متان غولان
شخص ملثم، رياضي البنية، كان يركض بين أشجار الزيتون في قرية تُرْمُسْعَيّا الفلسطينية وهو في حالة هياج كالمجنون. الأهداب تتدلى من سترته، ويمسك بعصا كبيرة. ركض نحو امرأة ثم ضربها بالعصا. انهارت وسقطت على الأرض. مجموعة كبيرة من المستوطنين الملثمين كانت تركض على سفح التلة. أحد الفلسطينيين الذي كان يسافر في سيارته وصادف وجوده هناك، نزل منها وهرب لينجو بنفسه. اشتعلت السيارة وتصاعد منها الدخان الأسود. ليس هذا سوى جزء من توثيقات قاسية وصلت أول أمس من قرية ترمسعيا القريبة من رام الله. في هذه السنةـ أمل سكان القرية قطف زيتونهم بأمان، كما فعلوا لأجيال. ولكن أملهم خاب، وأدركوا أن واقع السنوات الأخيرة يكرر نفسه.
تم توثيق 41 عملية اعتداء شنها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ بداية موسم قطف الزيتون الذي بدأ مطلع الشهر الحالي. قالت جمعية “يوجد حكم”، التي تجمع الشهادات، إن الأمر يتعلق بقائمة جزئية. الاعتداءات تجري في مرات كثيرة أمام أنظار جنود الجيش الإسرائيلي الذين يتجاهلون ما يحدث.
الوقوف مكتوفي الأيدي من قبل الجنود يعارض التعليمات المكتوبة والموقع عليها من قبل رئيس الإدارة المدنية العميد هشام إبراهيم، التي نشرت في بداية أيلول. حسب هذه التعليمات، على قوات الجيش “السماح بالوصول إلى صاحب قطعة الأرض، وضمن ذلك الشخص الذي يصل من قبله (إسرائيلي أو فلسطيني)، للدفاع عنهم من الاعتداءات والعمل ضد الجهات الإجرامية التي تريد منع ذلك”. وكتب أيضاً أنه يجب السماح لأصحاب الأراضي بالوصول إلى أراضيهم ما لم يتم التوقيع على أمر منطقة عسكرية مغلقة، وأنه في حالة حدوث احتكاك والخوف من حدوث عنف أو إضرار بالأمن، يجب العمل على منع دخول الجهة الغازية – المعتدية وليس صاحب الأرض”. وكتب إبراهيم أنه “عندما يكون جندي من الجيش الإسرائيلي شاهداً على ارتكاب جريمة من قبل إسرائيلي، فعليه القيام بنشاطات فورية لمعالجة منفذ الجريمة ومنعها، بما في ذلك اعتقال المشتبه فيه ونقله إلى شرطة إسرائيل… الجندي غير مخول بالوقوف مكتوف الأيدي في هذه الحالة، وعليه التدخل لمنع الجريمة وضمان معالجة المجرم”.
إضافة إلى هذه التعليمات، منع الجيش الإسرائيلي في شهر تموز الماضي وضع قناع في الأماكن العامة في الضفة الغربية. ورغم ذلك، تم في الفترة الأخيرة توثيق ملثمين إسرائيليين عدة مرات وهم يهاجمون الفلسطينيين، في الوقت الذي كان فيه مستوطنون مكشوفو الوجوه إلى جانبهم. الجنود الذين كانوا هناك لم يتدخلوا. في 10 تشرين الأول مثلاً، جاء قاطفو زيتون فلسطينيون إلى حقولهم الواقعة بين قريتي بيتا وأوصرين في منطقة نابلس، بمرافقة نشطاء آخرين. ماهر، وهو صاحب أراض من بيتا، قال للصحيفة: “جاء المستوطنون وبدأوا بسرقة السلالم والفرش الذي نضعه على الأرض لجمع الزيتون. قلت للجندي عن ذلك، لكنه لم يفعل أي شيء. في هذا الوقت، أحرق المستوطنون سيارة”. وحسب قوله، قام ما لا يقل عن 15 مستوطناً، بعضهم ملثمون، بمطاردته مع آخرين، ورشقوهم بالحجارة. بعد ذلك، قال ماهر إن الجنود أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع على الفلسطينيين. “الجيش ببساطة يقوم بحماية المستوطنين، ولم يفعل أي شيء لهم”، قال، وأضاف: “في نفس اليوم، أعلن الجيش حظر التجول، ولم يستطع أحد الاقتراب من حقله. الزيتون مهم للإعالة، وضعنا سيئ جداً”.
ناشطة حقوق الإنسان ع. كانت في المكان. وحسب قولها، فإن قوات الجيش الإسرائيلي حددت المناطق التي سمح بقطف الزيتون فيها. امتثل المزارعون للتعليمات، ولكن المستوطنين الذين نزلوا إلى الحقول بدأوا في الاحتكاك معهم ورشقوهم بالحجارة. من توثيقات في هذه المرحلة، ظهر جنود الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود وهم يحاولون الفصل بين القاطفين، ومجموعة كبيرة من المستوطنين. في توثيق آخر، شوهد كيف أن المستوطنين يقفون براحة وراء الجنود، وهم يطلقون قنابل الغاز المسيل للدموع على قاطفي الزيتون.
في هذه المرحلة، قالت ع.، طلب الجنود من قاطفي الزيتون المغادرة. قالوا لهم: “أنتم ترون أن الفوضى قد بدأت. ولم يعد بالإمكان مواصلة القطف. قلنا: لسنا من نعمل الفوضى. وخلال ذلك، شاهدنا المستوطنين وهم يحرقون سيارة”. حسب أقوالها، سارعت القوات إلى نقطة الحريق، ولكن في حينه، لم يعتقلوا المستوطنين. “فجأة وصل 30 مستوطناً ملثماً وهم يحملون الحجارة، قالت ع.، هربنا ركضاً وبقيت وحدي. فجأة، وصل مستوطن ملثم يحمل حجراً، هربت لسفح الجبل المنحدر وتدحرجت إلى أسفل وكسرت أضلاعي ومرفقي وأصيب معصمي. اقترب المستوطن مني، وأراد رشقي بالحجر، ولم يكن أمامي مكان لأهرب إليه. عرفت أنه بعد لحظة قد أموت. عندها، بدأت بالتحدث معه لإنقاذ نفسي. هل أنت يهودية؟ سألني ربما عشرين مرة. لن أمس بك، أنت يهودية، قال لي”.
بعد ذلك، قالت ع.، المستوطن منع أصدقاءه من المس بها إلى أن جاءت قوة للجيش الإسرائيلي، استدعاها زملاؤها. في رد الجيش على هذه الحادثة التي تطورت إلى رشق حجارة متبادل، لم يقل أي شيء عن أن الحادثة بدأها المستوطنون بمهاجمتهم قاطفي الزيتون. وجاء في الرد أن “قوات الجيش التي وصلت إلى المكان، عملت على تفريق الاحتكاك. وقد استخدمت وسائل تفريق المظاهرات، وأطلقت النار في الهواء لإبعادهم، وتم إطلاق النار نحو محرض فلسطيني وتم تشخيص إصابة. ثم أعلن عن المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة لتفريق الاحتكاك. استمرار معالجة الحادثة نقلت إلى شرطة إسرائيل. علمنا بإصابة عدد من المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين بإصابات مختلفة أثناء الاحتكاك”.
المفهوم السائد لدى الجيش الإسرائيلي، “احتكاك”، يدل على تناسب بين الطرفين. ولكن حسب تعليمات الجيش، فإن أصحاب الحقول يعتبرون أصحاب حق في الوصول، في حين أن من يحاولون منعهم الوصول إلى أراضيهم يعتبر هو المعتدي. هكذا كان الأمر أيضاً في قرية دير عمار في الأسبوع الماضي. في حينه، جاء نشطاء “صوت إلهي لحقوق الإنسان” وأعضاء جمعية “نقف معا” لمساعدة المزارعين الفلسطينيين في قطف الزيتون. بأثر رجعي، قال الجيش في رده بأنه عمل على “تفريق الاحتكاك” وأنه “أعلن عن منطقة عسكرية مغلقة”. ولكن الصور تظهر كيف كان المستوطنون يرشقون قاطفي الزيتون بالحجارة لطردهم من أراضيهم. تم توثيق قوات الأمن التي كانت في المنطقة وهي تتحرك بتكاسل نحو المهاجمين، في الوقت الذي واصل فيه هؤلاء رشق الحجارة. هذا رغم التعليمات المكتوبة التي تنص على أن “الجندي غير مخول بالوقوف مكتوف الأيدي”، وأن عليه حماية قاطفي الزيتون ويحتجز المهاجمين إلى حين قدوم الشرطة”.
النشطاء قالوا إن قوات الشرطة التي تواجدت هناك لم تعمل ضد المعتدين. في توثيقات أخرى، تمت مشاهدة المستوطنين الذين رشقوا الحجارة وهم يتجولون بجانب الجنود الذين يحيطون بقاطفي الزيتون. قال أحدهم وهو بجانب الجنود، إن النشطاء يساعدون “العدو”.
إضافة إلى ذلك، يظهر في الصورة جندي وهو يطرد فلسطينياً مسناً في الوقت وجد فيه مستوطن ملثم مع القوة التي تفصل بين قاطفي الزيتون والأشجار.
في رد الجيش، كتب: “في الحالات التي كان فيها إزعاج لموسم قطف الزيتون، أعطيت تعليمات لقوات الجيش باتخاذ خطوات تسمح باستمرار القطف بدون إزعاج. الجيش الإسرائيلي يتعاون مع شرطة إسرائيل لتطبيق القانون، بدءاً بالإسرائيليين الذين يشاركون في مثل هذه الأحداث. الجيش الإسرائيلي يدين بشدة العنف من كل نوع، الذي يحرف انتباه القادة والجنود عن الانشغال بمهمتهم – الحماية ومكافحة الإرهاب”.
هآرتس 21/10/2025