الماضي السحيق، بوجه عام، يكتنف العديد من الأسرار الشيِّقة التي تجتذب الجميع، وخاصة إذا كان الغموض أهم عنصر للتشويق بها. وعندئذ تجد الأساطير والحكايات الشعبية طريقًا ممهدًا للظهور، ويعزز من ذاك الاتِّجاه ميل البشر بوجه عام لنسج حكايات حول أي موضوع؛ وتعيش الحكايات لأزمنة متتالية كلَّما كانت تميل إزاء العالم المظلم الذي لا يمكن سبر جوانبه أبدًا، وإذا استطاع أحدهم كشف مناطق الغموض، يتأتى ذلك بصعوبة بالغة.
وتعد الأساطير اليونانية من أشهر الأمثلة على هذا، فهي لا تزال حية نابضة في وجدان البشر ولم يستطع إزاحتها عن مكانتها المحفوظة أي تقدُّم علمي أو حبكة درامية حديثة بغض النظر عن قدرة هذه الحكايات على اجتذاب الملايين من البشر؛ فتلك القدرة وقتية ولا يمكن مقارنتها بقوّة الأساطير. وقد يكون السبب أن الأساطير، وخاصة الإغريقية منها، بالأساس حكايات تعليمية، وتشتمل على دراسات مفصلَّة لسلوك البشر ودوافعهم وميولهم التي لا تتغيَّر ولن تتغيَّر مهما تبدَّلت الأزمان أو البلاد أو المجتمعات، وهذا لأنها ببساطة تأريخ سوسيولوجي نفسي للبشرية. ولهذا، تعدّ النواة الحقيقية لعلوم الاجتماع والتحليل النفسي، التي جميعًا مازالت تتعلَّم من تلك الأساطير.
ومن ناحية أخرى، تتمتَّع الأساطير اليونانية ببناء درامي مكتمل الأركان، وحكايات تحتوي على جميع الأفكار التي استغلَّها كتَّاب الروايات والأعمال الدرامية. ولا عجب في ذلك؛ فالأساطير تمسّ الجانب النفسي الاجتماعي السلوكي للإنسان. وجميع الحكايات متعددة الجوانب، ويمكن أن تصل من زوايا مختلفة لحد التناقض، لدرجة أنها قد تدفع البعض للدفاع عنها لكونها تحضّ على الفضيلة وحسن التصرُّف في الأزمات، في حين قد يشجبها البعض بسبب اعتبارها حكايات تفتقر إلى الأخلاق، وأن اتباعها يفضي إلى تفشِّي الأمراض الاجتماعية والجريمة.
وإحدى تلك الأساطير الشهيرة التي تجسِّد هذا المفهوم أسطورة «حصان طروادة». فالأسطورة عبارة عن استراتيجية حربية مازالت واجبة الاتِّباع في أوقات الأزمات التي لا مهرب منها، سواء في الحروب أو في تعامل البشر فيما بينهم. والأسطورة تحكي عن حرب طروادة التي لم يستطع فيها الإغريق هزيمة الرومان، وهذا لأنهم محصنون داخل قلعة لم يستطع الإغريق الولوج لها، حتى بعد حصارهم للبلاد مدة عشر سنوات، إلى أن أضنى الإعياء الجنود الإغريق. فما كان من ملك الإغريق الأسطوري أوديسيوس Odysseus إلَّا أن رسم خطة كتبت لهم فوزًا مضمونًا. والخطة هي إكمال شجاعة الجنود بحيلة تقتضي تقديم هدية مسمومة للعدو، ألا وهي «حصان خشبي ضخم». وتم تقديم الهدية على أساس أنها هدية وداع قبل فضّ الحصار وعودة الجنود إلى أدراجهم بعد فشلهم في الغزو. والهدية هي عقد صلح غير مكتوب، وإذعان بالهزيمة، وخاصة أنه أشيع أن هذا الحصان رمز مقدَّس في «إيثاكا» (بلاد الإغريق) وهدية من إلهة الحكمة «أثينا»، ومن يمتلكه تتنزَّل عليه قوَّة روحانية تجعله محصَّنًا ولا يمكن هزيمته. وبالرغم من تحذيرات الحكماء للطرواديين الرومان، قبلوا الهدية وفتحوا لها أبواب الحصن وأدخلوها. وما طمأنهم أكثر، أن الجنود الإغريق بالفعل كانوا يجمعون العتاد ويجهزون السفن للإبحار إلى الديار.
لكن المفاجأة كانت بوجود جنود إغريق أشدَّاء قد اختبأوا داخل الحصان، وخرجوا منه ليلًا وفتحوا أبواب الحصن لأقرانهم. ومن ثمَّ، كُتِب النصر لهم بفضل الخديعة والدَّهاء، التي قد يعتبرها البعض جريمة أخلاقية متكاملة الأركان؛ فهي نموذج فجّ لخيانة العهد، واستغلال الثقة. بيد أن رأي الجمهور أن «الحرب خدعة»، وهذا أمر مقبول تمامًا. في حين تطبيق المنطق نفسه على مواقف إنسانية في الحياة اليومية أمر يُصنّف على أساس أنه أسوأ ألوان الخداع، وأن من تأتيه الشجاعة ليقترف هذا اللون من الجرائم الأخلاقية المخادعة، مهما كان الموقف، هو شخص انعدم ضميره وأسلم نفسه لنزغ الشيطان.
وبالنظر إلى الجرائم، بوجه عام، يلاحظ أن قوامها الدهاء والحيلة، ورائدها الشجاعة التي تشحن الفرد بالإقدام على اقتراف أي من تلك الأفعال بدم بارد. وتحظى الجرائم الحقيقية التي يقوم الأدباء بصياغتها في شكل روايات بشعبية وإقبال منقطع النظير، وخاصة في الوقت الرَّاهن، بالمقارنة بالألوان الأدبية الأخرى. ومن ثمَّ، ظهر جنس أدبي مستقّل يسمى بـ «أدب الجريمة».
