واشنطن ـ «القدس العربي»: أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ«مجلس السلام»، بحضور ممثلين عن نحو 50 دولة، معلنًا تعهدًا أمريكيًا بتقديم 10 مليارات دولار لدعم إعادة إعمار قطاع غزة. غير أن الإعلان فجّر موجة انتقادات حادة في الداخل الأمريكي، وسط اتهامات بأن الخطوة «غير قانونية» وقد تمثل استغلالًا سياسيًا وماليًا جديدًا للرئاسة.
وقال ترامب خلال الاجتماع إن الولايات المتحدة «ستقدم مساهمة بقيمة 10 مليارات دولار لمجلس السلام»، معتبرًا أن الرقم «صغير جدًا مقارنة بكلفة الحرب»، إذ يعادل ـ بحسب قوله ـ «أسبوعين فقط من القتال». لكنه لم يوضح مصدر هذه الأموال أو الآلية القانونية لاعتمادها.
انتقادات ديمقراطية: غير قانوني تمامًا
عزز تعهد ترامب بتوفير 10 مليارات دولار من أموال أمريكية لمجلس أنشأه ويرأسه بنفسه، المخاوف من أن المشروع برمّته قد يكون وسيلة جديدة لتحقيق مكاسب خاصة، في ظل اتهامات سابقة للرئيس باستغلال منصبه لتحقيق منافع له ولعائلته.
الصحافي براين بيوتلر كتب: «لا يسعني إلا أن ألاحظ أن محاولة السرقة الجنونية هذه هي المبلغ نفسه الذي يسعى لانتزاعه من وزارة الخزانة، تحت غطاء تعويضات عن الكشف عن سجلاته الضريبية»، في إشارة إلى الدعوى القضائية البالغة 10 مليارات دولار التي رفعها ترامب الشهر الماضي ضد وزارة الخزانة ودائرة الضرائب الأمريكية.
وأضاف بيوتلر: «ربما تكون مجرد مصادفة، وهذا أسوأ، لأنه يعني محاولة سرقة مزدوجة».
من جهتها، حذّرت نانسي أوكيل، رئيسة مركز السياسة الدولية، في مقال رأي من أن مجلس السلام يندرج ضمن ما وصفته بـ«تسليع وخصخصة السياسة الخارجية لتحقيق مكاسب شخصية» في إدارة ترامب.
وقالت إن المجلس، الذي قُدِّم في البداية كآلية للإشراف على عملية سلام بين غزة وإسرائيل، «تعرّض لانتقادات واسعة باعتباره مشروعًا شخصيًا جديدًا يفتقر إلى الجدية».
بدوره، كتب ديفيد كورن في مجلة «موذر جونز» أن ترامب «يقوم عمليًا بإنشاء صندوق مالي عالمي سري يخضع لسيطرته الكاملة».
وأضاف أن «الدول التي تنضمّ مبكرًا ـ ما دام رئيسًا ـ ستكون في موقع قوي لطلب معاملة تفضيلية في شؤون الدولة»، محذرًا من أن فرص الفساد واستغلال النفوذ «هائلة»، وأن ترامب قد يطلب من الكونغرس تمويل رسوم العضوية البالغة مليار دولار لضمان توفر أموال يمكنه إنفاقها ـ أو حتى الاستفادة منها ـ وفق تعبيره.
السيناتور الديمقراطي كريس مورفي وصف التعهد بأنه «غير قانوني تمامًا»، في إشارة إلى أن أي تخصيص مالي بهذا الحجم يحتاج إلى موافقة الكونغرس.
كما أثار حضور شخصيات مثيرة للجدل الاجتماع، من بينها الرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم Gianni Infantino، حيث وُزعت على الحضور قبعات حمراء على طراز حملة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا»، ما أضفى طابعًا سياسيًا داخليًا على فعالية يُفترض أنها دولية.
صندوق عبر البنك الدولي… وقرار بيد ترامب
بحسب ما أُعلن في الاجتماع، ستُودع أموال إعادة الإعمار في صندوق خاص لدى البنك الدولي يحمل اسم «صندوق إعادة إعمار وتنمية غزة». وأكد أجاي بانغا رئيس البنك الدولي أن الصندوق جاهز لتلقي التبرعات، مع تعهد بتطبيق معايير رقابية وشفافية.
لكن مجلس السلام، الذي يرأسه ترامب بنفسه ويحتفظ فيه بسلطات القرار النهائية، هو من يوجّه أوجه صرف الأموال. كما عرض عضوية دائمة للدول التي تتعهد بمليار دولار، في خطوة أثارت تساؤلات أوروبية بشأن طبيعة المجلس وبنيته القانونية.
