسع فـ (الفيلم الدعائي) نوع من الوثائقي، لكنه وثائقي مزيف مزور قد يسبب كوارث للمجتمع، بل إنه فعل ذلك فعلاً، فاللص أصبح شريفاً واختلت المعايير وتم تزيف الوعي.
*دور التقنية الحديثة في صناعة الأفلام، فالجميع الآن يستطيع التصوير وتحرير الموضوعات المصوّرة، فما مدى إيجابية وسلبية هذه التقنيات؟
ـ التقنية الحديثة سلاح ذو حدين.. إذا استخدمت بشكل يدعم الفن والفنان ستكون ذات فائدة كبيرة، أما إذا استخدمت كبديل للفنان، كما نرى في بعض المحاولات، كأن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في كتابة السيناريو مثلاً، وإلغاء دور السيناريست والكاتب، سيفقد الفن جانبه الإنساني وسيفقد الروح والمشاعر ويتحول إلى قوالب جامدة.
*كيف كان التصوّر أو التفكير في فيلم «أربع ستات في سوق الخميس»؟
ـ بدأت الفكرة اثناء قيادتي السيارة وبصحبتي زوجتي في ميدان الرماية تجاه هضبة الأهرام، والطريق كان مزدحماً. القدر وحده اختار لي أن أكون خلف سيارة نصف نقل تحمل الريفيات البسيطات وهن يجلسن على أرضية السيارة وفوقهن لوح خشبي يقسم السيارة أفقياً وعليه بضائعهن. هذه كانت المرّة الأولى التي أرى فيها هذا الوضع بهذا القرب، ولهذه المدة الزمنية الطويلة. للأسف كان وضعاً غاية في البؤس والحزن، فهذه طريقة نقل غير آدمية ـ هكذا تنقل الخراف والماعز ـ مع الزحام وتوقف حركة السير كنت أتحاشى النظر إليهن، وأتحاشى أن تتلاقى عيوننا خجلاً، فأنا أجلس في سيارة مكيفة، على الرغم من تواضعها، وهن مكدسات على أرضية السيارة التي تنقلهن في حر شديد. لاحظت زوجتي ذلك وقالت لماذا لا تعمل فيلم عنهن. وقتها قررت وتمنيت أن تكون الكاميرا مكان هؤلاء السيدات على أرضية السيارة مكان جلوسهن، لتنقل لنا إحساسهن بالتناقض، ولاسيما أن حولهن باصات تحمل السياح وسيارات فارهة متجهة إلى المجمعات السكنية في طريق الواحات والشيخ زايد. كان هدفي رؤية الصورة من خلال نظراتهن الحزينة والمكسورة.. كنت شايف أنهن بطلات حكاية حزينة.
*وماذا عن مراحل صنع الفيلم والمعوقات التي واجهته؟
ـ لعدة أسابيع كنت أذهب إلى ميدان الرماية (الكلام ده كان قبل إلغاء وتعديل المنطقة) وبعد سؤال بعض الباعة وأصحاب الأكشاك، علمت مكانهن في (سوق الخميس) في هضبة الأهرام، وهذه كانت الصعوبة الأولى. أما الصعوبة الثانية فكانت في كيفية إقناعهن بالموافقة على التصوير، فهن من أهل مدينة الفيوم، أول خط الصعيد وعندهن حساسية مع الكاميرات وحساسية لوضعهن، وكان الخوف أن يرفض أزواجهن، أو أبنائهن الظهور على الشاشة. هذه المحاولات استغرقت ما يُقارب الستة أو السبعة أشهر، لأنهن يأتين إلى السوق أسبوعياً وليوم واحد فقط هو الخميس، ويُغادرن الجمعة. طوال هذه المدة كنت أذهب إلى السوق لأعرف المزيد عن ظروف وطبيعية العمل فيه. وعلمت أن معظم سيدات السوق من الفيوم وكل مجموعة من القرية نفسها تأتي معاً للسوق وتعود معاً، حيث يقضين ليلتهن في العراء بجوار بضائعهن حتى صباح يوم الجمعة، فكان البحث عن مجموعة توافق على التصوير في السوق وفي بيوتهن في الفيوم. صراحة كنت محظوظا في إقناعهن، ساعدني في ذلك سائق السيارة التي تنقلهن من وإلى الفيوم، لأنه كان همزة الوصل مع أزواجهن وأهلهن. الصعوبة الثالثة كانت فى تصاريح التصوير في الشوارع وفي السوق، خصوصاً بعد التوقف بسبب وباء كورونا، وإغلاق السوق، وللأسف البيروقراطية وسوء الإدارة فى (المركز القومي للسينما) تسبب في رفض وزارة الداخلية التصوير في طريق الفيوم، وتسبب في رفض تجديد التصريح، فحُرمت من تصوير أهم مشهد لهن داخل السيارة التي تنقلهن، وتصوير معاناة الطريق من وإلى القاهرة.
للأسف الفيلم استغرق حوالي أربع سنوات لإنهائه. كورونا كانت التوقف الوحيد القدري والمقبول، أما التوقف بعد ذلك لمدة عام تقريباً، فكان بسبب سوء النية وسوء الإدارة في المركز، حيث كان هناك تعمد لتعطيل الفيلم بادعاء إنه ينقل صورة سلبية ومشوهة، والحمد لله الرقابة وافقت على الفيلم من دون أي حذف أو تعديل.
