لندن ـ «القدس العربي»: أثار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الذي صدر الأسبوع الماضي، والذي يوافق على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة والشرق الأوسط، أثار موجة واسعة من الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تحول إلى مادة أساسية للجدل في أوساط العرب والفلسطينيين، خاصة ما يتعلق بما يُسمى «مجلس السلام العالمي» الذي يديره ترامب نفسه والذي سيُشرف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة.
وسرعان ما اشتعلت الكثير من التساؤلات عن «مجلس السلام» وعن القوات الدولية التي ستدخل قطاع غزة بموجب هذا القرار، إضافة عن الحديث عن نزع سلاح قوى المقاومة في غزة وفرض واقع جديد على الفلسطينيين في القطاع.
ووصف الكثير من المعلقين هذا المشروع بأنه «إعادة استعمار للمنطقة»، فيما قال آخرون إنه «انتداب جديد» على غرار الانتداب البريطاني للمنطقة العربية والذي انتهى في النصف الأول من القرن الماضي، فيما رحب البعض بالمشروع ورأوا أنه فرصة للتخلص من الحرب وتغيير الواقع الحالي المأساوي في قطاع غزة.
انتداب جديد بنكهة أممية
وكتب الصحافي والكاتب الفلسطيني ياسر الزعاترة معلقاً عبر حسابه على شبكة «إكس» بالقول: «من يقرأ النصّ الأمريكي الذي تم تقديمه إلى مجلس الأمن لإنشاء ما يُسمّى (مجلس السلام) سيُصاب بالقهر حين يعلم أن 14 دولة عربية قد وافقت عليه.. إذا قرأت النصّ ستتأكّد أن توني بلير هو من كتبه بتفاهم مع ويتكوف وكوشنر، فيما تمّ تسويقه على ترامب كمحطة هيْمنة على المنطقة، تماماً كما حدث مع جورج دبليو بوش، فيما خصّ احتلال العراق وأفغانستان».
وأضاف الزعاترة: «الخلاصة هي انتداب جديد بنكهة أممية في الظاهر؛ (صهيوأمريكية) في الباطن، إذا لا ذكر للانسحاب، والأونروا خارج السياق، ولا ذكر للضفة الغربية وما يجري فيها.. الخطّة هي فصل عملي لقطاع غزة عن الضفة الغربية، ووضع الأول تحت ولاية دحلان الضمنية أو من يمثّله، فيما تستمر لعبة تصفية القضية عبر الاستيطان والضمّ في الضفة الغربية، وصولاً إلى التهجير، وطبعا ضمن أجواء «سلام اقتصادي» وأحاديث عن الاستثمار والتنمية والازدهار».
وينتهي الزعاترة إلى القول: «في الجوهر هي خطّة لصهْينة المنطقة يتمّ تمريرها بتوقيع عربي.. قناعتنا أن المشروع سيفشل، لكن بؤس المواقف العربية والإسلامية الرسمية، سيجعل مواجهته أكثر صعوبة وكُلفة، لكنه مصير الأمّة، ولا مناص من الدفاع عنه بالأيدي والأسنان وباللحم الحي».
أما وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام فكتب يقول: «سؤال كبير لماذا لم تصوت كل من روسيا والصين ضد مشروع ترامب بشأن غزة في مجلس الأمن الدولي واكتفتا بالاحتفاظ؟ والجواب بكل بساطة لأن الدول العربية طلبت منهما أن لا يعترضا، وبالتالي حجتهما أنهما لن يكونا ملكيين أكثر من الملك نفسه، ثانياً الاحتفاظ الروسي يقوي عندي احتمال عقد صفقة كبرى بين موسكو وواشنطن حول أوكرانيا، ثالثاً لأن الصين أولويتها في تايوان ثم جنوب شرق آسيا وليست مستعدة لخوض معارك في الشرق الأوسط نيابة عن الآخرين، خصوصاً في حالة العرب المتخاذلين والمتواطئين والمتآمرين».
وقال الباحث والصحافي وسام عفيفة: «القرار 2803 واحد من أغرب ما أصدرته الأمم المتحدة في تاريخها، فمن يتابع تغطية الصحافة الدولية لقرار مجلس الأمن حول مشروع القرار الأمريكي بشأن غزة يدرك سريعاً أننا لسنا أمام توافق على السلام، بل أمام سرديات متضاربة تحاول كل بطريقتها تجميل وصاية دولية جديدة على غزة بأغطية دبلوماسية براقة». ويضيف عفيفة: «تكشف التغطية الدولية للقرار ازدواجية واضحة: تيارٌ رئيسي يسوّق القرار بوصفه خارطة طريق للاستقرار وإعادة الإعمار، وتيارٌ واسع من الصحافيين والباحثين يرى أنه مجرد محاولة جديدة لإضفاء شرعية دولية على واقع الإبادة والحصار، عبر نقل غزة من احتلال مباشر إلى وصاية دولية بقيادة واشنطن، دون أي ضمان حقيقي لحق تقرير المصير أو لإنهاء الاحتلال. وبين هذه السرديات المتعارضة، يبقى السؤال المركزي معلَّقاً: من يملك حق رسم مستقبل غزة؟ سكانها الذين دفعوا ثمن الحرب، أم مجلس سلام ورئيس أمريكي يبحث عن نصر سياسي جديد فوق ركام القطاع؟».
