النظام الجديد في سوريا يُقدم التنازلات المجانية يومياً منذ توليه السلطة، وكلما انتقد أحدٌ هذه التنازلات، فإن الرد الوحيد لا يتجاوز عبارة «لن ندخل في حرب من أجل أحد»، في إشارة بطبيعة الحال إلى إسرائيل التي تشنُ اعتداءات يومية على سوريا ولبنان وأماكن أخرى من العالم العربي، إلى جانب الضفة الغربية وغزة.
وواقع الحال أنه لا أحد يريد من سوريا الجديدة أن تدخل في حرب، لا مع إسرائيل ولا مع غيرها، ولكنَّ الغاضبين في المقابل ينتقدون التنازلات المجانية اليومية، التي يُقدمها النظام الجديد، من دون أي مقابل، والتي وصلت إلى إبداء الموافقة على التطبيع مع إسرائيل، على الرغم من أن هذه الأخيرة تحتل مساحات واسعة من الأراضي السورية، وتشن ضربات يومية ضد مواقع في العمق السوري، بما في ذلك العاصمة دمشق، من دون أن يصدر أي تعليق من النظام الجديد.
ثمة مساحة واسعة بين التنازل الكامل (الانبطاح) والحرب الشاملة، وثمة مساحة واسعة للحركة بعيداً عن الحرب، بل إن العديد من دول المنطقة التي تقيم علاقات مباشرة مع إسرائيل، قدمت المساندة والدعم للفلسطينيين في هذه الحرب، مما لم يقدمه نظام أحمد الشرع في سوريا، وهو ما يدفع الكثيرين لتوجيه سهام النقد. خلال أسبوع واحد تلا سقوط نظام بشار الأسد، احتلت إسرائيل من الأراضي السورية ما تزيد مساحته عن قطاع غزة كاملاً، كما توغلت في مناطق استراتيجية وسيطرت عليها بشكل كامل، بما فيها قمة جبل الشيخ، واجتازت إسرائيل خطوط الهدنة المتفق عليها منذ عام 1974، كما قامت إسرائيل بتدمير القوة الجوية السورية بشكل كامل، ونحو 80% من القدرات العسكرية الإجمالية للدولة السورية، وهذه اعتداءات غير مسبوقة ضد السوريين، ولم يصدر أي تعليق بهذا الصدد عن النظام السوري؛ بل إن ما تسرب هو، أن دمشق أصبحت مستعدة لإبرام اتفاق سلام مع تل أبيب، حسبما أعلن عضو في الكونغرس الأمريكي مؤخراً.
بناء دولة قوية في سوريا لا يُمكن أن يحدث من دون التوصل إلى صيغة تردع العدوان الإسرائيلي وتوقف توسعه وهيمنته وتتصدى لاستغلاله هذه المرحلة الانتقالية
ليس مطلوباً من النظام السوري الجديد، أن يخوض حرباً مع أحد، ولا أن يبني علاقات متوترة مع الدول الغربية، ولا أن يظل حبيس العقوبات الأجنبية، ولا أن يكون في مواجهة مع الدول العربية؛ لكن المطلوب منه أن يُعلن رفضه واستنكاره للتوسع الإسرائيلي الاستعماري، وأن يتبنى موقفاً حازماً وواضحاً بأن أي اتفاق سلام مع إسرائيل لا يُمكن إنجازه، إلا بالكف عن الاعتداءات التي تتعرض لها الأراضي السورية، ويتعرض لها المواطنون السوريون داخل بلدهم، وأن يكون أي تطبيع مع إسرائيل مشروطاً بالانسحاب من الأراضي السورية المحتلة، والتخلي عن سياسة الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. يُضاف إلى ذلك أنه من المعيب أن تقوم أجهزة الأمن السورية باعتقال شخصيات فلسطينية من قيادات الصف الأول للاجئين، الذين يعيشون في ضيافة الشعب السوري بأمان وإكرام منذ ستة أو سبعة عقود، وأغلب هؤلاء من المولودين داخل سوريا، والذين عاشوا مع الشعب السوري في مراحل حياته كافة، بحلوها ومُرها، حتى أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للبلاد.
ثمة تحول في سوريا يتفهمه الجميع، وثمة التفات لإعادة بناء الدولة السورية وإعادة صياغة علاقاتها الخارجية، ومحاولة للخروج من الوضع الذي أوجده النظام السابق، وهذا كله طبيعي، لكن بناء دولة قوية في سوريا لا يُمكن أن يحدث من دون التوصل إلى صيغة تردع العدوان الإسرائيلي وتوقف توسعه وهيمنته وتتصدى لاستغلاله هذه المرحلة الانتقالية. يجب على الجميع في سوريا أن يُفكر كيف ينقل البلاد من عصر إلى عصر، من دون أن يكون الثمن غالياً، ومن دون أن يتم تقديم البلاد قربانا للإسرائيليين، فسوريا هي بارقة الأمل في هذه المنطقة التي تعاني، ويجب لهذه البارقة أن لا تنطفئ.
كاتب فلسطيني