ولقد ظهر «أدب الجريمة» منذ أزمنة طويلة لتسجيل وقائع جرائم يحيط بها الغموض، ولا تتكشَّف الحقائق إلَّا في النهاية، مما يجعل عنصر التشويق في القصة متأججًا ولا يخمد. ومن الطريف أن العديد ممن قدَّموا أفضل روايات الجريمة كانوا شخصيات من ذوي المناصب المرموقة كالقضاة أو كبار المحامين، أو كتَّاب رواية ذوي صيت ذائع. لكن الأكثر طرافة من كل هذا وذاك، أن الغالبية العظمى من تلك الشخصيات كانت تحرص أن تنشر رواياتها تحت اسم زائف، وذلك خشية أن يتأثر مستقبلها المهني أو مكانتها الاجتماعية. ولو كان الروائي ذائع الصيت ويشتهر بالروايات الأكثر مبيعًا، كان أيضًا يكتب روايات الجريمة تحت اسم زائف خشية أن تتأثَّر مبيعات رواياته، وهو ما يعني أن الغموض والدهاء يخرج من عالم الرواية ليصيب مؤلِّفيها.
وبالرغم من أن الجرائم على أرض الواقع تتطلَّب وجود أشخاص ذوي قدرات عقلية خاصة وحاذقة بمقدورها اقتراف جرائم بها تقنيات عالية، لكن عند نقل الجريمة إلى عالم الخيال تكون ذات وقع أخف، ولا تضاهي بشاعتها ما يحدث على أرض الواقع، مهما تضمنت روايات أو أفلام الجريمة مشاهد عنيفة أو دموية؛ فالواقع دائمًا أكثر بشاعة لأن مقترفي الجرائم شياطين على ظهر الأرض.
ومن المدهش أن الأخصَّائيين والمعالجين النفسيين ينصحون بقراءة ومشاهدة أفلام الجريمة والغموض، ذلك أن لها القدرة على تخفيف أعراض الاكتئاب، وتساعد المخ على إفراز الأدرينالين والسيراتونين، ما يمنح الإحساس بالمتعة ويحث الفرد على الهروب من الحالات النفسية السيئة.
أضف على هذا كله، أن هناك أجيالاً تربت على قراءة ومشاهدة روايات شارلوك هولمز Sherlock Holmes للكاتب الإنجليزي أرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle، وأفضل ما فيها أنها تعالج الجرائم الغامضة بأسلوب المخبر الخاص الذي يستخدم التحليلات العلمية والمنطقية، ما يجعل القارئ يستفيد بمعلومات علمية وتنمو لديه قوَّة الملاحظة، إلى جانب الاستمتاع بقراءة الرواية مع تعلُّم كيفية تفكيك الغموض وهالة الخداع والدهاء الذين قد يحيطون بأي حدث أو جريمة.
ومن هذا تتضح هشاشة الخط الفاصل بين استراتيجيات الخداع في الحرب واقتراف الجرائم أو نقلها لعالم الخيال في شكل روائي، مهما كانت الأطراف الضالعة في الحرب أو الجريمة تسعى إلى الفوز وتحقيق الأهداف عن طريق الشجاعة والدهاء واستخدام الحيلة. ولقد صرَّح ميكيافيلي ناصحًا: «لا تحاول أبدًا الفوز باستخدام القوَّة فيما يمكن الظفر به عن طريق الخداع». وتلك الاستراتيجية محببة في أوقات الحروب الفعلية أو الأخلاقية. وفي الإطار نفسهن يؤكِّد سون تزو Sun Tzu في كتابه الشهير «فن الحرب» The Art of War قائلًا: «الحرب خدعة، ويجب على المرء أن يبدي القوة في حالة الضعف، والضعف في حالة القوَّة. وهذا من أجل أن ينصب الشرك لعدوه، فتكون حالة الخداع تلك هي الطعم لاصطياد العدو وسحقه».
ولو كانت تلك الاستراتيجيات تتطابق مع الأسلوب الذي يتبعه مقترفو الجرائم، فلقد تمكنّ الفيلسوف ماركوس توليوس شيشرو قديمًا من الإمساك بذاك الحد الفاصل بين الجريمة والخداع الاستراتيجي بقوله: «الجريمة لا يجب قياسها بالأحداث، ولكن بالنوايا». وأمَّا الكاتب الروسي العبقري فيودور ديستوفسكي Fyodor Dostoevsky، فقد ألقى الضوء على الوضع وحلل الجريمة والحرب، وكذلك استخدام استراتيجية الخداع من وجهة نظر من شأنها إزالة اللبس بين الخداع الحربي والجريمة. فلقد وصف في روايته «الجريمة والعقاب» Crime and Punishment هذا الموقف، فقال: «الشيء الأهم، يجب ألَّا تكذب على نفسك؛ فالرجل الذي يكذب على نفسه ويصدق أكاذيبه يصل إلى نقطة لا يستطيع فيها التفرقة بين الحقيقة الكامنة بداخله، أو الحقائق التي تحيط به، وبذلك يخسر احترامه لذاته ومعه احترام الآخرين له».
الشجاعة والحيلة متلازمتان لا غنى عنهما ما دام باستطاعة الفرد توظيفهما فيما يخدم مصالحه الشخصية، مع مراعاة عدم المساس بمصالح الآخرين، وهذا بالطبع عند التعامل على المستوى الإنساني وليس في وقت الحرب.