وكتب الكاتب الصحافي الجزائري الدكتور محمد دخوش: «أكد وزير الدولة، وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، أن الجزائر تمكّنت من إدخال تعديل بالغ الأهمية على مشروع قرار مجلس الأمن الأممي بشأن خطة السلام في غزة، بهدف تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة والسيدة».
شيخ العرب ترامب
وقال البروفيسور منير الدولي: «من بركات شيخ العرب ترامب أن الجزائر أصبحت مع واشنطن ظالمة أو مظلومة.. وصوتت منذ قليل لقرار مجلس الأمن القاضي بنزع سلاح حماس وإرسال قوات دولية لغزة وإخراج كوادر حماس منها والسفير يشرح فوائد السلام مع إسرائيل.. سجلوها عني.. قريباً ستسمعون عن فوائد التطبيع الحلال المسقي بالدم».
وكتب مهدي مطر: «بينما لم يجف بعد حبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 المعتمد على خطة ترامب لغزة، عدوان صهيوني على مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان حصيلته ارتقاء 14 شهيداً وعشرات الجرحى.. هذا السلام الذي وعدوا به الشعب الفلسطيني».
وقالت راغدة درغام: «تدويل وتثبيت خطة ترامب في قرار لمجلس الأمن مهم للإدارة الأمريكية لانها ليست لغزة فقط وانما هي خطة سلام للشرق الأوسط».
أما الأكاديمي والناشط الفلسطيني الدكتور فايز أبو شمالة فكتب يقول: «دماؤنا العربية النازفة في قطاع غزة بعد اتفاقية وقف إطلاق النار يتحمل مسؤوليتها الرئيس الأمريكي ترامب شخصياً، فهو الذي يرأس مجلس السلام، وهو الذي يقيم مركزاً للقيادة الأمريكية جنوب تل أبيب، وهذا الوكر الاستخباري هو الذي أعطى الإذن للطائرات الإسرائيلية بخرق وقف إطلاق النار، وقتل 25 عربياً، وجرح العشرات مساء هذا اليوم.. فأين شهود وقف إطلاق النار من الدول العربية والإسلامية؟». ولفت الإعلامي الفلسطيني سعيد زياد إلى أهمية الموقف الجزائري في مجلس الأمن، حيث كتب يقول: «يقع على عاتق الجزائر دور كبير في تقديم موقف عربي رافض للمشروع الأمريكي الاستعماري في مجلس الأمن. هذا موقف حرج ومطلوب للتاريخ، في ظل حقبة سوداء».
وقال محمد حامد العيلة: «يؤسّس مشروع القرار عملياً لوصاية أمريكية على قطاع غزة بغطاء دولي، عبر ما يُسمّى (مجلس السلام) الذي ابتدعه سيّئ السمعة توني بلير. وتمثّل هذه الصيغة نسخة أشد سوءاً من الانتداب البريطاني، إذ يتمتع المجلس المقترح بشخصية قانونية دولية وصلاحيات واسعة تشمل تشكيل الحكومات، والإشراف الشامل على الشأن العام، بما في ذلك الجهاز القضائي، إضافة إلى إنشاء قوة دولية تضم دولاً عربية وإسلامية».
وأضاف العيلة: «هذه القوة المقترحة ليست قوة حفظ سلام، بل قوة إنفاذ وتدخّل، ومهمتها الأساسية نزع سلاح قطاع غزة، بما يعني عملياً استكمال مهمة الجيش الإسرائيلي بأيدي عربية وإسلامية هذه المرة. وهنا يبرز خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الغربية حول مفهوم (نزع السلاح) فإسرائيل تريد حتى نزع السكاكين من المطابخ، بينما تطرح الأطراف الأخرى مقاربات أقل حدّة، لكنها كافية لجرّ غزة إلى حالة ممتدة من الفوضى والعنف تخدم المصالح الإسرائيلية». وكتب أحمد حفصي: «الرئيس الأمريكي ترامب يشكر أعضاء مجلس الأمن الثلاثة عشر ومن بينهم الجزائر على التصويت على مشروع القرار الأمريكي بشأن غزة ويشيد بجهود مصر وقطر والإمارات والسعودية وأندونيسيا وتركيا والأردن الذين ساهموا في التوصل إلى اتفاق يفتح الباب أمام السلام الدائم».
يشار إلى أن الخطة التي صادقت عليها الأمم المتحدة تسمح بنشر قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة، إلى جانب تمهيد الطريق أمام مسار سياسي قد يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية في المستقبل.
وقال مايك والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أمام المجلس، إن القوة الدولية ستُكلَّف بـ«تأمين المنطقة، ودعم نزع السلاح في غزة، وتفكيك البنية التحتية الإرهابية، وإزالة الأسلحة، وضمان سلامة المدنيين الفلسطينيين».
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن المرحلة الأولى من الخطة التي شملت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس وتسليم الرهائن والمحتجزين دخلت حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/اكتوبر، واصفاً إياها بأنها «خطوة أولى هشة للغاية».