وحتى الآن، انضمت 26 دولة إلى ميثاق المجلس، بينما امتنعت دول أوروبية عدة عن المشاركة بسبب ما وصفته بـ«الغموض» حول نطاقه وصلاحياته، إضافة إلى مخاوف من تهميش دور الأمم المتحدة التي قال ترامب إن المجلس قد «يشرف عليها يومًا ما للتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح».
غزة بين الإعمار والمهلة العسكرية
يأتي إطلاق المجلس في ظل واقع معقد في قطاع غزة، حيث لا تزال السيطرة منقسمة بين حماس والجيش الإسرائيلي، فيما تقدر الأمم المتحدة أن كلفة إعادة إعمار القطاع قد تتجاوز 70 مليار دولار على مدى عقود.
ومنح ترامب حماس مهلة 60 يومًا لنزع سلاحها، ملوّحًا بأن الفشل في ذلك سيقود إلى ردّ «قاسٍ جدًا». من جهته، أكد سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس استعداد تل أبيب لاستئناف الحرب إذا لم تلتزم الحركة بالمهلة.
تهديد لإيران وتصعيد إقليمي
وفي سياق متصل، وجّه ترامب إنذارًا لإيران مدته 10 أيام للتوصل إلى اتفاق جديد، ملوحًا بهجوم عسكري واسع. وأشار إلى حشد عسكري أمريكي كبير في الشرق الأوسط يضمّ أكثر من 12 سفينة حربية، بينها مجموعتا حاملة طائرات، إضافة إلى قوة جوية هي الأكبر منذ عام 2003.
وأكد أن واشنطن لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أو تطوير برنامج صواريخ باليستية، مشيرًا إلى احتمال «الذهاب خطوة أبعد» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
مشروع سلام أم منصة نفوذ؟
بين وعود إعادة الإعمار والتهديدات العسكرية، يقدم ترامب مجلس السلام كآلية جديدة لإدارة النزاعات الدولية، تبدأ بغزة وقد تمتد إلى «نقاط ساخنة» أخرى حول العالم.
غير أن الجدل القانوني والسياسي داخل الولايات المتحدة، وتحفظات حلفاء تقليديين، تطرح تساؤلات حول ما إذا كان المجلس سيصبح منصة متعددة الأطراف بالفعل، أم أداة نفوذ شخصية بغطاء دولي، في ظل اتهامات متزايدة بأن المشروع يفتقر إلى الشفافية والشرعية المؤسسية.
الضفة الغربية
وفي سياق متصل، طالبت مجموعة من النواب التقدميين في الكونغرس الأمريكي الرئيس دونالد ترامب بالضغط على إسرائيل لوقف ما وصفوه بـ «الاستيلاء غير القانوني على أراضي الفلسطينيين» في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدين أن الحكومة الإسرائيلية تسرّع عمليًا ضمّ الأراضي الفلسطينية، بما يقوّض أي أمل بحلّ الدولتين.
وقال التجمّع التقدمي في الكونغرس إن «الحكومة الإسرائيلية تتحرك نحو ضمّ غير قانوني للضفة الغربية. وقال ترامب إنه ضد ذلك لكنه لم يفعل شيئًا بينما يدمر نتنياهو آفاق حلّ الدولتين. هناك حاجة لضغط أمريكي حقيقي لتحقيق سلام عادل للفلسطينيين والإسرائيليين».
ودانت أكثر من 80 دولة قرار إسرائيل، مؤكدة أن هذه الإجراءات مخالفة للقانون الدولي. وقال السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور إن «أي ضمّ يجب أن يُلغى فورًا، ونرفض أي تغيير ديموغرافي أو وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967».
ورغم تصريح ترامب بأنه «لن يسمح بضمّ الضفة الغربية»، لم يمنع الحكومة الإسرائيلية من المضي قدمًا في ضمّ الأراضي عمليًا، بينما اعتبر بعض المسؤولين الإسرائيليين، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن إيتامار بن غفير، أن إعادة انتخاب ترامب فرصة لتعزيز الاحتلال وضمّ الأراضي الفلسطينية.
وتستمر إسرائيل منذ عام 1967 في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات، إذ ارتفع عدد المستوطنين من نحو 1.500 في 1970 إلى حوالي 770.000 اليوم، وهو ما اعتبرته محكمة العدل الدولية عام 2024 «ضمًا غير قانوني وجريمة وفق القانون الدولي»، كما أكد القانون الدولي في اتفاقية جنيف الرابعة على منع نقل السكان المدنيين المحتلين إلى الأراضي المحتلة.
وتحذّر تقارير الأمم المتحدة من أن الهجمات الإسرائيلية وتهجير السكان الفلسطينيين تهدف إلى تغييرات ديموغرافية دائمة، بما يثير مخاوف من تطهير عرقي في غزة والضفة الغربية. في هذا السياق، أعادت النائبة الديمقراطية بيتي ماكولوم طرح مشروع قانون يحظر استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم أي ضمّ أو استيلاء على أراض فلسطينية.