*وهل تغير الحال الآن؟
ـ كنت أتوقع أن يخبروني أن فلانه بطّلِت تنزل السوق لأن أحوالها تحسنت، لكن للأسف.. فبعد مرور خمس سنوات على بداية تصوير الفيلم ذهبت للسوق وقابلت السيدات (بطلات الفيلم) وجدتهن على الحال نفسه، في الأماكن نفسها، مفترشات الأرض، أمامهن بضائعهن البسيطة من خضروات أو عيش فلاحي، كأن الزمن توقف عند عام 2020. وسألتهن عن أوضاعهن هل تغيّرت؟ فكان الصمت ونظرات الحسرة على وجوههن أبلغ من أي رد. ولولا تأكدي من صعوبة الحصول على تصاريح تصوير، لكنت بدأت في فيلم (أربع ستات بعد خمس سنوات).


*ولماذا لم يُعرض الفيلم على نطاق واسع؟
ـ رغم أن الفيلم ذهب لعدة مهرجانات، إلا أن عرضه بشكل أوسع كان من المفترض أن يكون هذا دور (المركز القومي للسينما)، حتى إنه إلى الآن لم يعرض في (مركز الثقافة السينمائية) التابع للمركز! ولم ولن أطلب منهم عرضه. وأتذكر أن هذا بالضبط ما حدث مع فيلم «أطفال العصافير». التخوف نفسه والتصرفات الرخيصة نفسها. وتحجج القائمين على إدارة المركز وقتها بأنه تم رفضه من قِبل لجنة مشاهدة مهرجان الإسماعيلية، فطلبت تقرير اللجنة ـ وهذا من حقي ـ فغيروا كلامهم وقالوا إنه لم يُعرض على لجنة المشاهدة، بل على لجنة خاصة شاهدته ورفضته، ولم تكتب تقريرها! لكن حينما فاز الفيلم بأفضل وثائقي في المهرجان القومي للسينما، ثم مهرجان الإسكندرية، ثم قابس في تونس، وكذا الهند والعراق، وجائزة الإبداع العربي، وعُرض في عدة مهرجانات أخرى، بدأوا في الاهتمام بالفيلم.
*وكيف ترى أسباب ومبررات المكان الوحيد في الدولة المنوط به إنتاج مثل هذه النوعية من الأعمال؟
ـ أعتبر نفسي ابن (المركز القومي للسينما)، فقد عملت مساعداً للإخراج في المركز، ولم أزل طالباً في معهد السينما، وبعد تخرجي وتعييني في المركز أخرجت فيلمين عامي 1984 و1985. تعاملت مع قمم في المركز.. صلاح التهامي، هاشم النحاس وشادي عبد السلام. أتذكر أنني كنت أقوم بعمل فيلم عن جهود مكافحة المخدرات، وكنت أريد تصوير حملات حقيقية على المهربين. فجأة أبلغني مدير مكافحة المخدرات أن «حملة مهمة طالعة بكرة سينا .. لو عاوز تعمل فيلم كويس اطلع معانا». فقلت له موافق، وذهبت مُسرعاً إلى المركز، وقلت لهم «عاوز أسافر بكره سينا»، فتمت الإجراءات كلها في اليوم نفسه، حتى إننا ذهبنا إلى منزل مدير عام الإنتاج ليلاً لتوقيع الأوراق. أتذكر هذه الحكاية بمناسبة فيلم (أربع ستات في سوق الخميس)، فالمركز ورئيسه ومدير عام إنتاجه احتاجوا شهراً كاملاً لإرسال طلب تصريح التصوير، وشهرين أو أكثر لاستلام التصريح، فوجدت أن تاريخ الموافقه انتهى، ولذلك رفضت الداخلية تجديد التصريح إلا ليوم واحد فقط. هذا هو الفارق بين 1984 و2022. للأسف المركز مرّ ويمر للآن بظروف صعبه جداً، وفي لحظه شعرنا أن هناك نية لتصفيته وإغلاقه، ويبدو أن وزارة الثقافة غير متحمسة للسينما، خاصة وللثقافة عموماً. فهل من المعقول أن أجري في الفيلم عام 1984 كان على لائحة أجور ما زالت تطبق حتى الآن! وهذا سبب تقاعس البعض عن العمل في أفلام المركز. بخلاف ضعف الأجهزة وتخلفها وغياب الصيانة. ناهيك من الفساد ورعاته، فأحد هؤلاء ـ كان رئيساً للمركز ـ عيّن السائق الخاص به في المركز في لجنة الإشراف على الإدارة العامة للإنتاج، وخص أحد أعضاء مجلس الإدارة بدعم تمويل ثلاثة أفلام، وغيرها من المخالفات الجسيمة، فذهبنا ومجموعة من الزملاء إلى جابر عصفور وقت توليه وزارة الثقافة، فصحح الوضع وعزل رئيس المركز وحل مجلس الإدارة. ورغم محاولات جادة ومخلصة من بعض مديري عام الإنتاج ورؤساء المركز، لكن للأسف كثير من زملائنا وأصدقائنا الذين تولوا مراكز إدارية تحولوا إلى موظفين، كل هدفهم البقاء فى المنصب، والتجديد لهم والطمع في منصب أعلى في الوزارة، فحرصهم على الكرسي أهم من حرصهم على الإبداع وحرية الرأي والتعبير، لدرجة أن إحداهن لإظهار ولائها لمن في يده المناصب نقلت معلومات كاذبة عن فيلمنا، وتسببت في مشاكل عديدة لزملاء آخرين، كان من الممكن أن تتسبب في ملاحقتهم أمنياً، وإصدار أحكام قضائية في حقهم كفيلة بالقضاء على مستقبلهم!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية